هيبة العباس (ع) وسيكولوجية الإله الباطش

هيبة العباس وسيكولوجية الإله الباطش
قراءة نقدية في ابتذال القسم بأبي الفضل العباس، وتشويه معنى الهيبة عبر سيكولوجية الاستبداد، وثقافة البطش، والتجهيل الإعلامي والسياسي..

هيبة العباس وخط الدفاع الأخلاقي الأخير

تصل المجتمعات إلى ذروة اغترابها القيمي حين تبدأ خطوط دفاعها الأخلاقية الأخيرة بالانهيار.

وأخطر هذه الخطوط هي الرموز التاريخية التي تشكل الضمير الجمعي.

ومن هنا، لا يمكن التعامل مع ما يجري اليوم حول هيبة العباس بوصفه انفلاتاً خطابياً عابراً.

فما يمر عبر قنوات الفرجة والتسويق السياسي الهابطة، من تداول مفرط ومبتذل للقسم بأبي الفضل العباس، يكشف أزمة أعمق.

ترافق هذا التداول قهقهات ونكات سمجة. وهذا لا يمثل مجرد خطأ لغوي أو زلة إعلامية.

بل يعبر عن عقلية مأزومة تحاول تقزيم الهامات الإنسانية الكبرى.

إنها تعيد تفصيل هذه الرموز على مقاس وعيها الصغير. فتجعلها مجرد أدوات بطش فوري وانفعال مفرط، وتجرّدها من عمقها القيمي والإنساني.

العباس بن علي بين الفروسية والأخلاق

تفكك قراءة شخصية الإمام العباس بن علي من منظور الفروسية والأخلاق هذا الوهم الإعلامي.

فالرجل في ملحمة الطف لم يكن مجرد مقاتل يبحث عن انتصار عسكري. كما لم يكن صاحب استعراض للقوة العارية.

لقد مثل الموقف المبدئي في تلاحمه المطلق مع حركة أخيه الإمام الحسين.

وتجلت فصاحته البليغة وثباته العقائدي في اللحظات التي تتزلزل فيها حصون الرجال.

عند ضفاف الفرات، تراجع الخصوم أمام هيبته الصارمة.

لكن غريزة السيف لم تكن تحركه. بل رقّت روحه لنداءات العطش القادمة من مخيمات النساء والأطفال.

وحين تكالبت عليه السهام، وبقي مثخناً بالجراح، حافظ على توازنه الداخلي.

كما احتفظ برباطة جأشه الأسطورية.

رفض أن تنحني روحه. ورفض أن تهتز قناعته.

هذا الامتداد الروحي الواعي لرسالة الحسين هو المعنى الحقيقي الذي يريد الخطاب المبتذل طمسه اليوم.

تشويه الرمز عبر سيكولوجية الاستبداد

على الضفة المقابلة، يظهر التشويه حين يسقط البعض سيكولوجية الاستبداد على هذا الرمز النبيل.

فقد أنتجت عقود الدكتاتورية الطويلة في الوجدان الشعبي نزوعاً مرضياً نحو تمجيد القوة الغاشمة.

وهذه الثقافة نفسها صنعتها خطابات الطاغية تاريخياً.

كان الطاغية يتوعد بقطع الأعناق وحصد الرؤوس. كما كان يتلذذ بإنتاج الرعب الصامت.

في ظل هذا الرعب، يباد الإنسان. وتمحى آثار أقدامه من الحياة.

ثم يمر الوجدان العام فوق فاجعته صامتاً وخائفاً. ويتظاهر بالنسيان مثل تماثيل في متاحف الشمع.

هذا الخوف المتأصل غيّر معنى الهيبة في المخيلة الشعبية.

فبدلاً من أن تعني الهيبة احترام الحق والعدالة، صارت تعني الرهبة من سيف الجلاد.

ومن هنا تولدت عقلية تستخف بكل رمز سلام، وتبحث في كل رمز عن صورة الإله الباطش.

من هيبة الحق إلى رهبة الجلاد

إن أزمة هيبة العباس لا تكمن في الرمز نفسه.

بل تكمن في العين التي تنظر إليه.

فهناك عقل مأزوم لا يفهم الهيبة إلا بوصفها بطشاً فورياً. ولا يرى القوة إلا في الانتقام العاجل. ولا يعترف بالرمز إلا إذا تصور أنه يضرب ويبطش ويصعق.

هذا العقل لا يستطيع فهم الفروسية التي تضبط السيف بالأخلاق.

ولا يستطيع فهم الشجاعة التي تتحرك من أجل العطاشى، لا من أجل استعراض الدم.

كما لا يستطيع فهم العظمة التي تثبت في الجراح، وتبقى وفية للرسالة حتى اللحظة الأخيرة.

لذلك، يحاول هذا العقل أن يختزل أبا الفضل العباس في صورة انتقامية ضيقة.

وهذا الاختزال لا يرفع شأن الرمز. بل يهينه، لأنه يسلبه عمقه الأخلاقي والروحي.

الاستخفاف برموز السلام

من هذه الأرضية نفسها تولدت عقلية الاستخفاف بكل رمز سلام.

ونرى ذلك أيضاً في طريقة التعامل مع إرث المتصوف والفقيه الجليل الشيخ عبد القادر الكيلاني.

فبعض الهتافات السوقية تقلل من شأنه لمجرد أن منهجه الروحي يقوم على المحبة والزهد، لا على الترهيب.

وتتعامل هذه العقلية مع الرمز الذي لا يبطش صاعقاً بوصفه رمزاً مستضعفاً لا يستحق الزيارة.

وهنا تظهر المشكلة بوضوح.

فالمجتمع الذي اعتاد الخوف من الجلاد يبدأ، مع الوقت، في احتقار الرحمة.

كما يبدأ في قياس الرموز بقدرتها على البطش، لا بقدرتها على الهداية، أو السمو، أو بناء المعنى.

من الانحدار النفسي إلى السلوك اليومي

لا يبقى هذا الانحدار النفسي داخل حدود الخطاب.

بل يتحول إلى ممارسة سلوكية مدمرة داخل المجتمع.

وتتشابك هذه التفاصيل مع الحياة اليومية.

فنرى من يحلفون بالعباس زوراً نهاراً جهاراً.

يحدث ذلك في معاملات السندات والأوراق الرسمية.

كما يحدث في الفصول العشائرية وجلسات فض النزاعات.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها.

فالاسم الذي يجب أن يردع الكذب يتحول عند بعض الناس إلى أداة لتغطيته.

والرمز الذي يفترض أن يحمي الضمير يستخدمه البعض في تزييف الحقوق، وتجميل الباطل، وتسهيل الخداع.

التجهيل المنظم واغتيال المثل العليا

تقود الماكينات الإعلامية والسياسية اليوم سياسة تجهيل منظم.

كما تمارس محاولات واسعة لغسيل الأدمغة.

وتهدف هذه السياسة إلى اغتيال المثل العليا، حتى يبقى المجتمع بلا بوصلة وبلا مناعة أخلاقية.

فالإنسان الذي يفقد رموزه الأخلاقية يسهل توجيهه.

والمجتمع الذي يضحك على رموزه الكبرى يفقد القدرة على التمييز بين المقدس والمبتذل، وبين الهيبة والبطش، وبين العدل والرعب.

لذلك، لا يمثل ابتذال القسم بأبي الفضل العباس مجرد ظاهرة لغوية.

بل يمثل جزءاً من معركة أعمق على الوعي.

الطغيان زبد عابر

غير أن القراءة الواعية لحركة التاريخ تؤكد حقيقة ثابتة.

فالطغيان ومرتزقته من المهرجين لا يمثلون إلا زبداً عابراً في عمر الحضارات.

لا يصنع المستقبل ضجيج التفاهة.

ولا تصنعه النكات السمجة.

ولا تصنعه رموز مصطنعة تحاول أن تطمس المعنى الحقيقي للهيبة.

المستقبل ليس معجزة غيبية.

بل هو الفكرة الرصينة والوعي الأخلاقي الذي نزرعه الآن في عقول الأجيال الحية.

ومن هنا، ستنكشف هذه الموجة من الركام والابتذال.

وسيبقى المعنى الأصيل أقوى من الضجيج.

الخلاصة: هيبة الرموز لا تسقط بالابتذال

ستنقشع هذه الفوضى حتماً.

وستبقى هيبة الرموز الحقيقية ناصعة وثابتة في ضمير الأحرار.

فهيبة العباس لا تقوم على صورة الإله الباطش، ولا على الرعب، ولا على استدعاء البطش في النكات والبرامج الهابطة.

بل تقوم على الموقف، والوفاء، والشجاعة المنضبطة بالأخلاق، والامتداد الواعي لرسالة الحسين.

الأصل في الوجود هو النور.

أما التفاهة، مهما وجدت من دعم وتسويق، فتبقى زبداً يذهب جفاءً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *