“ردَيت “

ردَيت
يروي النص رحلة العودة من المنفى بين الحنين والخوف، متأملاً سؤال الهوية والوطن عبر استحضار تجارب أدبية عالمية، لينتهي إلى أن العودة، رغم الألم والخيبة المحتملة، تبقى ضرورة إنسانية لاستعادة الانتماء والأمل...

رديت، وجدامي تخط حيرة والم .. رديت وعيوني تخط گبل القلم.

هكذا أقف اليوم في صالون الانتظار بمطار أمستردام، أرقب المطر الهولندي وهو يمسح زجاج النافذة برفق كئيب، وأسأل نفسي ذات السؤال الذي طارد ألبير كامو وهو يرى أوروبا تحتضر في ليلة واحدة: من أين يبدأ الحنين حين يصير الوطن نفسه جرحاً؟ هنا في الشمال حيث يتجمد كل شيء حتى المشاعر، وحيث تعلمنا أن نقول بلغاتهم الجليدية “ماشي الحال” لنخفي تحتها أطنان الصمت، أحمل حقيبتي العتيقة وأتهيأ للعودة. لكنها ليست عودة المنتصر، بل عودة الخائف الذي يخشى أن يمسس حلمه بأصابعه فيتفتت.

طوال سنوات المنفى، كنت أعشّش في الزوايا المعتمة تماماً كأولئك الهاربين في “ليلة لشبونة” لإريك ماريا ريمارك. كنت أختبئ من الضجيج الخارجي لأقع فريسة لضجيجي الداخلي، أتساءل كما تساءل سعدي يوسف في ليل طنجة الساحر: نحن ندخل هذا الليل، لكن كيف نخرج؟ أطوف بين فوانيس طريفة القديمة وأزقة طنجة التي شهدت جنون بيكيت وجان جينيه، وأحتمي بصرخة رفائيل البرتي وهو يقسم ألا يكون حجارة أبداً، بل سيبكي ويصرخ ويغني عند الضرورة. كان الأدب ملجأي، وكانت روايات التمرد لجيل “البيت” تسند ظهري كي لا أنحني أمام ثقل الغربة، لكنني أكتشف اليوم أن أكبر تمرد يقدم عليه الغريب هو قرار العودة إلى المسرح الذي ترك فيه قلبه.

رديت لحجاياتنا لعايزها بس جلمة صدگ، وعيونّه لحلمانه بالقداح لو مرة يطگ.

أتذكر إيزابيل أليندي وهي تحذر من العودة المعاكسة، وتقول إن أن تحلم ببلد أفضل بكثير من أن تراه محطماً. كيف سأواجه بيبان أهلي وأنا أدقها باباً باباً كما في القصيدة؟ أخشى أن أقع في محنة ميلان كونديرا في “الجهل”، عندما عاد بطل روايته إلى براغ بعد رحيل الخوف، فلم يجد الوطن الذي ظل يحترق لأجله عقوداً، بل وجد أن البلاهة والتجار والفاسدين قد حلوا محل الرفاق والأحلام القديمة، ليعود أدراجه إلى منفاه الفرنسي حاملاً وطناً متخيلاً لا وجود له على الخريطة. هل سأعود لأبحث عن عراق لم يعد موجوداً إلا في ذاكرتي؟ هل سأبحث عن صدفة أمل في أزقة بغداد أو الشوارع القديمة فلا أجد سوى الغرباء؟

ومع ذلك، ترفض روحي أن تظل معلقة في الفراغ. في هذه الليلة التي تختصر تاريخاً كاملاً من الترقب، أطرق أبواب الذاكرة كلها. إنها محاولة أخيرة لاكتشاف القيمة الحقيقية للحنان البشري في مواجهة بشاعة العزلة. أعود لأن الشتاء النفسي في هذه البلاد الملونة بالرمادي لم يعد يطاق، ولأنني تعبت من كون هويتي مجرد جواز سفر يُدهش الموظفين حين يجدون صاحبه ينام بين زوايا المطار المنسية. أعود مُحمَّلاً بالحيرة والقلق، لكنني أعود بنفس توق ذلك الشارع العراقي الذي ينتظر “جلمة صدگ” واحدة ليورق فيه القداح من جديد. ربما يكون الوطن محطماً، وربما تكون الخسارة قد تمت، لكنني أريد أن يخفق قلبي هناك، بين أحجار بلادي، حتى لو كان عوداً إلى أرض الحيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *