لا تمثّل أزمة مضيق هرمز بالنسبة إلى العراق مجرد اضطراب في حركة نقل النفط، بل تكشف عن إحدى أعمق نقاط الضعف البنيوية في الاقتصاد السياسي العراقي منذ عام 2003: الفجوة بين امتلاك موارد هائلة من الطاقة وبين امتلاك الاستقلال الاستراتيجي اللازم لاستثمار هذه الموارد والتحكم بمخرجاتها.
فالعراق ينتج النفط، لكنه لا يمتلك الدرجة ذاتها من السيطرة على جميع حلقات السلسلة التي تحوّل النفط إلى إيرادات، والإيرادات إلى عملات أجنبية، والعملات الأجنبية إلى قدرة اقتصادية وسيادية.
وقد شكّلت الهجمات غير القانونية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 شباط/فبراير 2026 نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الأزمة الإقليمية. فقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة هذه الهجمات، مذكّراً بصورة صريحة بالمبدأ الذي يكرّسه ميثاق الأمم المتحدة بشأن حظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي. كما أثار عدد من خبراء القانون الدولي، في تقييمات لاحقة، شكوكاً جدية بشأن مشروعية هذه العمليات، ولا سيما في ظل غياب أدلة واضحة على وجود هجوم وشيك يمكن الاستناد إليه لتبرير استخدام القوة في إطار حق الدفاع عن النفس.
غير أن التداعيات الاقتصادية للحرب على العراق ظهرت بوتيرة أسرع بكثير مما ربما كان مقدّراً في حسابات واشنطن. فقد تراجعت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بصورة حادة، وتحول المضيق في بعض الفترات عملياً إلى ممر بالغ الخطورة وقريب من حالة الانسداد الفعلي.
وكان العراق يصدّر قبل اندلاع الحرب أكثر من 3.3 ملايين برميل من النفط يومياً، إلا أن صادراته هبطت في تموز/يوليو 2026 إلى نحو 1.35 مليون برميل يومياً. وفي آب/أغسطس، وبعد سماح إيران بمرور جزء من ناقلات النفط العراقية، ارتفعت الصادرات إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً. ومع ذلك، اضطرت شركة تسويق النفط العراقية «سومو» إلى تقديم خصومات كبيرة في بعض العقود، تراوحت بين 25 و30 دولاراً للبرميل، في محاولة لاستعادة المشترين والحفاظ على الحصة السوقية.
بالنسبة إلى اقتصاد كالعراق، لا تعني هذه الأرقام مجرد انخفاض في كميات النفط المصدّرة، بل تحمل تداعيات مالية ونقدية أوسع بكثير. فقد قدّر صندوق النقد الدولي في عام 2025 إيرادات الحكومة النفطية بما يعادل 33.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين بلغت الإيرادات الحكومية الكلية نحو 36.9 في المئة من الناتج، وهو ما يعني أن نحو 90 في المئة من الموارد العامة كانت مرتبطة بصورة مباشرة بالنفط. كما قُدّرت قيمة صادرات العراق من النفط الخام بنحو 84.2 مليار دولار.
وعليه، فإن تعطل مسار التصدير النفطي يمكن أن ينتقل بسرعة من كونه مشكلة تخص وزارة النفط إلى أزمة تشمل الموازنة العامة، والاحتياطيات الأجنبية، والقدرة على دفع الرواتب، والاستقرار النقدي والمالي للدولة بأكملها.
الالتفاف على هرمز… ولكن كيف؟
يبدو الرد الأولي لبغداد واضحاً: البحث عن طرق لتجاوز مضيق هرمز.
إلا أن الفحص الفني للبنية التحتية والخيارات المتاحة أمام العراق يبيّن أن أياً من خطوط الأنابيب المقترحة، منفرداً، لا يستطيع حل المشكلة بصورة كاملة.

أربعة ممرات وعمود فقري واحد
يمثّل مشروع خط أنابيب البصرة–حديثة أبرز مكونات الاستراتيجية العراقية الجديدة لتنويع مسارات تصدير النفط.
ومن المخطط أن يمتد الخط لمسافة تقارب 700 كيلومتر، بقطر يبلغ 56 بوصة، وبطاقة تصميمية تصل إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً.
وتنبع الأهمية الاستراتيجية لهذا الخط من واقع جغرافي أساسي: الجزء الأكبر من الإنتاج النفطي العراقي يتركز في المحافظات الجنوبية، في حين صُممت معظم شبكات التصدير العراقية التاريخية التي تتجاوز هرمز أساساً لخدمة نفط كركوك والحقول الشمالية.
ومن ثمّ، يُفترض أن يعالج خط البصرة–حديثة هذا الاختلال الجغرافي، من خلال ربط حقول الجنوب بالشبكة البرية الوطنية لنقل النفط. وقد حدّدت وزارة النفط العراقية، انطلاقاً من حديثة، ثلاثة اتجاهات رئيسية محتملة للتصدير: ميناء جيهان في تركيا، وبانياس في سوريا، والعقبة في الأردن.
لكن خط البصرة–حديثة لا يشكّل في حد ذاته منفذاً تصديرياً خارجياً، وإنما هو عمود فقري داخلي لشبكة نقل النفط.
وهذا فارق تقني بالغ الأهمية.
فإذا أصبحت المسارات الخارجية الثلاثة معتمدة على خط واحد يمتد لنحو 700 كيلومتر وينتهي في منشآت مركزية في حديثة، فقد يجد العراق نفسه أمام إعادة إنتاج مشكلة «عنق الزجاجة» بدلاً من التخلص منها؛ أي نقل نقطة الاختناق من مضيق هرمز إلى حديثة.
وفي هندسة الشبكات، يمكن وصف هذه الحالة بأنها فشل ذو نمط مشترك (Common-Mode Failure)، إذ إن تعرّض الخط الرئيسي، أو إحدى محطات الضخ، أو مجمعات التخزين في حديثة لخلل كبير أو هجوم، قد يؤدي إلى تعطيل عدة مسارات تصدير تبدو ظاهرياً مستقلة في الوقت نفسه.
جيهان: الخيار الأكثر جاهزية… ولكن ليس بقدر طاقته الاسمية
يُعدّ مسار كركوك–جيهان أكثر الخيارات العراقية القائمة واقعية وقابلية للاستخدام في المدى القريب.
وتبلغ الطاقة الاسمية للجزء التركي من هذه الشبكة نحو 1.5 إلى 1.6 مليون برميل يومياً، حيث ينقل النفط العراقي إلى الساحل التركي على البحر المتوسط.
لكن من الضروري التمييز بين الطاقة التصميمية الاسمية والقدرة التشغيلية الفعلية.
فقبل توقف الصادرات في آذار/مارس 2023، كانت الكميات التي يجري تحميلها عبر ميناء جيهان تتراوح في العادة بين 400 و450 ألف برميل يومياً فقط.
وظل الخط خارج الخدمة لفترة طويلة نتيجة تعقيدات الخلافات بين بغداد وأربيل وأنقرة، إضافة إلى قضية التحكيم الدولي المرتبطة بالصادرات النفطية من إقليم كردستان.
وخلال أزمة عام 2026، لم تتجاوز التدفقات الفعلية عبر المسار نحو 170 ألف برميل يومياً، فيما أتاح الاتفاق المؤقت الجديد إمكانية رفعها إلى حدود 750 ألف برميل يومياً، وليس إلى مستوى الـ1.5 مليون برميل الذي تعبّر عنه الطاقة النظرية للشبكة.
ومن ثمّ، يبقى جيهان مساراً شديد الأهمية للعراق، لكنه لا يلغي مشكلة الاعتماد الخارجي، وإنما يستبدل الاعتماد على مضيق هرمز بمجموعة أخرى من عوامل الارتهان الجيوسياسي، تشمل تركيا، والوضع السياسي في إقليم كردستان، وتعرفة العبور، ومستوى العلاقات بين بغداد وأنقرة.
بانياس: أكثر الطرق المتوسطية جاذبية… لكنه مشروع لسنوات
يتمثل الخيار الثاني في ربط حديثة بميناء بانياس السوري على البحر المتوسط.
وكان خط كركوك–بانياس التاريخي يمتلك طاقة محدودة نسبياً، في حدود 300 ألف برميل يومياً، إلا أن بنيته التحتية اليوم متقادمة ومتضررة إلى درجة تجعل استخدامه العملي أمراً بالغ الصعوبة.
ولهذا، لا تقوم الفكرة الجديدة أساساً على إصلاح الخط القديم، بل على إنشاء بنية تحتية جديدة بطاقة أولية محتملة تبلغ نحو مليوني برميل يومياً.
وتشير التقديرات المنشورة في آب/أغسطس 2026 إلى أن تكلفة المشروع قد لا تقل عن 15 مليار دولار، في حين يُقدّر زمن التنفيذ بنحو أربع سنوات.
كما أن إعادة استخدام الممر التاريخي القديم تتطلب معالجة الأضرار الناجمة عن الحرب، وإزالة أو إعادة تأهيل البنى التحتية المدمرة، وحل قضايا الملكيات واستملاك الأراضي، وتأمين مساحات واسعة من الأراضي التي سيمر عبرها الخط.
وبذلك، قد يصبح مسار بانياس، على المدى الطويل، أحد أهم منافذ العراق نحو البحر المتوسط، لكنه لا يستطيع تقديم إجابة مباشرة عن أزمة التصدير الراهنة.
ولا تتوقف التحديات عند حدود التكلفة المالية والهندسية. إذ سيتعين على بغداد أيضاً احتساب مخاطر السيادة والاستقرار في سوريا ضمن معادلة أمن الطاقة العراقي.
فخط أنابيب بطاقة مليوني برميل يومياً ليس مشروعاً مؤقتاً، بل أصل استراتيجي يُفترض أن يعمل لمدة قد تمتد إلى ثلاثين أو أربعين عاماً. ولذلك تصبح استدامة الاستقرار في دمشق، وأمن المناطق التي يمر بها الخط، وطبيعة نفوذ القوى الخارجية في سوريا، عوامل تدخل مباشرة في حسابات الأمن النفطي العراقي.
العقبة: منفذ إلى البحر الأحمر بسقف مليون برميل يومياً
يتمثل الخيار الثالث في خط حديثة–العقبة.
وتقوم الصيغة الجديدة للمشروع على تقسيم مشروع البصرة–العقبة القديم إلى مرحلتين: الأولى هي خط البصرة–حديثة بطاقة تزيد على مليوني برميل يومياً، والثانية خط حديثة–العقبة بطاقة تقارب مليون برميل يومياً.
وتكمن الميزة الأساسية لهذا المسار في أنه يسمح بوصول النفط العراقي مباشرة إلى البحر الأحمر من دون الاضطرار إلى دخول الخليج العربي أو المرور بمضيق هرمز.
غير أن محدوديته الكمية واضحة. فحتى في حال تنفيذ المشروع وتشغيله بكامل طاقته، فإن قدرته البالغة نحو مليون برميل يومياً لن تغطي سوى قرابة 30 في المئة من حجم الصادرات العراقية الطبيعية قبل الحرب.
كما تختلف التقديرات الخاصة بكلفة المشروع، لكنها تدور حول عدة مليارات من الدولارات، في حين واجهت النسخ السابقة من المشروع، على مدى أكثر من عقد، سلسلة طويلة من العراقيل، من بينها حرب تنظيم «داعش»، والأزمات المالية، والتأخيرات التنفيذية.
لذلك، فإن خط العقبة يمثل مساراً تكميلياً عالي القيمة الاستراتيجية، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً عن منظومة التصدير الجنوبية عبر البصرة.
IPSA: خط كان موجوداً لكنه لم يعد تحت سيطرة العراق
أما الخيار الرابع، فيحمل أهمية تاريخية خاصة، وهو خط الأنابيب العراقي عبر السعودية المعروف اختصاراً بـ IPSA – Iraq Pipeline through Saudi Arabia.
وقد أُنشئ هذا الخط عام 1989 في الأساس لتجاوز المخاطر المرتبطة بالخليج العربي، بطاقة بلغت نحو 1.65 مليون برميل يومياً. وكان النفط المنتج في جنوب العراق يُنقل عبر الأراضي السعودية إلى ميناء المعجز قرب ينبع على البحر الأحمر.
إلا أن الخط توقف بعد غزو العراق للكويت عام 1990.
وفي عام 2001، وضعت المملكة العربية السعودية يدها على ملكية الجزء الواقع داخل أراضيها، ثم جرى تخصيص أجزاء من بنيته التحتية لاحقاً لاستخدامات مرتبطة بنقل الغاز.
وبناءً على ذلك، لا يمكن التعامل مع IPSA اليوم باعتباره «خطاً جاهزاً لإعادة التشغيل». فإحياؤه يتطلب اتفاقاً سياسياً وقانونياً جديداً بين بغداد والرياض، إضافة إلى استثمارات كبيرة، وربما إعادة بناء وتأهيل أجزاء واسعة من البنية التحتية.
وفوق ذلك، فإن حتى خطاً بطاقة تعادل ما يقرب من نصف الصادرات العراقية الحالية سيضع بغداد في نهاية المطاف أمام اعتماد جديد على قرارات دولة عبور أخرى.
لماذا لا يجوز جمع الطاقات التصميمية حسابياً؟
حتى من الناحية الفنية، سيكون من المضلل جمع طاقات جميع خطوط الأنابيب المقترحة حسابياً، ثم الاستنتاج أن مشكلة العراق قد حُلّت.
فلا يمكن ببساطة القول إن 1.5 مليون برميل عبر جيهان، ومليوني برميل عبر بانياس، ومليون برميل عبر العقبة، و1.65 مليون برميل عبر IPSA، تعني أن العراق يمتلك أكثر من ستة ملايين برميل يومياً من القدرات البديلة، وبالتالي لم تعد لديه مشكلة في التصدير.
هناك عدة أسباب تمنع مثل هذا الاستنتاج.
أولاً، بعض هذه الخطوط لم يُنشأ بعد، وبعضها الآخر لم يعد قابلاً للتشغيل بصورته الحالية.
ثانياً، ستعتمد عدة مسارات محتملة على خط البصرة–حديثة نفسه، بما يعني وجود طاقة تغذية مشتركة بينها.
ثالثاً، الطاقة التصميمية لخط الأنابيب ليست سوى حلقة واحدة في سلسلة متكاملة. فلكي تتحقق الطاقة الفعلية، يجب أن تتوافر بالقدرة نفسها خزانات التخزين، ومحطات الضخ، والكهرباء، وأنظمة التحكم، وخطوط الربط، ومنشآت القياس، وطاقة الموانئ البحرية، وقدرات تحميل الناقلات وبرامج رسوها.
رابعاً، تختلف أنواع النفط الخام المنتج في شمال العراق وجنوبه من حيث الخصائص الفيزيائية والكثافة ونسب الكبريت وغيرها من المواصفات. ولذلك فإن نقل كميات كبيرة منها عبر شبكة موحدة يقتضي أنظمة دقيقة لإدارة الخلط والفصل والتخزين والحفاظ على مواصفات الخامات التجارية.
والأهم من ذلك أن خطوط الأنابيب البرية نفسها أصول كبيرة وثابتة وقابلة للاستهداف.
وقد أثبتت تجربة العراق مع خط كركوك–جيهان أن أعمال التخريب المتكررة يمكن أن تحوّل مئات الكيلومترات من شبكات الأنابيب إلى بنية تحتية مزمنة الأعطال وغير موثوقة.
كما أن تركيز عدد كبير من منشآت النقل والتخزين في حديثة سيزيد القيمة الاستراتيجية لهذه المنطقة بالنسبة إلى أي طرف يسعى إلى تعطيل الصادرات العراقية.
لذلك، لا ينبغي صياغة المعضلة العراقية باعتبارها خياراً بين «خطوط الأنابيب» و«مضيق هرمز»، بل بوصفها ضرورة إنشاء شبكة متعددة المسارات ذات فائض واعتمادية تشغيلية، بحيث لا يؤدي تعطل عقدة واحدة إلى شل منظومة التصدير بأكملها.
إيران: متغير لا يمكن استبعاده من معادلة الأمن الاقتصادي العراقي
تقود هذه القيود إلى نتيجة استراتيجية أساسية: حتى في أكثر سيناريوهات تطوير خطوط الأنابيب البرية نجاحاً، سيظل العراق خلال السنوات المقبلة معتمداً على الجنوب في تصدير جزء كبير من نفطه.
وبالتالي، فإن العلاقة بين بغداد وإيران، باعتبارها أحد الطرفين الرئيسيين المشاطئين لمضيق هرمز، ودولة تشترك مع العراق في حدود يتجاوز طولها ألف كيلومتر، ليست قضية ثانوية في السياسة الخارجية العراقية، بل جزء من منظومة الأمن الاقتصادي الوطني.
وقد أثبتت حرب 2026 هذه الحقيقة بصورة عملية.
فعندما سمحت إيران بمرور جزء من ناقلات النفط العراقية، ارتفعت صادرات العراق من نحو 1.35 مليون برميل يومياً في تموز/يوليو إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً في آب/أغسطس.
ولا تعني هذه الحقيقة أن على العراق أن ينتقل إلى حالة من التبعية لطهران، وإنما تعني أن تصور أمن الطاقة العراقي في غياب علاقة مستقرة وعميقة مع إيران هو تصور غير واقعي جغرافياً واقتصادياً.
وهذه العلاقة تستند أصلاً إلى قاعدة اقتصادية واسعة. فقد تجاوز حجم التجارة بين البلدين في عام 2025 حاجز 10 مليارات دولار.
كما يستطيع العراق، بموجب العقد الخماسي الموقّع عام 2024، استيراد ما يصل إلى 50 مليون متر مكعب من الغاز الإيراني يومياً، بكلفة سنوية تُقدّر بنحو 4 إلى 5 مليارات دولار. وقدّرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن الغاز الإيراني وفّر خلال السنوات الأخيرة الوقود اللازم لإنتاج أكثر من 30 في المئة من الكهرباء العراقية.
ولا شك في أن على العراق تطوير موارده المحلية من الغاز.
فدولة أحرقت في عام 2023 نحو 625 مليار قدم مكعب من الغاز، في الوقت الذي تستورد فيه الغاز من الخارج، تعاني بلا شك خللاً هيكلياً في إدارة مواردها الطاقوية.
لكن تقليص الاعتماد العراقي على استيراد الغاز الإيراني لا ينبغي الخلط بينه وبين تقليص العلاقات الاقتصادية مع إيران.
فالهدف الأمثل يتمثل في الانتقال بالعلاقة من نمط «استيراد الطاقة في حالات الضرورة» إلى نمط أوسع من التعاون الصناعي، والاستثمارات المشتركة، والصناعات البتروكيميائية، والربط الكهربائي، والنقل والترانزيت، والتجارة الحدودية، وربط شبكات المواصلات والإنتاج بين البلدين.
لا ينبغي للعراق أن يدفع ثمن السياسات الأمريكية ضد إيران
عند هذه النقطة تحديداً يتجلى التناقض بين المصالح الوطنية العراقية وبين جوانب من السياسة الإقليمية الأمريكية.
فقد سعت واشنطن خلال السنوات الماضية إلى جعل العلاقات الاقتصادية بين بغداد وطهران خاضعة، بدرجات متفاوتة، لسياسة «الضغط الأقصى» الأمريكية تجاه إيران.
وفي آذار/مارس 2025، ألغت الولايات المتحدة الإعفاء الذي كان يسمح للعراق باستيراد الكهرباء الإيرانية، في وقت كان العراق لا يزال يعتمد بدرجة مرتفعة على الغاز الإيراني لتشغيل محطات توليد الكهرباء.
وكان من الممكن، بحسب تقديرات نقلتها وكالة رويترز آنذاك، أن يؤدي الانقطاع الكامل لإمدادات الغاز الإيراني إلى إخراج نحو ثلث إنتاج الكهرباء العراقي من الخدمة.
وهنا تبرز مسألة سيادية جوهرية: لماذا ينبغي لأمن الكهرباء والعلاقات الاقتصادية بين دولتين متجاورتين أن يعتمد على تراخيص دورية تصدرها دولة تقع على بعد آلاف الكيلومترات منهما؟
ولا تقتصر القضية على قطاع الطاقة.
فالعائدات النفطية العراقية تُدار من خلال حساب تابع للبنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ضمن منظومة تطورت عن الترتيبات المالية التي أُنشئت بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
وقد أشارت رويترز في عام 2026 إلى أن هذا الهيكل يمنح واشنطن قدراً مهماً من النفوذ على بغداد، وأن الولايات المتحدة لوّحت، حتى في سياق بعض الخلافات السياسية الداخلية العراقية، بإمكانية تقييد الوصول إلى الموارد الدولارية بوصفه أداة للضغط.
وبالتالي، لا يمكن قياس استقلال العراق بعدد الكيلومترات التي يبنيها من خطوط الأنابيب.
فإذا تمكن النفط العراقي من تجاوز مضيق هرمز، بينما ظلت القدرة على الوصول إلى عائداته عرضة للتأثر بقرارات سياسية خارجية، فإن بغداد تكون قد عالجت حلقة واحدة فقط من حلقات التبعية، بينما أبقت الحلقات الأخرى على حالها.
ولا يتمثل الرد المنطقي للعراق في قطع علاقاته مع الولايات المتحدة، كما لا يتمثل في استبدال تبعية بأخرى.
الاستراتيجية المطلوبة هي خفض مستويات اللاتماثل في علاقات الاعتماد الخارجي.
وهذا يستوجب إصلاح النظام المصرفي العراقي وتدويله بصورة أوسع، وتنويع الروابط المالية القانونية مع أكثر من مركز مالي دولي، وتوسيع استخدام عملات متعددة في التجارة ضمن الأطر القانونية والتنظيمية، وزيادة التجارة الإقليمية، وتقليص قدرة العقوبات الأمريكية الأحادية على التحول تلقائياً إلى محدد للسياسة الاقتصادية العراقية.
وفي هذا السياق تحديداً، ينبغي أن يكون تعميق العلاقات الاقتصادية مع إيران أحد أعمدة سياسة الاستقلال العراقي؛ ليس عبر علاقات غير شفافة أو ذات طابع سياسي ظرفي، بل من خلال علاقات دولة بدولة، واستثمارات مشتركة، ومشروعات إنتاج مشترك، وبناء اعتماد اقتصادي متبادل ومؤسسي بين البلدين.
المسألة الحقيقية: استقلال القدرة على اتخاذ القرار
أظهرت أزمة مضيق هرمز أن العراق يحتاج إلى البصرة–حديثة، وجيهان، وبانياس، والعقبة، وأن إعادة دراسة خيار المسار السعودي قد تكون بدورها خطوة منطقية.
لكن أياً من هذه المشاريع ليس عصاً سحرية.
فالعراق لا يستطيع الهروب من الجغرافيا.
إذا خرج من مضيق هرمز، فإنه يدخل إلى جغرافيا تركيا أو سوريا أو الأردن أو السعودية.
وإذا حوّل حديثة إلى مركز رئيسي لشبكة التصدير، فعليه أن يمنع تحولها إلى عنق زجاجة استراتيجي جديد.
وإذا نوّع مساراته المادية لتصدير النفط، فعليه في الوقت نفسه أن ينوّع بنيته المالية واقتصاده وعلاقاته التجارية والنقدية.
والأهم من كل ذلك أن على بغداد ألا تسمح بأن تحل السياسة الأمريكية تجاه إيران محل السياسة العراقية تجاه إيران.
فالعراق وإيران دولتان متجاورتان، وأسواقهما مترابطة، وشبكات الطاقة بينهما متصلة، وأمن الخليج واستقراره ينعكسان بصورة مباشرة على اقتصادي البلدين.
ومن ثمّ، يتعيّن على السياسة العراقية الواقعية أن تعمل بصورة متزامنة على تحقيق هدفين: خفض الاعتماد الأحادي على أي طرف خارجي، وتعميق الاعتماد الاقتصادي المتبادل مع إيران ومع بقية دول الجوار.
فالدرس الذي ينبغي استخلاصه من أزمة هرمز ليس أن العراق يحتاج فقط إلى مزيد من الأنابيب.
الدرس الأعمق هو أن دولة تصدّر أكثر من ثلاثة ملايين برميل من النفط يومياً وتحصل على عشرات المليارات من الدولارات من العائدات النفطية، لا ينبغي أن تصبح معرضة للدخول السريع في أزمة شاملة بسبب حرب خارجية، أو قرار عقوبات صادر من دولة أخرى، أو إغلاق ممر بحري واحد.
يمكن لخطوط الأنابيب أن تُبعد النفط العراقي عن مضيق هرمز، لكن إعادة بناء الاستقلال الاقتصادي، وتعميق العلاقات الإقليمية ــ وفي مقدمتها العلاقة مع إيران ــ وتقليص أدوات النفوذ التي تتيح للسياسات الأمريكية التأثير المباشر في القرارات الاقتصادية العراقية، هي وحدها القادرة على إبعاد العراق عن حالة الهشاشة الاستراتيجية.


