مقترح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في العراق ضرورة تشريعية تحتاج إلى مراجعة دقيقة مادةً مادة

مقترح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في العراق ضرورة تشريعية تحتاج إلى مراجعة دقيقة مادةً مادة
يحتاج العراق إلى قانون حديث لمكافحة الجرائم السيبرانية، لكن الصياغة الحالية تستلزم مراجعة قانونية وتقنية دقيقة تضمن تعريف الجرائم بوضوح، وتناسب العقوبات، وحماية الخصوصية وحرية التعبير، وضبط الأدلة الرقمية والصلاحيات القضائية، وفق المعايير الأوروبية واتفاقية بودابست...

مقدمة

لم يعد الفضاء الرقمي في العراق مساحة جانبية أو هامشًا تقنيًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من حياة المواطن، وعمل المؤسسات، والخدمات المالية والإدارية والإعلامية والأمنية. ومع هذا التحول، تصاعدت جرائم الابتزاز الإلكتروني، والاحتيال الرقمي، والاختراق، وانتحال الهوية، وتعطيل الأنظمة، واستغلال المنصات الإلكترونية للإضرار بالأفراد والمؤسسات.

لذلك، فإن وجود قانون حديث لمكافحة جرائم تقنية المعلومات أصبح ضرورة حقيقية للعراق. لكن أهمية القانون لا تعني تمريره بأي صياغة؛ فالقوانين الرقمية تحتاج إلى دقة عالية، لأنها تمس في الوقت نفسه الأمن السيبراني، والخصوصية، وحرية التعبير، والأدلة الرقمية، وصلاحيات الدولة في طلب البيانات من مزودي الخدمة والمنصات.

وجوهر المسألة ليس رفض القانون، بل ضمان أن يكون دقيقًا، ومتوازنًا، وقابلًا للتطبيق، من دون المساس بجوهر الحقوق والحريات العامة.

القانون ضروري… لكن الصياغة تحتاج إلى مراجعة

بعد اطلاعي الأولي على مقترح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، أرى أن هذا القانون ضروري للعراق، خصوصًا في ظل تزايد الجرائم الرقمية التي أصبحت أكثر تعقيدًا وانتشارًا وتأثيرًا في المجتمع والدولة.

لكن ضرورة القانون لا تعني إقراره بأي صياغة؛ فالقوانين الرقمية تحتاج إلى دقة تشريعية عالية، لأنها تتعامل مع جرائم تقنية معقدة، وتمس في الوقت نفسه الخصوصية، وحرية التعبير، والأدلة الرقمية، وصلاحيات طلب البيانات، ومسؤوليات مزودي الخدمة والمنصات.

ومن خلال مراجعتي الأولية للمسودة، ومقارنتها بما يقابلها في القانون الجنائي الدنماركي، والإطار التشريعي الأوروبي، واتفاقية بودابست للجرائم السيبرانية، وصلت إلى نتيجة واضحة، مفادها أن الصيغة الحالية للمقترح تحتاج إلى مراجعة دقيقة مادةً مادة؛ لأن بعض المواد تتضمن ثغرات قانونية وتقنية وحقوقية قد تؤثر في سلامة تطبيق القانون مستقبلًا.

ويمثل هذا المقال تشخيصًا أوليًا للملاحظات العامة على المسودة، وليس بديلًا عن المراجعة التشريعية التفصيلية. أما العمل التحليلي الأعمق، فيتمثل في دراسة مواد القانون مادةً مادة، ومقارنة كل مادة بما يقابلها في القانون الدنماركي، والإطار التشريعي الأوروبي، واتفاقية بودابست، وصولًا إلى مقترحات تعديل عملية تساعد على صياغة قانون عراقي أكثر دقة وتوازنًا وقابلية للتطبيق.

نحن لا نكتفي بتسجيل الملاحظات، بل نعمل بجدية على تطوير المسودة من خلال تحليل قانوني وتقني تفصيلي لكل مادة، بما يضمن مكافحة الجريمة الرقمية الحقيقية، وحماية المجتمع والدولة، وعدم الخلط بين الجرائم السيبرانية وحرية التعبير أو النقد المشروع. وفي الوقت نفسه، فإن تحويل هذا الجهد إلى مراجعة تشريعية تفصيلية قابلة للاعتماد يتطلب تكليفًا أو طلبًا رسميًا من الجهة المعنية، بما يضمن احترام الجهود البحثية والاستشارية، ووضعها ضمن إطار قانوني ومؤسسي صحيح.

وفي الوقت نفسه، فإن تحويل هذا الجهد إلى مراجعة تشريعية تفصيلية قابلة للاعتماد يتطلب تكليفًا أو طلبًا رسميًا من الجهة المعنية، بما يضمن احترام الجهود البحثية والاستشارية ووضعها ضمن إطار قانوني ومؤسسي صحيح.

المشكلة ليست في فكرة القانون

برأيي، المشكلة ليست في فكرة القانون نفسها؛ فالعراق فعلًا بحاجة إلى قانون حديث وقوي لمكافحة الجرائم الرقمية. لكن الإشكال يكمن في بعض الصياغات الواسعة والعبارات العامة، وفي عدم التمييز الكافي بين الجرائم التقنية الحقيقية، مثل الاختراق والاحتيال والابتزاز وتعطيل الأنظمة، وبين قضايا النشر والتعبير والرأي والمحتوى.

وهذا التمييز مهم جدًا؛ لأن الجريمة التقنية الحقيقية تستهدف نظامًا معلوماتيًا، أو بيانات، أو حسابًا، أو خدمة رقمية، أو بنية تحتية إلكترونية. أما قضايا النشر والتعبير والرأي، فهي مجال حساس يجب التعامل معه بضمانات دستورية واضحة، حتى لا يتحول قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية إلى أداة لتقييد النقد أو الصحافة أو الرأي المشروع.

كلما اتسعت العبارة القانونية دون تعريف واضح، زادت احتمالات سوء التطبيق. ولهذا تحتاج قوانين الجرائم الرقمية إلى لغة دقيقة تفصل بين الجريمة التقنية والرأي والنشر والمحتوى.

ماذا أظهرت المقارنة مع التجارب الأوروبية والدنماركية؟

من خلال المقارنة مع التشريعات الدنماركية والأوروبية، يتضح أن القوانين الحديثة تميل إلى تحديد الفعل الجرمي بدقة، واشتراط القصد الجنائي، والتمييز بين الفعل البسيط والفعل الجسيم، وتشديد العقوبة فقط عند استهداف البنية التحتية الحرجة، أو المؤسسات المالية، أو الأنظمة الحكومية، أو عند ارتكاب الجريمة بصورة منظمة.

كما أن اتفاقية بودابست للجرائم السيبرانية تركز على جرائم الأنظمة والبيانات، والأدلة الرقمية، والتعاون الدولي، مع ضرورة وجود ضمانات إجرائية واضحة في التفتيش والضبط، وطلب البيانات، واعتراض الاتصالات، وحفظ الأدلة الرقمية.

كلما اتسعت العبارة القانونية دون تعريف واضح، زادت احتمالات سوء التطبيق. ولهذا تحتاج قوانين الجرائم الرقمية إلى لغة دقيقة تفصل بين الجريمة التقنية والرأي والنشر والمحتوى.

الحاجة إلى ضبط العقوبات والضمانات

أرى أن هناك حاجة واضحة إلى ضبط العقوبات بصورة أكثر توازنًا، بحيث لا تُعامل جميع الأفعال الرقمية بالدرجة نفسها من الخطورة. فهناك فرق كبير بين فعل بسيط محدود الأثر، وبين هجوم منظم يستهدف مصرفًا، أو مؤسسة حكومية، أو بنية تحتية حرجة.

كما توجد حاجة إلى إدخال حماية قانونية للباحثين الأمنيين ومختبري الاختراق المصرح لهم، وتقوية ضمانات الأدلة الرقمية، وتنظيم طلبات البيانات من مزودي الخدمة والمنصات وفق أوامر قضائية محددة وواضحة، حتى لا تُستخدم هذه الصلاحيات بصورة واسعة أو غير منضبطة.

إن قوة القانون لا تكمن في تشديد العقوبات وحدها، بل في وضوح النص، وتناسب العقوبة، وسلامة الإجراءات، وقدرة القضاء على تطبيقه من دون غموض.

مواد الثقة الرقمية تحتاج إلى صياغة أدق

من النقاط التي تحتاج إلى عناية خاصة أيضًا، المواد المتعلقة بالتوقيع الإلكتروني والرقمي، ووسائل الدفع، وشهادات التصديق، والمحررات الإلكترونية.

فهذه المواد مهمة جدًا لحماية الثقة الرقمية والمعاملات الإلكترونية، لكنها تحتاج إلى صياغة فنية أدق تميز بين التوقيع الإلكتروني البسيط، والتوقيع الرقمي القائم على المفاتيح التشفيرية، وشهادة التصديق، وبيانات إنشاء التوقيع، ووسائل الدفع الرقمية.

فليس كل ما يتعلق بالتوقيع الرقمي يسمى (تزويرًا) بالمعنى التقني المباشر؛ لأن الجريمة قد تقع من خلال سرقة المفتاح الخاص، أو اختراق حساب التوقيع، أو تزوير شهادة التصديق، أو استعمال وسيلة توقيع عائدة إلى الغير من دون حق.

المطلوب: تحليل مادةً مادة

لذلك، أرى ضرورة عدم التسرع في إقرار القانون بصيغته الحالية قبل إجراء تحليل تفصيلي لكل مادة من مواده، من الناحيتين القانونية والتقنية، ومقارنتها بأفضل الممارسات التشريعية في الدنمارك والاتحاد الأوروبي واتفاقية بودابست.

والهدف من هذه المراجعة ليس تعطيل القانون أو إضعافه، بل العكس تمامًا. فالهدف هو إخراج قانون قوي، وعادل، وقابل للتطبيق، يحمي المجتمع والدولة من الجرائم الرقمية، وفي الوقت نفسه لا يتحول إلى أداة لتقييد حرية التعبير، أو الصحافة، أو النقد المشروع، أو البحث الأمني.

الخلاصة

نحن بحاجة إلى قانون للجرائم الإلكترونية في العراق، لكننا بحاجة إليه بصياغة دقيقة ومتوازنة، تجرّم الفعل الإجرامي الرقمي الحقيقي، وتحمي المواطن والمؤسسات، وتدعم السيادة الرقمية، وتنسجم مع الدستور العراقي والمعايير الدولية الحديثة في مكافحة الجرائم السيبرانية وحماية الحقوق والحريات العامة.

وقد أظهر التحليل وجود بعض الفقرات التي تحتاج إلى إعادة ضبط تشريعي واضح، خصوصًا تلك التي تخلط بين جرائم تقنية المعلومات من جهة، وحرية الرأي والتعبير والنقد والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي من جهة أخرى.

فكتابة الرأي أو النقد أو التعبير عن موقف عام لا ينبغي أن تُعامل كجريمة إلكترونية، ما لم تقترن بفعل مجرّم مستقل، مثل الاختراق، أو الابتزاز، أو الاحتيال، أو التهديد، أو نشر بيانات خاصة من دون مسوغ قانوني، أو التحريض المباشر على العنف.

إن القانون الجيد لا يُقاس بشدة العقوبات فقط، بل بدقة النص، ووضوح الفعل المجرّم، وتناسب العقوبة، وقوة الضمانات، وقدرته على حماية المجتمع من دون المساس بجوهر الحقوق والحريات.

إن القانون المطلوب للعراق يجب أن يحمي المجتمع من الجريمة الرقمية، ويحمي الدولة من الفوضى التقنية، ويحمي المواطن من النصوص الفضفاضة، وأن يفرّق بوضوح بين المجرم الإلكتروني والمواطن الذي يمارس حقه الدستوري في الرأي والتعبير.

التوصيات التشريعية المقترحة

استنادًا إلى النتائج التي توصل إليها المقال، وإلى المقارنة مع التشريع الدنماركي، والتشريعات الأوروبية، واتفاقية بودابست للجرائم السيبرانية لعام 2001، تُقترح التوصيات الآتية لضمان إصدار قانون عراقي دقيق ومتوازن وقابل للتطبيق:

  1. عدم التصويت على المقترح بصيغته الحالية قبل إخضاع مواده لمراجعة قانونية وتقنية وحقوقية شاملة.
  2. تشكيل لجنة خبراء مستقلة تضم قضاة وقانونيين ومتخصصين في الأمن السيبراني (مختصين حقيقين وليس مختصين تواصل اجتماعي لان للأسف كل من هب ودب اصبح خبير امن سيبراني في هذه الايام) والأدلة الرقمية والخصوصية وحقوق الإنسان، لمراجعة القانون مادةً مادة.
  3. حصر القانون بالجرائم الرقمية الحقيقية مثل الاختراق، والابتزاز الإلكتروني، والاحتيال، وانتحال الهوية، وسرقة البيانات، وتعطيل الأنظمة والخدمات.
  4. حذف أو إعادة صياغة العبارات الفضفاضة التي تسمح بتجريم الأفعال استنادًا إلى أوصاف غير محددة مثل الإساءة أو الإضرار بالمصلحة العامة أو القيم الاجتماعية، من دون تعريف قانوني دقيق.
  5. النص صراحةً على حماية حرية التعبير والصحافة والنقد المشروع، وعدم اعتبار الرأي أو النشر جريمة إلكترونية ما لم يقترن بفعل مجرّم ومحدد في القانون.
  6. اشتراط القصد الجنائي والضرر الفعلي لقيام الجريمة، حتى لا يُعاقب الأشخاص بسبب الأخطاء التقنية غير المقصودة أو الاستخدام المشروع للأنظمة.
  7. اعتماد عقوبات متدرجة ومتناسبة مع خطورة الفعل والضرر الناتج عنه، وتشديد العقوبة عند استهداف المؤسسات الحكومية أو المصارف أو البنية التحتية الحرجة أو عند ارتكاب الجريمة بصورة منظمة.
  8. منع التفتيش أو الوصول إلى الأجهزة والحسابات والبيانات إلا بأمر قضائي محدد يبيّن نوع البيانات المطلوبة، والجهة المستهدفة، ومدة الإجراء والغرض منه.
  9. وضع ضوابط مشددة لاعتراض الاتصالات والمراقبة الرقمية، وحصرها بالجرائم الخطيرة ولمدة محددة، مع خضوعها للرقابة القضائية ومنع استخدامها لأغراض سياسية أو شخصية.
  • تنظيم الأدلة الرقمية بصورة واضحة، بما يشمل جمعها وحفظها وفحصها وتوثيق سلسلة حيازتها، لضمان سلامتها وقبولها أمام القضاء ومنع العبث بها.
  • تنظيم طلبات البيانات من شركات الاتصالات والمنصات الرقمية، ومنع إلزامها بالمراقبة العامة للمستخدمين أو تسليم بياناتهم من دون سند قانوني وأمر قضائي.
  • توفير حماية قانونية للباحثين الأمنيين ومختبري الاختراق المصرح لهم، وعدم مساواة الاختبار الأمني المشروع بالاختراق الإجرامي.
  • إعادة صياغة المواد المتعلقة بالتوقيع الإلكتروني والهوية الرقمية، مع التمييز بين التوقيع الإلكتروني والتوقيع الرقمي والمفتاح الخاص وشهادة التصديق ووسائل الدفع الإلكتروني.
  • إنشاء نقطة اتصال وطنية تعمل على مدار الساعة لتسريع التعاون في الجرائم السيبرانية العابرة للحدود وحفظ الأدلة الإلكترونية العاجلة.
  • مواءمة القانون العراقي مع اتفاقية بودابست للجرائم السيبرانية، وتكليف الجهات المختصة بدراسة استكمال مسار انضمام العراق إليها؛ إذ تتيح الاتفاقية إطارًا عمليًا للتعاون الدولي وتبادل الأدلة في الجرائم العابرة للحدود. وحتى 3 أيلول/سبتمبر 2026، لا يظهر العراق ضمن قائمة الدول الأطراف أو الدول المدعوة إلى الانضمام المنشورة من مجلس أوروبا. مجلس أوروبا
  • إلزام الحكومة بإصدار تعليمات تنفيذية واضحة، وتدريب القضاة والمحققين والشرطة على التحقيق الرقمي قبل بدء تطبيق القانون.
  • إجراء مراجعة دورية للقانون كل ثلاث سنوات لمواكبة التطور التقني، مع إلزام الجهات التنفيذية بتقديم تقرير سنوي إلى مجلس النواب عن تطبيقه.

التوصية المركزية

إعادة مقترح القانون إلى اللجنة المختصة وعدم تمريره بصيغته الحالية، وتشكيل فريق قانوني وتقني مستقل لإعادة صياغته مادةً مادة، بما يضمن مكافحة الجريمة الرقمية الحقيقية من دون تحويل القانون إلى أداة لتقييد حرية التعبير أو انتهاك الخصوصية.

المصادر المرجعية

  1. مقترح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات العراقي، النسخة محل المراجعة.
  2. القانون الجنائي الدنماركي (Straffeloven)، منصة Retsinformation الرسمية:
    https://www.retsinformation.dk/eli/lta/2025/1294
  3. التوجيه الأوروبي Directive 2013/40/EU بشأن الهجمات ضد نظم المعلومات:
    https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A32013L0040
  4. اتفاقية بودابست للجرائم السيبرانية، مجلس أوروبا:
    https://www.coe.int/en/web/cybercrime/the-budapest-convention
  5. اللائحة العامة لحماية البيانات GDPR – Regulation (EU) 2016/679، عند اتصال النصوص بالبيانات الشخصية والخصوصية.
  6. توجيه NIS2 – Directive (EU) 2022/2555، عند اتصال النصوص بالبنية التحتية الحرجة ومزودي الخدمات الأساسية:
    https://digital-strategy.ec.europa.eu/en/policies/nis2-directive
  7. قانون الخدمات الرقمية الأوروبي Digital Services Act – Regulation (EU) 2022/2065، عند اتصال النصوص بالمنصات والمحتوى الرقمي:
    https://eur-lex.europa.eu/eli/reg/2022/2065

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *