من أجل ماذا نكتب.. وما الفائدة؟

من أجل ماذا نكتب.. وما الفائدة؟
الكتابة رحلة دائمة للبحث عن المعنى وفهم الإنسان والعالم، وحفظ الذاكرة ومقاومة التزييف والجمود الفكري. قيمتها لا تُقاس بالشهرة، بل بقدرتها على إثارة الأسئلة، وتوسيع الوعي، والدفاع عن الحرية، وإبقاء الإنسان في حالة بحث متواصل...

الكتابة بوصفها بحثًا عن المعنى لا بحثًا عن الوصول [إشارات توضيحية} تصلني بين الحين والآخر، في الخاص والعام، أسئلة متشابهة تكاد لا تتغير، وكأنها خرجت من قالب واحد، لكنها تحمل في داخلها فضولًا مشروعًا: ما الذي تريد الوصول إليه من خلال هذه الكتابات؟ يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة تعقيدًا، لأن الكتابة لم تكن يومًا وسيلة للوصول إلى شيء واحد، ولم تكن مشروعًا ذا نهاية واضحة أو محطة أخيرة يمكن الإشارة إليها والقول: ها قد وصلنا.إن الإنسان يكتب لأنه لا يستطيع أن يصمت طويلًا أمام العالم، ولأن اللغة، كما يرى الفيلسوف الفرنسي رولان بارت، ليست أداة لنقل الأفكار ، بل فضاء تتشكل فيه الذات معيدة اكتشاف نفسها. الكاتب لا يذهب إلى الكتابة وفي جيبه إجابات جاهزة، إنما يدخل إليها محملًا بالأسئلة والشكوك والرغبة في فهم ما يحيط به.كان فرانز كافكا يقول: «أكتب بطريقة مختلفة عما أتكلم، وأتكلم بطريقة مختلفة عما أفكر، وأفكر بطريقة مختلفة عما ينبغي أن أفكر، وهكذا حتى أحلك الأعماق». هذه العبارة تكشف أن الكتابة ليست زينة لغوية، وإنما رحلة شاقة نحو المناطق المعتمة داخل الإنسان.أما ميلان كونديرا، فقد رأى أن الرواية والكتابة عمومًا ليستا وسيلة للدفاع عن حقيقة واحدة، بل لاكتشاف الحقائق المتعددة، لأن الحكمة الحقيقية تبدأ عندما ندرك أن العالم أكثر تعقيدًا مما نظن. ولذلك لم يكن هدف الكتابة عند كبار الأدباء تقديم أجوبة نهائية، وإنما توسيع أفق الأسئلة.ويذهب خورخي لويس بورخيس إلى أن الجنة تشبه مكتبة كبيرة، لأن المعرفة بالنسبة إليه ليست ترفًا ثقافيًا، بل قدرًا إنسانيًا. فالكتابة الوجه الآخر للقراءة، والاثنتان معًا تشكلان محاولة الإنسان لمقاومة النسيان والغياب.أما نجيب محفوظ، فقد ظل يؤكد أن الأديب لا يحمل رسالة وعظية، بل يحمل رؤية للعالم. و يرى أن الأدب الحقيقي يضيء الزوايا التي يعجز الخطاب المباشر عن الوصول إليها. ولهذا بقيت أعماله حيّة لأنها لم تكتب للحظة عابرة، بل للإنسان في كل زمان.ويقول أمبرتو إيكو إن الكتب تتحدث مع الكتب، وإن الكاتب ليس كائنًا منعزلًا يخلق من الفراغ، هو امتداد لسلسلة طويلة من التجارب الإنسانية. ومن هنا فإن كل كتابة جادة حوار مع التاريخ والفلسفة والعلوم والناس والأحلام والهزائم والانتصارات.ولعل إدوارد سعيد لخص وظيفة المثقف والكاتب حين اعتبر أن الكتابة شكل من أشكال الشهادة على العصر، وأن الصمت أحيانًا يكون نوعًا من التواطؤ. فالكتابة ليست دائمًا احتفالًا بالجمال، فقد تكون مواجهة مع القبح، واعتراضًا على التزييف، ومحاولة لحفظ الذاكرة من الضياع.إن السؤال: «إلى ماذا تريد أن تصل؟» يفترض أن ثمة نقطة أخيرة، بينما الحقيقة أن الكاتب لا يسير نحو نهاية محددة، لأنه يعيش حالة بحث دائمة. الكتابة ليست سلّمًا إلى الشهرة، ولا جسرًا إلى المجد الشخصي، ولا وسيلة لجمع التصفيق. لإنها، في جوهرها، محاولة مستمرة لفهم الإنسان والعالم، وإضاءة ما يختبئ خلف المألوف.ولهذا فإن الجواب الذي أراه أقرب إلى نفسي هو أنا لا أكتب لأني وصلت إلى الحقيقة، لأن الحقيقة أكبر مني، ولأن الأسئلة التي تسكن الإنسان لا تنتهي. أكتب لأن الكتابة تمنح الأشياء أسماءها، وتحفظ ما يوشك على الضياع، وتمنح التجربة الإنسانية فرصة أخرى للبقاء.ولعل أجمل ما قاله غابرييل غارسيا ماركيز في هذا المعنى : «أكتب لكي يحبني أصدقائي أكثر». ولم يكن يقصد الحب بمعناه الشخصي الضيق، إنما التواصل الإنساني العميق الذي يجعل الإنسان أقل وحدة، وأكثر قدرة على فهم نفسه والآخرين.لهذا، حين يُسأل الكاتب: ما الذي تريد الوصول إليه؟ ربما يكون الجواب الأكثر صدقًا:—لا أبحث عن الوصول بقدر ما أبحث عن الإستمرار في الرحلة. الكتابة ليست محطة أخيرة، هي الطريق ، والطريق وحده كفيل بأن يكشف لنا، كل يوم، معنى جديدًا للحياة والإنسان والمعرفة.إن الذين ينظرون إلى الكتابة بوصفها هواية عابرة أو ترفًا ثقافيًا، يغفلون عن حقيقة أن الحضارات لم تصل إلينا إلا عبر الكتابة. فما الذي بقي من الإمبراطوريات القديمة، ومن المدن التي إندثرت، ومن الأمم التي غابت؟ بقيت النصوص. بقيت الألواح الطينية، والبرديات، والمخطوطات، والرسائل، والشهادات الإنسانية التي قاومت الفناء. ولذلك كان جاك دريدا يقول إن «لا شيء يوجد خارج النص»؛ ليس بمعنى إنكار الواقع، وإنما بمعنى أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم العالم إلا من خلال ما ينتجه من رموز ومعانٍ وتأويلات. الكتابة ليست تسجيلًا للوقائع فحسب، هي إعادة خلق للعالم. ولهذا يرى ألبير كامو أن الفنان الحقيقي لا يعيش منعزلًا عن عصره، لانه ينتمي إلى آلام الناس وآمالهم، وأن الإبداع ليس هروبًا من الواقع، وإنما مواجهة له.

الكاتب لا يملك ترف اللامبالاة، لأنه شاهد على زمنه، وحارس لذاكرة مجتمعه، وصوت لمن لا يملكون أصواتهم.ولعل من أعمق ما كتبه جورج أورويل قوله: «أكتب لأن هناك كذبة أريد فضحها، وحقيقة أريد إبرازها». لم يكن يقصد الحقيقة المطلقة، تلك الحقيقة الإنسانية التي تتعرض باستمرار للتشويه والنسيان. فالكتابة، بهذا المعنى، فعل مقاومة، وموقف أخلاقي، ورفض للخضوع لما يُفرض على العقول من صور جاهزة وأفكار معلبة.أما المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد فهو يرى أن مهمة المثقف الحقيقية تكمن في مساءلة المسلمات، لا في ترديدها. والكاتب، في جوهره، لا يضيف صوته إلى الجوقة، بل يبحث عن النغمة التي لم تُسمع بعد. ولذلك فإن الكتابة ليست مطاردة للإجماع، هي دفاع عن حق الاختلاف، وعن حرية التفكير، وعن قيمة السؤال.وقد أدرك عبد الرحمن منيف هذه الحقيقة مبكرًا، حين قال إن الرواية ليست مجرد حكاية للتسلية،لأنها وسيلة لفهم المجتمع وكشف ما يختبئ خلف الظواهر. ولهذا جاءت أعماله الكبرى محاولة لتفكيك السلطة، والذاكرة، والتحولات العميقة التي تصيب الإنسان العربي. وكذلك فعل الطيب صالح، الذي جعل من الأدب جسرًا بين الثقافات، وبين الماضي والحاضر، وبين الشرق والغرب.ومن قبلهم جميعًا، كان الجاحظ الذي أدرك أن الكتاب الرفيق الذي لا ينافق، والصديق الذي لا يمل، والمعلم الذي لا يبخل. وفي كتابه «الحيوان» و«البيان والتبيين» منح المعرفة العربية روحًا حية، وأثبت أن الكتابة ليست مجرد نقل للمعلومات، هي صناعة للعقل وتدريب للوعي. إن أخطر ما يهدد الإنسان ليس الفقر وحده، ولا الحروب وحدها، بل ضمور الأسئلة. عندما يتوقف الإنسان عن التساؤل، يبدأ بالتسليم، وعندما يتوقف عن القراءة، يصبح فريسة سهلة للأفكار الجاهزة. ولهذا قال الفيلسوف الألماني نيتشه إن أعظم الأفكار تولد أثناء السير الطويل والعزلة العميقة، أي حين يفسح الإنسان المجال لصوته الداخلي أن يتكلم.والكتابة، ، ليست وعدًا بالمجد، ولا ضمانًا للخلود، ولا طريقًا مختصرًا إلى الشهرة. كثير من العظماء ماتوا وهم لا يعلمون أن كتبهم ستغيّر العالم. كافكا أوصى بحرق أعماله، ولم يكن يتوقع أن يصبح أحد أكثر الكتاب تأثيرًا في القرن العشرين. وفنسنت فان غوخ باع لوحة واحدة في حياته، لكنه غيّر تاريخ الفن. وهذا يعني أن القيمة الحقيقية للعمل الإبداعي لا تقاس بضجيج اللحظة، بل بقدرته على البقاء.ومن هنا، فإني حين أكتب، لا أتوهم أني أمتلك الحقيقة، ولا أعتقد أني أغير العالم وحدي، لكنني أؤمن بأن كلمة صادقة تفتح نافذة في عقل المتلقي، و تمنح إنسانًا مجهولًا لحظة تأمل، أو تدفع شابًا إلى قراءة كتاب، أو توقظ سؤالًا ظل نائمًا طويلًا.ذلك وحده يكفي.الكتابة، في معناها الأعمق، ليست بحثًا عن الوصول إلى مكان ما، بل محاولة دائمة لأن نكون أكثر فهمًا، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على رؤية العالم بعيون لا تكتفي بما هو ظاهر.وحين يتكرر السؤال: ما الذي تريد الوصول إليه من خلال هذه الكتابات؟ يكون الجواب الذي لا يتغير هو:لا أسعى إلى الوصول بقدر ما أسعى إلى ألا أتوقف عن البحث، لأن الإنسان يتوقف عن الحياة يوم يتوقف عن السؤال، وتتوقف الكتابة يوم يظن الكاتب أنه إمتلك الجواب الأخير!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *