زيارتي إلى إيران: محطات تاريخية.. ما الذي تغيّر؟

زيارتي إلى إيران محطات تاريخية.. ما الذي تغيّر؟
تكشف الزيارة، وفق المشاهدات الميدانية، تباينًا بين الصورة الإعلامية والواقع الإيراني، مع استمرار الحياة العامة وحشود تشييع واسعة وتماسك اجتماعي لافت، وتحول بعض المعارضين نحو مواقف أشد ضد أمريكا، إلى جانب تضامن عراقي واسع...

بعد ضخّ إعلامي مكثف وعاصف، رسم في أذهاننا لوحة قاتمة عن حجم الخسائر والدمار التي لحقت بإيران عقب الحرب الأخيرة، وصلتُ إلى الجمهورية الإسلامية بدعوة رسمية. كانت المناسبة مهيبة وتاريخية: تشييع القائد الأممي والولي الفقيه، سماحة السيد الخامنئي.

كنتُ أترقب رؤية آثار الدمار التي روج لها الإعلام، وأتوقع شارعاً منقلباً على نظامه، وانهياراً اقتصادياً تاماً، وانشقاقاً بين المكونات الإيرانية. ولكن، ما إن وطئت قدماي أرض مطار الإمام الخميني واستقللتُ السيارة المتوجهة إلى مقر الإقامة، حتى التفتُّ إلى الإخوة سائلاً بفضول: “أين هو الدمار في إيران؟ هل يمكنني مشاهدته أو تصويره؟”

جاءني الجواب واثقاً: “جهز كاميرا هاتفك وابدأ بالتصوير!”

على مدار ساعات من التجوال في شوارع طهران، بقيت عيناي تبحثان عن أثر واحد للقصف أو الحرب، فلم أجد شيئاً! الشوارع تغصّ بالحياة، المحلات التجارية مشرعة أبوابها، والازدحام المروري في أوجّه وكأن الحرب لم تمر من هنا أبداً. الناس في الأسواق يبيعون ويشترون؛ ورغم الظروف المعيشية القاسية، إلا أن المفاجأة تكمن في تفاصيل العيش: الـ 20 ليتراً من البنزين بأقل من دولار واحد، الكهرباء متوفرة على مدار 24 ساعة دون انقطاع، المواد الغذائية متوفرة بكثرة وبدعم حكومي سخي، وتستطيع أن تقطع طهران من أولها إلى آخرها بكلفة 2000 تومان فقط (حيث كل 10 دولارات تساوي 170 ألف تومان).

أما الطوفان البشري الذي رأيته، فهو أمر يعجز عن وصفه أي وصف؛ إن ما ظهر على شاشات التلفزة وعدسات الكاميرات لهو أقل بكثير جداً من الواقع الذي عشته وشاهدته بعيني. في طهران وفي مشهد، تدفقت ملايين برمتها، بحار من البشر زحفت إلى الساحات في مشهد أسطوري تخطى كل التوقعات. لم يكن هذا التشييع حكراً على فئة أو تيار، بل تجلى فيه تنوع طائفي واجتماعي مذهل، حيث التقى الجميع تحت راية الحزن والوفاء، لتصنع تلك الملايين مشهداً تلاحمياً يخرس كل الألسن التي راهنت يوماً على تفكك هذا النظام .

النقطة التحولية الكبرى لم تكن في الجماد، بل في البشر. تحدثتُ مع الناس؛ الموالون والمعارضون السابقون على حد سواء، يجمعهم منطق واحد. يتحدثون بغضب عن عدم رضاهم بالاتفاقيات أو المفاوضات، ويطالبون بشيء واحد فقط: الانتقام.. ولا شيء غير الانتقام!

أن تسمع هذا الكلام من الموالين للنظام فهذا أمر متوقع، ولكن المفاجأة الصاعقة أن تسمع المنطق ذاته وبحماس أشد من معارضين ومن نساء سافرات! لقد قالوا لي بالحرف الواحد: “لقد ظلمنا لبنان والشعب اللبناني، كنا مغرراً بنا، ونحن نطلب منكم المعذرة والمسامحة لأننا كنا نشتمكم. لقد أدخلوا في عقولنا واهمين بأنكم تأخذون أموالنا، ولم نفهم صدقكم وإخلاصكم إلا الآن.. سامحونا، ولن نترككم أبداً”.

هنا تيقنتُ من الحقيقة: لقد أوقع الإمام الخامنئي أمريكا في فخ اغتياله! لقد أراد أن يختم حياته المباركة بشهادة يحيي بها الأمة بأسرها، وهذا عينه ما شهدتُه ولمسته في إيران.

أما عن العراق.. فالحديث يطول ويطول، ويعجز الكلام والبيان عن وصف أهله الغيارى. لقد بات العراقيون على جوانب الطرقات, يفترشون الأرض وينتظرون النعش المبارك وكأن الشهيد أبوهم الراحل! تعاملوا مع الجثمان الطاهر على أنه فرد من عائلاتهم، وبكل ما تملكه العشائر العراقية من تقاليد الضيافة والوفاء والكرامة.

كم أنت عظيم يا سيدنا! صور ومشاهد مهيبة صاغها وسجلها التاريخ في أكبر تشييع شهده العالم.

ماذا فعلتَ في قلوب الناس والمحبين؟ لله درّك! لقد أيقظتَ بدماءك الزكية غفلتنا، وأعدتَ إحياء الثورة وضخ الدماء في عروقها من جديد.

وغداً.. لننظر جميعاً من سيشيع أعداءك، وما هي أعداد المشيعين لهم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *