إِفْلاَسُ الفَاسِدِينَ

إِفْلاَسُ الفَاسِدِينَ
يرى النص أن الفساد في العراق بنيوي مرتبط بالمحاصصة واستغلال المؤسسات والعقود لمصالح الأحزاب، وأن الملاحقات الأمنية وحدها لا تعالج جذوره. ويقترح الأتمتة والشفافية الرقمية وتقليص التدخل البشري والحزبي في الإدارة بوصفها وسائل لتجفيف البيئة المنتجة للفساد...

“فلوس اكو يعني فساد اكو!”؛ ليست هذه العبارة مجرد تهكم يعبر عن مرارة الشارع، بل هي تشخيص بليغ لواقع اقتصادي وسياسي معقد. طالما بقيت الخزائن مفتوحة، والثروات سائبة بلا حراسة رقمية صارمة، سيبقى الفساد وقوداً محركاً للمنظومة، متجسداً في مزارع فارهة، وسبائك ذهب مخبأة، ومواكب سيارات مدججة تدوس كرامة المواطن في الشوارع.

الفساد في أنظمة المحاصصة ليس مجرد زلة سلوكية لوزير جشع أو موظف مرتشٍ، بل هو المحرك التشغيلي للدولة. حين أُسست قواعد اللعبة على اقتسام المؤسسات كـ “حُصص تمويلية”، تحولت الوزارات إلى إقطاعيات حصرية للأحزاب؛ تُنزع عقودها وميزانياتها لتمويل الماكينات الانتخابية، وتُحيط القيادات السياسية نفسها بأسوار متباينة: حزب يقيها المحاسبة، أو قبيلة تُستدعى كجدار صد، أو حاشية من الانتهازيين المرتشين. ومع سنوات الممارسة، تتحور التركيبة النفسية والبيولوجية للفاسد؛ فتتحفر في دماغه مسارات عصبية تجعل السرقة في نظره استحقاقاً ووجاهة، ويتلاشى ضميره الوجداني أمام صرخات الضحايا.

تؤكد أبحاث الحوكمة الصادرة عن مراكز الفكر الدولية أن الخطأ الفادح الذي يقع فيه بعض المصلحين أو رجال الأعمال حين يتقلدون السلطة، هو محاولة إدارة دولة غارقة في الفساد البنيوي بـ “أدوات القطاع الخاص التقليدية” القائمة على حسن الظن والثقة الإدارية. الثقة لا تعمل داخل ميكانزم (آلية العمل أو الأسلوب الذي يدار به النظام) يُنتج الفساد بقوة القانون وبيروقراطية الأوراق. أما المداهمات الأمنية والملاحقات الاستعراضية، فرغم ضرورتها، ليست سوى رش للمبيدات فوق مستنقع ركود مائي؛ تقضي على “البعوض” وتترك البؤرة تُنتج أجيالاً أكثر شراسة، بل إنها كثيراً ما تُستغل كأداة لتصفية الحسابات السياسية وإعادة توزيع غنائم العقود والموازنات بين الخصوم.

الحل العلمي الجذري ، الذي أثبت نجاحه في نماذج عالمية كإستونيا وسنغافورة والنرويج، لا يكمن في زيادة أعداد المحققين ولا في تشديد العقوبات البوليسية، بل في إحداث “إفلاس هيكلي” لبنية الفساد عبر الأتمتة الرقمية الشاملة.

إن إلغاء العنصر البشري في التعاملات اليومية هو الوحيد القادر على تجفيف المستنقع. فالرشوة والابتزاز يزدهران حصراً في طوابير المراجعة، وتعدد التواقيع الورقية، ومزاجية الموظف. حين تُحوّل الدولة خدماتها ( من ضرائب، وعقارات، وتأسيس شركات، وجوازات، وأتمتة للمنافذ الحدودية والبنك المركزي ) إلى نوافذ رقمية ومناقصات علنية مفتوحة للرأي العام، فإنها تستبدل المزاج السياسي بخوارزميات صارمة لا ترتشي ولا تجامل.

المستقبل لا ينتظر حلولاً أمنية تُقدّم كمساج لجسد يختنق. البداية الحقيقية لتفكيك منظومة النفوذ تبدأ من بناء “دولة تكنوقراطية رقمية”. حين تُرفع يد الأحزاب عن البيروقراطية وتُدار الثروة بخوارزميات شفافة، سينشف المستنقع تلقائياً، وتفلس طبقة الفساد سياسياً ومالياً، لعدم وجود بيئة صالحة للحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *