لا تجعلوا إيران شماعةً لفساد العراق

لا تجعلوا إيران شماعةً لفساد العراق
يدعو الطرح إلى إعادة تعريف مسؤولية الفساد السياسي في العراق بعيداً عن التعميمات الخارجية، مؤكداً أن محاسبة الفاسدين تبدأ بتحديد أصحاب القرار والأفعال، مع ضرورة التفريق بين سياسات الدول وسلوك المسؤولين العراقيين...

نعيش اليوم مرحلةً مفصلية في الوعي السياسي العراقي. فالشعب بدأ، وبصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، يعيد النظر في الطبقة السياسية، ولم يعد الشعار الديني أو الطائفي أو الحزبي قادرًا وحده على منح السياسي ثقة المواطن.

لقد بدأ العراقي يميز بين من يتحدث باسم الشعب ومن يعمل من أجله، وبين الشعار والممارسة، وبين من يرفع اسم الدين ومن يلتزم فعلًا بقيم العدالة والأمانة والمسؤولية.

لكن وسط هذا التحول، تظهر مشكلة أخرى تستحق التوقف عندها: محاولة بعض العراقيين تحميل إيران مسؤولية الفساد الذي ارتكبه سياسيون عراقيون، لمجرد وجود علاقات سياسية أو فكرية أو مذهبية بينهم وبين إيران.

وهنا يجب أن نكون واضحين_

الفاسد العراقي مسؤول عن فساده.

ومن تولى منصبًا وأساء استخدام السلطة، أو أهدر المال العام، أو قصر في خدمة المواطنين، أو شارك في منظومة فساد، يجب أن يُدان باسمه وصفته وفعلته، لا أن ننقل مسؤوليته إلى دولة أخرى.

فالعلاقة السياسية لا تعني أن المسؤولية تنتقل معها.

وإذا كان هناك تدخل خارجي أو توجيه أو دعم لفساد معين، فليُكشف بالدليل، وليتحمل كل طرف مسؤوليته. أما إطلاق الاتهامات على دول الجوار دون دليل، فهو لا يخدم العراق، بل قد يتحول إلى وسيلة لإبعاد الأنظار عن المسؤول الحقيقي.

والأمر الأكثر أهمية أن صورة بعض الساسة العراقيين لا ينبغي أن تكون المعيار الذي نحكم من خلاله على الدولة الإيرانية.

فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفق نظامها السياسي وخطابها الرسمي، تضع خدمة المواطنين ومكافحة الفساد ومراقبة المسؤولين ضمن مسؤوليات الدولة، وتمتلك مؤسسات رقابية وقضائية لمتابعة المخالفات ومحاسبة من يثبت فساده.

وهنا لا نتحدث دفاعًا عن إيران، ولا نمنحها حصانة من النقد، وإنما نضع الأمور في نصابها الصحيح.

إيران تُقيّم من خلال سياساتها وأفعالها، والسياسي العراقي يُحاسب على أفعاله داخل العراق.

أما أن نأخذ فساد سياسي عراقي ونضعه في ذمة دولة أخرى لمجرد قربه منها، فهذه ليست عدالة سياسية، بل خطأ في تشخيص المشكلة.

والأخطر من ذلك أن المجتمع الذي يعتاد تعليق أخطائه على الآخرين قد يفقد القدرة على إصلاح نفسه.

فإذا كان الفساد عراقيًا، فعلينا أن نسأل: من المسؤول؟ من امتلك القرار؟ من وقع العقد؟ من أدار المؤسسة؟ من أهدر المال؟ ومن كان قادرًا على منع ذلك ولم يفعل؟

هذه هي الأسئلة التي تقود إلى الحقيقة.

أما السؤال الدائم عن الدولة التي تقف خلف هذا السياسي، فقد يتحول إلى هروب من السؤال الأهم: ماذا فعل السياسي نفسه؟

إننا لا نحتاج اليوم إلى خصومة مع إيران، ولا إلى خصومة مع أي دولة مجاورة. العراق يحتاج إلى شيء أكثر أهمية: تشخيص دقيق للخلل.

فالتغيير لا يبدأ عندما نجد طرفًا خارجيًا نحمّله مسؤولية كل شيء، وإنما يبدأ عندما نمتلك الشجاعة لإدانة الفاسد العراقي، مهما كان حزبه، ومهما كان مذهبه، ومهما كان شعاره، ومهما كانت علاقاته.

وإذا كان بعض السياسيين قد استخدموا الإسلام شعارًا، ثم ناقضت أفعالهم قيم الإسلام، فالمشكلة في أفعالهم هم، لا في الإسلام ولا في الآخرين.

لقد آن للعراقي أن ينتقل من مرحلة البحث عن “من وراء المشكلة؟” إلى مرحلة السؤال عن “أين المشكلة ومن المسؤول عنها؟”

فهناك يبدأ الوعي.

وهناك تبدأ المحاسبة.

وهناك يبدأ التغيير.

لا تدافعوا عن فاسد لأنه قريب من جهة، ولا تهاجموا دولة لأن فاسدًا ارتبط بها.

ضعوا الفاسد أمام مسؤوليته، وشخّصوا الخلل في مكانه، ثم أصلحوا ما يمكن إصلاحه.

فالعراق لن يتغير بإلقاء أخطائه على الآخرين، وإنما سيتغير عندما يتحمل كل عراقي مسؤولية حماية بلده من الفساد، ويعرف أن أول طريق الإصلاح هو أن نسمي الخطأ باسمه، ونضع المسؤولية على صاحبها.

لا تجعلوا الخارج شماعةً لفساد الداخل؛ فالتغيير يبدأ عندما نتوقف عن تعليق أخطائنا على غيرنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *