الرهان الخليجي على واشنطن
ليس من السهل فهم الحماسة المتجددة تجاه الرهان الخليجي على واشنطن، وكأن السنوات الماضية لم تكن مليئة بالدروس القاسية.
فمنذ أكثر من عقد، أثبتت الأحداث أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لدفع ثمن حماية حلفائها كما كانت تفعل في الماضي.
ومع ذلك، ما زالت بعض العواصم الخليجية تتصرف وكأن واشنطن هي الضامن الوحيد لأمن المنطقة.
الهجمات واختلال معادلات الردع
تعرضت منشآت نفطية حيوية لهجمات.
كما اهتزت معادلات الردع.
ولم يكن الرد الأمريكي بحجم التوقعات التي بُنيت عليها عقود من التحالف.
وكان ذلك منعطفاً تاريخياً يفترض أن يقود إلى مراجعة شاملة للفلسفة الأمنية الخليجية.
لكن ما حدث كان إعادة إنتاج لهذه الفلسفة بصيغة جديدة.
البيانات المشتركة لا تغيّر المصالح
تصدر بين الحين والآخر بيانات مشتركة تتحدث عن «الشراكة الاستراتيجية» و«الالتزام بالأمن الإقليمي».
لكن هذه العبارات لا تغير حقيقة أساسية.
فالمصالح الأمريكية ليست مطابقة للمصالح الخليجية.
وتنظر الولايات المتحدة إلى المنطقة من زاوية مصالحها العالمية.
ولا تنظر إليها من زاوية أمن الخليج وحده.
وعندما تتعارض الكلفة مع المصلحة، لا تتردد واشنطن في إعادة ترتيب أولوياتها.
هل تغيّرت السياسة الأمريكية؟
الأكثر إثارة للاستغراب أن دول الخليج تبدو وكأنها تراهن مجدداً على القوة نفسها.
فهذه القوة تفاوض خصومها.
كما تنسحب من حروبها.
وتعيد تموضعها الاستراتيجي نحو آسيا.
فهل تغيرت السياسة الأمريكية فعلاً؟
أم أن الذاكرة السياسية الخليجية قصيرة؟
سياسة التقارب والاحتماء
تقوم السياسة الخليجية المزدوجة على التقارب مع إيران من جهة.
كما تقوم على الاحتماء بالمظلة الأمريكية من جهة أخرى.
وتبدو هذه السياسة براغماتية في ظاهرها.
لكنها قد تتحول إلى سياسة بلا بوصلة.
ويحدث ذلك إذا لم تستند إلى قوة ذاتية حقيقية.
فإيران لن تغير سلوكها لأن الخليج يريد الحوار.
كما أن الولايات المتحدة لن تخوض حرباً لأنها وقعت بياناً مشتركاً.
بناء منظومة أمن خليجية مستقلة
لا ينبغي أن يكون الرهان الحقيقي على واشنطن.
كما لا ينبغي أن يكون على أي قوة خارجية.
بل يجب أن يقوم على بناء منظومة أمن خليجية مستقلة.
ويتطلب ذلك صناعة عسكرية متطورة.
كما يتطلب اقتصاداً قادراً على تحويل النفوذ المالي إلى نفوذ استراتيجي.
أما الاستمرار في انتظار الضامن الخارجي، فهو تأجيل للمشكلة لا حل لها.
الدول لا تُحمى بالوعود
أثبت التاريخ أن الدول لا تُحمى بالوعود.
بل تحميها المصالح.
والمصالح تتغير.
أما الجغرافيا فلا تتغير.
وتستطيع الولايات المتحدة تغيير رئيسها واستراتيجيتها وأولوياتها كل أربع سنوات.
لكن دول الخليج ستظل تعيش في الجغرافيا نفسها.
كما ستواجه التحديات نفسها.
وهم العودة إلى الماضي
لا يكمن الخطر الأكبر في صدور بيان مشترك مع واشنطن.
بل يكمن في الاعتقاد بأن هذا البيان يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
فالشرق الأوسط تغير.
كما تغيرت موازين القوى.
ويتجه العالم نحو تعدد الأقطاب.
ومع ذلك، لا يزال بعض صناع القرار يتصرفون بعقلية مرحلة الأحادية الأمريكية.
العلاقات مع واشنطن وحدودها
قد يكون الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة خياراً حكيماً.
لكن الخطأ يكمن في تحويل هذه العلاقات مرة أخرى إلى الركيزة الوحيدة أو الرئيسية للأمن.
فقد أثبتت التجربة أن التحالفات الدولية ليست عقود تأمين.
بل هي ترتيبات مؤقتة تحكمها المصالح.
ومن لا يتعلم من التجارب، سيضطر غالباً إلى دفع ثمنها مرة أخرى.
لكن التكلفة ستكون أكبر.


