قراءة أكاديمية في إشكالية التجاوزات السكنية، وهيبة الدولة، والأمن الاجتماعي في العراق تطرح الأحداث الأخيرة المرتبطة بملف إزالة التجاوزات السكنية في العراق سؤالاً بالغ الأهمية يتجاوز حدود الحادثة ذاتها: من يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع؟ هل هو المواطن الذي شيد مسكنه على أرض متجاوزاً عليها، أم الدولة التي سمحت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتراكم هذه التجاوزات على مدى سنوات طويلة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون انفعالية أو أحادية الجانب؛ لأن مشكلة التجاوزات في العراق لم تظهر بين ليلة وضحاها، ولم تكن نتاج قرار فردي من مواطن واحد، وإنما هي نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية وإدارية وسياسية وقانونية امتدت لسنوات، حتى أصبحت بعض التجاوزات واقعاً اجتماعياً قائماً يصعب التعامل معه بالوسائل الأمنية وحدها. لقد أظهرت الأحداث المؤلمة التي رافقت عمليات رفع التجاوزات، وما نتج عنها من سقوط ضحايا من رجال الشرطة والمنتسبين والمواطنين، أن التعامل مع هذا الملف يحتاج إلى مراجعة شاملة للسياسات الحكومية المعتمدة، لأن حماية هيبة الدولة وإنفاذ القانون هدفان لا خلاف عليهما، لكنهما في الوقت نفسه يجب أن يتحققا ضمن رؤية تحافظ على حياة الإنسان وكرامته وتراعي الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمواطن العراقي. المواطن بين مخالفة القانون والحاجة إلى السكن لا يمكن تبرير التجاوز على أملاك الدولة أو الأراضي العامة من الناحية القانونية، فاحترام الملكية العامة والخاصة وسيادة القانون يمثلان أساساً لأي دولة حديثة.
لكن في المقابل، لا يمكن أيضاً تجاهل حقيقة اجتماعية مهمة، وهي أن المنزل بالنسبة إلى المواطن ليس مجرد قطعة أرض أو بناء مخالف، وإنما يمثل في الوعي الاجتماعي العراقي معنى الاستقرار والأمان والوطن والأسرة والمستقبل.
فالعائلة التي قضت سنوات في بناء منزلها، وأنفقت ما تملك عليه، وأنشأت حياتها الاجتماعية والاقتصادية في منطقة معينة، قد لا تنظر إلى المسألة من زاوية قانونية مجردة، بل من زاوية وجودية تتعلق بمصيرها ومصير أبنائها. ومن هنا، فإن إزالة منزل قائم منذ سنوات من دون إيجاد بديل واقعي قد تنتج عنها آثار اجتماعية ونفسية واقتصادية خطيرة، ولا سيما إذا كانت الأسرة لا تمتلك القدرة المالية على شراء منزل آخر أو استئجار مسكن مناسب.
وهذا لا يعني منح الشرعية للتجاوز، وإنما يعني أن معالجة المخالفة يجب أن تراعي الظروف التي أنتجتها. مسؤولية الدولة لا تبدأ عند إزالة التجاوز السؤال الأكثر أهمية هنا هو: كيف نشأت هذه التجاوزات أصلاً؟ إذا كان القانون يمنع البناء على أرض معينة، فمن المسؤول عن السماح بتقسيمها وبيعها وتشييد المنازل عليها لسنوات؟ وكيف تمكنت بعض الأراضي من التحول إلى أحياء سكنية كاملة دون أن تتدخل الجهات الحكومية المختصة في الوقت المناسب؟ إن مسؤولية الدولة لا تبدأ في اللحظة التي تصل فيها آليات البلدية والقوات الأمنية لإزالة التجاوز، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير؛ من خلال التخطيط الحضري، والرقابة البلدية، ومنع التلاعب بأراضي الدولة، ومحاسبة المتنفذين، وتنظيم سوق العقارات، ومنع بيع الأراضي من دون سندات قانونية صحيحة. فإذا كان المواطن المخالف يحاسب على البناء، فمن الضروري أيضاً أن تتم مساءلة كل من سهّل له الوصول إلى الأرض أو قام ببيعها بصورة غير قانونية أو منح غطاءً سياسياً أو اجتماعياً لمثل هذه العمليات.
ومن غير المنطقي أن تكون المعالجة باتجاه واحد: محاسبة المواطن البسيط، مع ترك حلقات الفساد أو الاستغلال أو التلاعب بالعقار من دون مساءلة حقيقية. ظاهرة بيع الأراضي بصورة غير قانونية من أخطر جوانب الأزمة انتشار عمليات بيع الأراضي التي لا تمتلك سندات قانونية سليمة، تحت تسميات مختلفة، ومنها الأراضي الزراعية أو القطع التي يتم التعامل معها شعبياً على أنها قابلة للبيع والبناء.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتم عمليات البيع بصورة علنية وأمام أنظار المجتمع، الأمر الذي يمنح المواطن انطباعاً بأن العملية قانونية أو على الأقل مقبولة من الجهات الرسمية. وهنا تبرز مسؤولية الأجهزة الرقابية والبلديات والجهات الإدارية والقضائية في منع نشوء السوق غير الرسمية للعقار قبل أن تتحول إلى أحياء ومجمعات سكنية مكتملة.
إن ترك قطعة الأرض تُباع، ثم السماح ببناء منزل، ثم تمديد الخدمات، ثم تشكيل مجتمع سكاني كامل، وبعد سنوات العودة إلى المواطن لإبلاغه بأن البناء مخالف، يمثل خللاً في إدارة السياسة العامة لا يمكن تحميل المواطن وحده تبعاته. حادثة مقتل رجال الشرطة: مأساة لا ينبغي توظيفها في الصراع إن مقتل العميد هشام محمد طلاع، مدير شرطة أمانة الكرخ، وعدد من منتسبي الشرطة في أثناء أداء واجبهم، يمثل حادثة مؤلمة وخطيرة، ويؤكد أن معالجة التجاوزات عندما تصل إلى مرحلة الصدام المباشر قد تتحول من قضية إدارية وقانونية إلى أزمة أمنية وإنسانية.


