حرامي البيت ومنهج الفساد
على مدى عقود، عالجت منطقتنا، والعراق خصوصاً، أزمة السلطة والفساد من منظور «الشخص لا البنية». غير أن العلة الحقيقية تكمن في أن الفساد لم يعد مجرد انحراف سلوكي لدى بعض الأفراد، بل تحول إلى منهج دولة متكامل، تحميه جيوش إلكترونية، ومنصات إعلامية، وشرعية اجتماعية مشوهة.
وتؤكد المعادلة التاريخية والاجتماعية دائماً أن النظام السياسي ليس إلا انعكاساً للمجتمع الذي أنتجه. لذلك، فإن الشعور العام بالضحية يتغاضى في كثير من الأحيان عن كونه شريكاً في إعادة إنتاج المنظومة نفسها.
ومن هنا، تبرز فكرة «حرامي البيت» التي عبّر عنها رئيس هيئة النزاهة العراقي الأسبق، الدكتور حسن الياسري، إبان رئاسته للهيئة. فقد لخصت هذه الفكرة المعضلة كلها: كيف يمكن ضبط أمن الدار إذا كان اللص يمتلك مفاتيحها ويجلس في صدرها؟
سؤال التاريخ البديل في العراق
في قراءة المشهد العراقي الحالي، يبرز سؤال الفلسفة والتاريخ البديل الأهم: ماذا لو؟ ماذا لو تحولت حملات مكافحة الفساد، التي تُدار بخطوات دولية وإقليمية محسوبة، إلى دافع حقيقي لولادة حكومة وطنية ذات سيادة كاملة؟
تكمن الإجابة في «قانون العواقب غير المقصودة» في العلوم السياسية. فقيام دولة وطنية حقيقية في العراق، ترفض الإملاءات الخارجية وتضع مصالحها القومية أولاً، يمثل كابوساً استراتيجياً للقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
فالفساد، في جوهره البراغماتي، لم يكن يوماً عقبة أمام المصالح الدولية. بل كان الأداة المثالية لضمان «استقرار التبعية»، لأن النخبة الفاسدة تبيع القرار بسهولة، وتقبل الشروط، وتخشى أي تغيير قد يسقط امتيازاتها.
المصالح الدولية والخصم الفاسد المضمون
لا يعترف محرك العلاقات الدولية بالأخلاق، بل يتحرك وفق المصالح الصرفة. كما أن الأرشيف السياسي للقوى الكبرى يمتلئ بالأدلة التي تؤكد تفضيل الخصم «الفاسد والمضمون» على الحليف «النزيه والمتقلب».
وتتجسد هذه البراغماتية في العقيدة الاستعمارية التي ترى في الفاسدين المحليين مجرد أدوات وظيفية، ما داموا يحمون الامتيازات الأجنبية. لذلك، لا تقيس القوى الكبرى الحليف بمدى نزاهته، بل بمدى قدرته على حماية مصالحها وتنفيذ شروطها.
خذ، على سبيل المثال، النفوذ الغربي في أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين. فقد حظيت عائلات دكتاتورية، مثل عائلة «سوموزا» في نيكاراغوا، بحصانة مطلقة ودعم عسكري غير محدود، رغم أنها حولت البلاد إلى إقطاعية خاصة ومزرعة لنهب الثروات. وكان السبب واحداً: حماية استثمارات الشركات العابرة للقارات، ومحاربة أي نفس تحرري.
إفريقيا وتكرار معادلة النهب
وفي قارة إفريقيا، تكرر السيناريو مع أنظمة مثل نظام «بيا» أو الديكتاتوريات العسكرية في الغرب الإفريقي. فقد ضمنت هذه الأنظمة تدفق النفط والمعادن النفيسة إلى العواصم الغربية، مقابل غض الطرف عن إفراغ الخزائن العامة وتهريب المليارات إلى المصارف الأوروبية.
ولذلك، لم يكن الفساد في هذه التجارب مجرد خلل داخلي. بل تحول إلى جزء من هندسة النفوذ الدولي، حيث يشتري الخارج ولاء النخب المحلية، بينما تدفع الشعوب ثمن النهب والتبعية وفقدان السيادة.
محمد بوضياف وحرامية البيت
لعل أكثر فصول هذه التراجيديا السياسية مرارة هو قصة الرئيس الجزائري الراحل محمد بوضياف. فقد استُدعي هذا الرمز التاريخي على عجل من منفاه الاختياري طويل الأمد في المغرب، كي ينقذ بلاده في لحظة فارقة.
كان رفاق الأمس، الذين تربعوا على عرش السلطة وتحولوا إلى نخب مستفيدة ولصوص للمال العام، يظنون أنهم يستحضرون «شرعية ثورية ونزاهة ناصعة» لتجميل صورتهم المشوهة أمام الداخل والخارج. فقد أرادوا استغلال طهارة تاريخه، لا فتح أبواب الإصلاح الحقيقي.
لكن «السي الطيب»، كما كان يُلقب، جاء برؤية مغايرة تماماً. فما إن وطأت قدماه أرض الوطن، ولمس حجم التغلغل الفاسد لـ«حرامية البيت» في مفاصل الدولة، حتى رفض أن يكون واجهة لفسادهم.
حين يفتح الإصلاح عش الدبابير
بدأ بوضياف سريعاً بفتح ملفاتهم السوداء، وفضح شبكاتهم، وتوعد بكنسهم. كان يعلم تماماً، بحسه الثوري، أن فتح عش الدبابير هذا سيكلفه حياته، وقد صرح بذلك للمقربين منه.
ولم يتأخر الرد. فقد اغتالوه على الهواء مباشرة برصاص ضابط أمن، في عملية غادرة أسدلت الستار على محاولة تنظيف الدار. وبذلك، بقيت بنية الفساد العميقة محصنة ضد أي إصلاح وطني حقيقي.
تكشف هذه الحادثة أن «حرامي البيت» لا يخاف من الخطاب الإصلاحي العام، بل يخاف من الإصلاح الذي يقترب من المفاتيح، والملفات، والشبكات، والمال، ومنظومة الحماية التي تحرسه.
الشرق الأوسط ووسط آسيا
يمتد هذا التواطؤ الهيكلي إلى قلب الشرق الأوسط ووسط آسيا. فقد أبقت القوى الكبرى على أنظمة وراثية ونخب عسكرية غارقة في صفقات السلاح المشبوهة والتربح غير المشروع، بوصفها حلفاء موثوقين في استراتيجيات محاربة الإرهاب أو توازن القوى الإقليمي.
وفي المقابل، يخبرنا التاريخ والوثائق المفرج عنها أن أي محاولة لإنتاج بديل وطني نظيف، يسعى إلى امتلاك قراره الاقتصادي، كانت تواجه بحرب شعواء. فالقضية لم تكن يوماً فساداً أو نزاهة في ذاتها، بل كانت تتعلق بمن يملك القرار، ومن يحدد شروط العلاقة مع الخارج.
غواتيمالا وغانا وسيادة القرار
ما جرى في غواتيمالا يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فقد أطيح بالرئيس المنتخب جاكوبو أربينز، لمجرد أنه فكر في استرداد الأراضي الزراعية من الشركات الاحتكارية الأجنبية.
وتكرر المعنى نفسه في غانا مع القائد الإفريقي كوامي نكروما. فقد دمرت تجربته الواعدة في التنمية المستقلة عبر انقلاب مدعوم استخباراتياً، من أجل قطع الطريق أمام صيغة «السيادة الوطنية الكاملة».
ومن هنا، يتضح أن القوى الكبرى لا تخشى الفساد إذا كان يخدم مصالحها. لكنها تخشى النزاهة حين تتحول إلى مشروع سيادة، وإلى قدرة وطنية على التحكم بالثروات والقرار الاقتصادي والسياسي.
العراق والحذر الأمريكي من سقوط الحيتان
بالعودة إلى الواقع العراقي المعقد، يتضح أن الحذر والتدرج الأمريكي في التعامل مع ملفات الفساد وملاحقة «لصوص الدرجة الثانية» لا ينبعان من رغبة في تطهير البلاد. بل ينبعان من خشية حدوث فراغ سياسي وفوضى غير مسيطر عليها، إذا سقطت «الحيتان الكبيرة» دفعة واحدة.
فالنخب الفاسدة الحالية تمثل، بالنسبة للقوى الدولية، شريكاً يمكن التنبؤ بسلوكه. كما أنها مستعدة لتقديم التنازلات السياسية والاقتصادية الكبرى، مقابل الحفاظ على مكتسباتها وحصانتها.
ولذلك، يصبح الفساد هنا أداة ضبط لا مجرد انحراف. فهو يوفر طبقة سياسية قابلة للإدارة، تخاف من المحاسبة، وتحتاج دائماً إلى حماية خارجية، وتدفع ثمن تلك الحماية من القرار الوطني والثروة العامة.
مكافحة الفساد بين التقليم والاستئصال
إن ضرب هذه المنظومة بعمق قد يفتح الباب لولادة تيار وطني راديكالي يرفض التبعية، ويعيد صياغة شروط التعامل مع الخارج. ولهذا، يُراد لملف مكافحة الفساد أن يظل أداة لتقليم الأظافر وضبط التوازنات، لا مشروعاً لاستئصال المنهج.
فإذا تحولت مكافحة الفساد إلى عملية جذرية، فقد تمس بنية المحاصصة، وشبكات المصالح، والقواعد غير المعلنة التي تحكم العلاقة بين الداخل والخارج. أما إذا بقيت في حدود الضبط الجزئي، فإنها ستعاقب بعض الأفراد، لكنها ستحافظ على النظام الذي أنتجهم.
ومن هنا، تبقى بنية المحاصصة حائط الصد الذي يمنع العراق من استعادة سيادته الحقيقية على كنز النفط الاستراتيجي. كما يبقى «حرامي البيت» أخطر من اللص القادم من الخارج، لأنه يعرف مفاتيح الدار، ويتقن لغة أهلها، ويستطيع أن يلبس ثوب الحارس حين يريد إخفاء سرقته.


