(اذا كان الاستثمار الامريكي يحتاج الى عراق خالي من الأسلحة خارج اطار الدولة فلماذا لم يستطع ولم ترغب امريكا في خلق مثل هذا الهيكل الحكومي في العراق خلال العقدين الماضيين)؟

الاستثمار الأميركي وشرط السلاح خارج الدولة في العراق
قراءة نقدية في ربط الاستثمار الأميركي بشرط عراق بلا سلاح خارج الدولة، ولماذا لم تصنع واشنطن خلال عقدين دولة قوية تحتكر السلاح والسيادة..

الاستثمار الأميركي وسؤال السلاح خارج الدولة

إذا كان الاستثمار الأميركي يحتاج إلى عراق خالٍ من الأسلحة خارج إطار الدولة، فلماذا لم تستطع الولايات المتحدة خلق هذا الهيكل الحكومي خلال العقدين الماضيين؟

ولماذا لم ترغب، أصلاً، في صناعة دولة عراقية قوية تحتكر السلاح والقرار والسيادة؟

هذا السؤال لا يقف عند حدود الأمن. بل يفتح باباً أوسع لفهم العلاقة بين واشنطن والعراق منذ عام 2003.

فالعراق، منذ الأزل، كان محط أنظار الدول الكبرى. وقد عملت الولايات المتحدة جاهدة كي تصبح الطرف الأكثر سيطرة عليه، بسبب موقعه وثرواته وقطاعه الريعي.

فهو بلد غني في المنطقة. كما يمثل مصدراً كبيراً للطاقة والدخل، ورافداً مهماً لمصالح القوى التي تطمع في موارده.

كل مرحلة أميركية مهدت لما بعدها

لكل مرحلة خطة أميركية خاصة.

وقد عملت الولايات المتحدة بأسلوب محكم، وبصفقات تحمل أجندات مسبقة. فكل مرحلة مهدت للمرحلة التي تلتها.

ومنذ بداية وجودها في العراق، استغلت واشنطن الفترات السابقة لترسيخ فكرة القضاء على السلاح الذي تشكل خارج إطار الدولة.

وقد ربطت هذا الملف بجماعات حملت السلاح تحت عنوان العقيدة.

وهذه العقيدة نفسها دفعت بعض تلك الجهات إلى مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق بعد عام 2003.

لقد حمل هذا السلاح، في طياته، عناصر القوة والثبات. كما استند إلى مبدأ رفض التعامل مع العراق بوصفه دولة مستغلة أو محتلة، مهما اختلف الاسم.

فقد يكون الاحتلال مالياً، أو سياسياً، أو اقتصادياً، أو عسكرياً.

وفي كل الحالات، ظل جوهر المشكلة واحداً: السيطرة على القرار العراقي وثرواته.

صورة السلاح والمقاومة في الحساب الأميركي

تعاملت واشنطن مع بعض الجهات التي حملت السلاح بصورة غير مباشرة.

فحاربت بعضها، ودعمت بعضها الآخر بصورة غير مباشرة، من أجل رسم صورة مغلوطة عن هذه الجهات.

وكان بعض هذه الجهات قد شكل، في مراحل معينة وسابقة، خط صد أمام المشروع الأميركي.

وقد سجلت هذه الجهات هزائم فادحة ضد واشنطن، كما ألحقت ضرراً باقتصادها أيضاً.

ومن هنا أدركت الولايات المتحدة أن التصادم المباشر مع هذه الجهات لا يؤدي إلا إلى استنزاف طاقاتها الاقتصادية والبشرية.

كما أدركت أن تطبيق مشروعها كاملاً لم يكن ممكناً في ظل الحكومات السابقة.

فالحكومات التي تعاقبت في تلك الحقبة كانت تعمل على تثبيت جذورها بأي طريقة.

وقد سعت هذه الحكومات إلى ضمان بقائها لأطول فترة ممكنة في الحكم.

وفعلت ذلك أحياناً عبر ضمانات تتصل بممتلكاتها أو سيولتها المالية لدى الولايات المتحدة.

وهذا الواقع منح واشنطن فرصة واسعة لاستغلال العراق اقتصادياً.

كما سمح لها بأن تثبت جذوراً اقتصادية تحت ذرائع كانت تقدمها بوصفها ضرورية.

فتوى الجهاد وإحراق ورقة الضغط الأميركية

ثم جاءت اللحظة الحاسمة.

أعلنت المرجعية العليا في النجف فتوى الجهاد المقدسة.

ورسخت هذه الفتوى فكرة الدفاع عن الوطن. كما أجازت حمل السلاح ضد أي عدوان يشكل خطراً على البلد.

وبذلك، أحرقت الفتوى ورقة ضغط مهمة كانت الولايات المتحدة تعتقد أنها تستطيع استخدامها.

فقد كانت واشنطن، وفق هذا التصور، تراهن على الإرهاب أو القاعدة لزعزعة الأمن في العراق.

وكان الهدف أن يبقى العراق ذا اقتصاد متزعزع، حتى يضطر إلى طلب المساعدة الأميركية.

وقد تشمل هذه المساعدة الخبرات العسكرية، والأسلحة، والمواد، والدعم اللوجستي.

لكن فتوى الجهاد أعادت ترتيب المعادلة.

فهي منحت الدفاع عن البلد غطاءً وطنياً ودينياً واسعاً. كما منعت تحويل الإرهاب إلى ذريعة دائمة لاستنزاف العراق وإبقائه محتاجاً إلى واشنطن.

من التصادم المباشر إلى القوة الناعمة

بعد أن استقرت الأوضاع في العراق نسبياً، واستعاد الاقتصاد شيئاً من توازنه، رأت واشنطن أن ناقوس الخطر قد دق.

لذلك عادت من جديد إلى إثارة ملف السلاح خارج إطار الدولة.

لكنها لم تعد تعتمد على الأدوات القديمة وحدها.

لقد احتاجت إلى تغيير الخطط والانتقال إلى القوة الناعمة.

ومن هنا جاءت بحكومة ترى أنها نزيهة. ثم دعمتها وأيدتها عبر مشروع الاقتصاد والاستثمار الأميركي العراقي، بوصفه المنقذ للعراق من أزماته الاقتصادية والمالية.

غير أن هذه الحقبة، في جوهرها، لا تبدو منفصلة عن الحقب السابقة.

بل تشكل امتداداً لها.

ولا يظهر فيها تجديد حقيقي للواقع الاقتصادي والاستثماري في العراق.

فما نراه لا يتجاوز، في كثير من الأحيان، وعوداً واتفاقيات تكتب حبراً على ورق.

ولا تنفذ تلك الاتفاقيات إلا عندما ترغب الولايات المتحدة في ذلك.

هل يستطيع السياسي العراقي قلب الطاولة؟

إذا امتلك رجل الدولة العراقي الفطنة والحكمة، فعليه أن يقلب الطاولة على الطرف الآخر.

كما يجب أن يستغل الوضع الأميركي الضعيف في المنطقة.

وقد ظهر هذا الضعف بوضوح بعد الأحداث الأخيرة، خلال فترة الحرب بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية.

فقد أضعفت تلك الأحداث الدور الأميركي. كما دفعت واشنطن إلى البحث عن قنوات جديدة لتعويض خسائرها في منطقة الخليج العربي.

وهنا وجدت الولايات المتحدة أن العراق يمثل المنفذ والبوابة الأولى.

لذلك، يجب على السياسي العراقي والحكومة العراقية أن يستغلا هذا الموقف.

فبدلاً من تلقي الإملاءات، يستطيع العراق أن يفرض ما يجعله في مرحلة متقدمة اقتصادياً واستثمارياً.

ويجب أن يحدث ذلك بعيداً عن ربط كل الملفات بملف ضبط السلاح.

السلاح كورقة تفاوض لا كأداة إذعان

ترى واشنطن أن ملف ضبط السلاح يجب أن يبقى ملفاً منفرداً.

لكن على الدولة العراقية، إذا اضطرت إلى الوصول إلى مرحلة ضبط السلاح كله تحت سلطتها، أن تحول هذه الورقة إلى أداة ضغط تفاوضية.

فلا يجوز أن يقدم العراق هذه الورقة مجاناً.

بل يجب أن يجعلها ورقة مساهمة في إلزام الولايات المتحدة بالوفاء بشروطها.

ويجب أن ترتبط هذه الشروط بخطط حقيقية تنهض بالواقع الاقتصادي العراقي.

كما يجب أن ترتبط بتحسين الوضع الخدمي، خصوصاً بعد الاتفاقية الأخيرة التي أبرمت لتحسين وضع الطاقة الكهربائية في العراق.

فالعراق لا يستطيع أن يتعامل مع ملف السلاح بوصفه تنازلاً أحادياً.

بل يجب أن يربطه بمصالحه الوطنية، وبخطة اقتصادية واضحة، وبضمانات تنفيذية لا تبقى مجرد وعود.

الخلاصة: منطق الدولة لا منطق الإملاء

إن السؤال الأساسي لا يتعلق بالسلاح وحده.

بل يتعلق بمن يريد بناء دولة عراقية قوية، ومن يريد إبقاءها دولة قلقة ومفتوحة على الضغط.

فإذا كان الاستثمار الأميركي يحتاج إلى عراق بلا سلاح خارج الدولة، فعلى واشنطن أن تفسر لماذا لم تساعد خلال العقدين الماضيين في بناء دولة عراقية قادرة على احتكار السلاح والسيادة.

كما يجب على بغداد أن تفهم أن اللحظة الحالية تمنحها فرصة تفاوضية.

فالولايات المتحدة تبحث عن منافذ جديدة في المنطقة. والعراق يستطيع أن يستثمر هذا الظرف إذا امتلك قراره السياسي.

لذلك، لا ينبغي للحكومة العراقية أن تتعامل مع الاستثمار الأميركي بوصفه منحة.

كما لا ينبغي أن تتعامل مع ضبط السلاح بوصفه شرطاً بلا مقابل.

بل يجب أن تجعل أي خطوة داخلية في هذا الملف جزءاً من صفقة وطنية كبرى.

وتقوم هذه الصفقة على تنمية الاقتصاد، وتحسين الكهرباء، وحماية السيادة، ومنع تحويل العراق إلى ساحة جديدة للوعود المؤجلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *