إبادة أو تهجير الشيعة بين التحذير السياسي وخطر الإنكار
إبادة أو تهجير الشيعة لم تعد، في هذا السياق، عبارة عابرة أو مبالغة خطابية،
بل تحولت إلى عنوان تحذيري يتكرر في قراءة المشهد اللبناني والإقليمي.
فالمشترك بين كلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما يُقرأ في بعض التصريحات والمواقف،
وكلام الشيخ نعيم قاسم، هو الإشارة إلى خطر وجودي يتهدد شريحة واسعة من اللبنانيين،
تحت عناوين إنهاء حزب الله أو إعادة تشكيل التوازنات السياسية والميدانية في لبنان والمنطقة.
المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في وجود هذا الخطر، بل في صعوبة تصديقه داخل البيئة المعنية نفسها.
فجزء من المجتمع ما زال يتعامل مع الوقائع بمنطق الاطمئنان المفرط، أو بما يمكن تسميته وهم فائض القوة،
بينما تتراكم المؤشرات التي تدفع إلى قراءة أكثر جدية وقلقاً.
حين يصبح التحذير واجباً لا ترفاً
لقد سبق أن جرى التحذير، في أكثر من مرحلة،
من أن مشروع الاستهداف لا يتوقف عند الضغط السياسي أو العسكري،
بل قد يتطور إلى خيارات أكثر خطورة، تتصل بالاقتلاع، أو التهجير،
أو دفع الناس إلى مغادرة مناطقهم تحت وطأة الحرب والخوف وانهيار شروط الحياة.
ومن هنا تأتي أهمية كلام الشيخ نعيم قاسم، الذي لم يقدّم التحذير بوصفه موقفاً إعلامياً عابراً،
بل بوصفه قراءة لخطة تستهدف إنهاء حزب الله عسكرياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً وشعبياً.
وبحسب هذا الفهم، فإن إنهاء حزب الله لا يعني استهداف تنظيم فقط، بل قد يعني استهداف بيئة اجتماعية واسعة ارتبط وجودها السياسي والأمني بهذه المعادلة.
وضوح الخطاب وحجم الخطر
في كلمته، توقف الشيخ نعيم قاسم عند معنى المشروع المطروح ضد حزب الله وبيئته،
وشرح أن المقصود ليس مجرد إضعاف سياسي أو عسكري، بل ضرب وجود شريحة واسعة من اللبنانيين عبر القتل أو التهجير أو النقل القسري أو تفكيك البنية الاجتماعية التي تحميها.
خطورة هذا الكلام أنه لا يترك مساحة واسعة للتأويل. فهو ينقل النقاش من مستوى الخلاف السياسي الداخلي إلى مستوى التهديد الوجودي. وعندما يصبح الوجود نفسه موضع تهديد، فإن التعامل مع اللحظة يجب أن يختلف جذرياً عن التعامل مع أزمة سياسية عادية.
قراءة في كلام ترامب وسياق التهديد
أما كلام الرئيس ترامب، فيُقرأ ضمن السياق ذاته عندما يجري الحديث عن دور أطراف إقليمية في “حل الأزمة الشيعية”، أو عندما تُقدَّم التجارب السورية الدموية بوصفها نموذجاً قابلاً للتكرار في بيئات أخرى.
هذا النوع من الخطاب، إذا تُرجم سياسياً أو ميدانياً، لا يعني معالجة أزمة، بل يعني فتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة يمكن أن تشمل العنف الجماعي، والتهجير، وإعادة تشكيل المجتمعات بالقوة.
ولهذا، فإن الربط بين كلام ترامب وكلام الشيخ نعيم قاسم لا يأتي من فراغ، بل من قراءة مشتركة مفادها أن المشروع المطروح لا يستهدف توازنات السلطة فقط، بل قد يستهدف البنية السكانية والاجتماعية في لبنان والمنطقة.
وهم فائض القوة وخطر سوء التقدير
من أخطر ما يمكن أن يصيب أي جماعة في لحظة تهديد وجودي هو سوء تقدير الخطر. فقد تقود الثقة المفرطة بالقوة إلى التقليل من خطورة المخططات، كما قد يؤدي الإعلام التعبوي غير المنضبط إلى تغذية أوهام لا تساعد الناس على الاستعداد، بل تجعلهم أكثر هشاشة أمام الصدمة.
إن الإيمان بالقوة لا يجب أن يتحول إلى إنكار للواقع. فالمقاومة في الميدان تؤدي دورها، لكن المجتمع يحتاج أيضاً إلى وعي سياسي واجتماعي وتنظيمي يحميه من الانجرار وراء الخطابات السطحية أو التطمينات غير المسؤولة.
القوة الحقيقية لا تكمن في رفع الصوت، بل في دقة التشخيص، وحسن التنظيم، والقدرة على قراءة نوايا الخصوم، والاستعداد لكل الاحتمالات.
بين المقاومة والمجتمع: من يحمي من؟
صمود المقاومين في المواجهات الأمامية هو، في هذه القراءة، العامل الأساسي الذي عطّل حتى الآن سيناريوهات أكثر قسوة. لكن المقاومة وحدها لا تستطيع أن تحمل عبء مجتمع كامل إذا بقي هذا المجتمع أسير الانقسام، أو الاستهلاك، أو التنافس الداخلي، أو الخطاب الإعلامي الذي يخلط بين الصمود والإنكار.
المجتمع الذي يواجه خطراً وجودياً يحتاج إلى تماسك داخلي، وإلى وعي جماعي، وإلى اقتصاد صامد، وإلى مؤسسات اجتماعية منظمة، وإلى خطاب مسؤول لا يبيع الناس الوهم ولا يدفعهم إلى الهلع.
فالخطر الحقيقي لا يأتي من الخارج وحده، بل من ضعف الجبهة الداخلية عندما تفقد القدرة على التمييز بين التحليل الجاد والضجيج الإعلامي.
الإعلام حين يتحول إلى عبء
جزء من الأزمة يرتبط بخطاب إعلامي وسياسي بالغ الخطورة. فبعض المنابر،
بدلاً من أن تساعد الناس على فهم الواقع، تكتفي بتسويق شعارات وتحديات لا تملك كلفة تنفيذها،
أو تروّج لصورة مبالغ فيها عن القدرة، بينما يدفع الناس ثمن الحسابات الخاطئة من بيوتهم وأمنهم ومستقبلهم.
المشكلة ليست في رفع المعنويات، بل في تحويل رفع المعنويات إلى بديل عن التفكير.
وليست في الدفاع عن المقاومة، بل في تحويل الدفاع إلى استعراض فارغ يسيء إلى المقاومة نفسها ويضع المجتمع أمام توقعات غير واقعية.
إن الإعلام المسؤول هو الذي يقول الحقيقة، حتى عندما تكون قاسية، ويشرح المخاطر دون تهويل، ويحصّن المجتمع دون أن يخدره.
خطر تحويل الناس إلى مادة للخطاب
عندما تتحول دماء الناس وبيوتهم ومعاناتهم إلى مادة للتحليل الاستعراضي،
يصبح الإعلام جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل. فالمجتمع لا يحتاج إلى محللين يقتاتون على الخوف أو المزايدات،
بل يحتاج إلى أصوات مسؤولة تقرأ الواقع وتخدم الناس وتحفظ كرامتهم.
إن البيوت التي تُدمّر ليست مادة للنقاش التلفزيوني. والنازحون ليسوا أرقاماً في نشرات الأخبار.
والخسائر الاجتماعية لا يجوز أن تتحول إلى فرصة لزيادة الشعبية أو الظهور الإعلامي.
لذلك، فإن أول شروط الوعي في هذه المرحلة هو التمييز بين من يحمي الناس في الميدان، ومن يستخدم وجعهم في الخطاب.
من نقد الوهم إلى حماية المجتمع
ليس المطلوب جلد المجتمع أو إهانته، بل إيقاظه من وهم الاطمئنان الزائف.
فالبيوت الفخمة، والسيارات، والمناصب الصغيرة، والخلافات اليومية، وكل مظاهر التنافس الاجتماعي،
تفقد معناها عندما يصبح الوجود الجماعي نفسه مهدداً.
إذا سقط الأمن الاجتماعي، لا تبقى قيمة للامتيازات الفردية.
وإذا تحولت المناطق إلى ساحات حرب أو تهجير، فلن تنفع مظاهر الرفاه ولا الحسابات الشخصية الضيقة.
ومن هنا، فإن الوعي الحقيقي يبدأ عندما يدرك الناس أن الحفاظ على الوجود أسبق من كل تفصيل آخر،
وأن حماية المجتمع ليست مسؤولية المقاومين وحدهم، بل مسؤولية كل فرد ومؤسسة ومرجعية ونخبة.
التجربة السورية كتحذير لا كنموذج
الإشارة إلى التجربة السورية في بعض الخطابات يجب أن تُقرأ بوصفها تحذيراً بالغ الخطورة.
فقد أظهرت الحروب الداخلية كيف يمكن أن تتحول المجتمعات إلى ساحات اقتلاع وانتقام وتفكيك،
وكيف يمكن للعنف أن يعيد تشكيل الجغرافيا والسكان والعلاقات الاجتماعية.
وعندما يُلمّح إلى تكرار نماذج مشابهة في لبنان أو غيره، فإن المسألة تتجاوز السياسة اليومية.
نحن هنا أمام تهديد يمس الوجود والهوية والمكان والحق في البقاء.
لذلك، فإن أي استخفاف بهذا النوع من الكلام هو خطأ استراتيجي.
فالخطاب الذي يسبق العنف غالباً ما يكون مقدمة لتطبيعه، ثم تبريره، ثم تنفيذه.
أزمة الخطاب القومي والإعلام التعبوي
من العوامل التي ساهمت في تشويش الوعي العام بروز خطاب قومي وإعلامي قديم يعيد إنتاج أوهام الماضي،
ويحوّل الهزائم إلى انتصارات لفظية، ويستبدل التحليل الواقعي بالشعارات.
هذا الخطاب، الذي نشأ في مراحل الهزائم الكبرى، حاول في كثير من الأحيان أن يغطي الفشل بضجيج أيديولوجي،
وأن يحول العجز إلى بلاغة، وأن يستبدل بناء القوة الفعلية بصناعة الوهم.
والخطر اليوم أن تنتقل هذه العقلية إلى بيئات تواجه تهديداً حقيقياً،
فتدفعها إلى سوء التقدير، أو إلى العجز عن رؤية حجم الخطر، أو إلى تصديق روايات لا تحمي أحداً.
المقاومة لا تحتاج إلى أوهام
المقاومة، في جوهرها، لا تحتاج إلى أوهام كي تبرر وجودها.
فهي تنبع من واقع التهديد، ومن حق الناس في الدفاع عن أنفسهم، ومن تجربة طويلة في مواجهة الاحتلال والعدوان.
لكن المقاومة تتضرر عندما تُحاط بخطاب غير مسؤول،
أو عندما يتحدث باسمها من لا يتحمل كلفة الميدان،
أو عندما تتحول إلى مادة للمزايدة بدلاً من أن تبقى مشروعاً لحماية الناس.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يُساء إلى صورة المقاومة عالمياً ومحلياً بسبب أصوات لا تعرف الفرق بين الصلابة والتهور، وبين الثبات والإنكار، وبين التعبئة الواعية والتضليل.
الشيعة الحقيقيون وخط الاعتدال المسؤول
الشيعة الحقيقيون، في هذا الفهم، لا يمثلهم خطاب الشتائم ولا المزايدات ولا الشعارات الفارغة.
يمثلهم فكر الإمام موسى الصدر، والشيخ محمد مهدي شمس الدين،
والسيد محمد حسين فضل الله، والسيد حسن نصر الله في خطابه الذي شدد مراراً على عدم الإساءة إلى الشركاء اللبنانيين، حتى في لحظات الخصومة والضغط.
هذا الخط هو خط الوعي والمسؤولية والانتماء الوطني، لا خط العزلة أو الغرور أو الانفصال عن باقي اللبنانيين.
وهو الخط الذي يفهم أن حماية الوجود لا تكون بإثارة العداوات داخل المجتمع، بل ببناء أوسع شبكة تضامن ممكنة.
فالخطر إذا كان وجودياً، فإن مواجهته تحتاج إلى وحدة ووعي وتواضع سياسي،
لا إلى خطاب يوسع الفجوات ويعزل البيئة المستهدفة عن محيطها الوطني.
لبنان لا يحتمل العزلة الطائفية
أي شريحة لبنانية لا تستطيع أن تحمي نفسها بمعزل عن بقية اللبنانيين. فلبنان بلد مركب،
وأمنه لا يقوم على انتصار طائفة على أخرى، بل على منع تحويل أي مكوّن إلى هدف للإلغاء أو التهجير أو الكسر.
إذا كان هناك مشروع لاستهداف الشيعة، فإن الرد لا يكون بالانغلاق،
بل بتوسيع التحالف الوطني ضد منطق الإلغاء. وإذا كان هناك خطر على المقاومة وبيئتها،
فإن حماية هذه البيئة تحتاج إلى خطاب يشرح الخطر للبنانيين جميعاً، لا إلى خطاب يعزلها عنهم.
فالمعركة ليست مع المجتمع اللبناني، بل مع كل مشروع خارجي أو داخلي يريد تحويل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات دموية.
خاتمة: بين الإنكار والاستعداد
في المحصلة، المشترك بين كلام الرئيس ترامب وكلام الشيخ نعيم قاسم، في هذه القراءة،
هو التحذير من مشروع قد يصل إلى إبادة أو تهجير الشيعة تحت عنوان إنهاء حزب الله أو إعادة ترتيب المنطقة بالقوة.
غير أن مواجهة هذا الخطر لا تكون بالهلع ولا بالإنكار، بل بالوعي، والتنظيم، والخطاب المسؤول،
وتعزيز الجبهة الداخلية، والتمييز بين المقاومة التي تدافع عن الناس،
وبين الأصوات التي تبيعهم الوهم أو تدفعهم إلى سوء التقدير.
المرحلة لا تحتمل الترف، ولا تحتمل المزايدات، ولا تحتمل الغفلة. فإذا كان الخطر وجودياً،
فإن أول شروط المواجهة هو الاعتراف به، وثانيها بناء وعي جماعي قادر على حماية الإنسان والأرض والمجتمع قبل فوات الأوان.


