في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، لا يبدو قرار طهران بتكليف رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بإدارة ملف الصين مجرد خطوة إدارية أو إعادة توزيع للصلاحيات داخل النظام الإيراني، بل يعكس تحوّلاً أعمق في التفكير الاستراتيجي الإيراني. فالرجل الذي يتقدّم أيضاً واجهة التفاوض مع الأمريكيين بات اليوم يمسك بخيطين متوازيين: خط واشنطن وخط بكين. وهذا بحد ذاته رسالة سياسية مكتملة الأركان.
إيران لا تقول إنها تترك باب التفاوض مع أمريكا، لكنها تقول بوضوح أكبر إنها لم تعد ترى مستقبلها الاستراتيجي في الغرب. فالمفاوضات بالنسبة لطهران لم تعد مشروع “عودة إلى الحضن الغربي”، بل وسيلة لإدارة الصراع وتخفيف الضغوط، فيما يجري نقل الثقل الحقيقي للدولة شرقاً، حيث الصين، وحيث تتشكل خرائط القوة الجديدة في العالم.
اختيار قاليباف تحديداً يحمل دلالات تتجاوز شخصه. فالرجل ليس دبلوماسياً تقليدياً، بل شخصية أمنية ـ عسكرية سابقة، تمتلك حضوراً قوياً داخل بنية النظام الإيراني، وتتمتع في الوقت نفسه بنزعة براغماتية في الملفات الاقتصادية والاستراتيجية. وعندما تُسلَّم إليه إدارة ملف الصين بالتوازي مع دوره في التفاوض مع الأمريكيين، فهذا يعني أن إيران لم تعد تفصل بين المسارين الشرقي والغربي، بل باتت تديرهما كجزء من معادلة واحدة.
المعادلة الإيرانية تبدو اليوم واضحة: كلما تعثرت واشنطن في تقديم تسوية حقيقية، ازداد اندفاع طهران نحو الشرق. وكلما ارتفع منسوب العقوبات والضغوط الغربية، توسعت الشراكة مع الصين، ليس فقط اقتصادياً، بل مالياً وتقنياً وأمنياً أيضاً. بكلمات أخرى، تريد إيران أن تقول للأمريكيين إن سياسة العزل لم تعد تعمل بالفعالية نفسها، لأن العالم الذي كانت تهيمن عليه واشنطن منفردة لم يعد قائماً كما كان.
من هنا يمكن فهم إصرار إيران على تعميق حضورها في أطر مثل بريكس وغيرها من التكتلات ليست بالنسبة لطهران مجرد منصات تعاون اقتصادي، بل تعبير عن انتقال النظام الدولي من الأحادية الغربية إلى التعددية القطبية. وإيران تريد أن تتموضع مبكراً داخل هذا العالم الجديد.
الرسالة الإيرانية إلى أمريكا تبدو شديدة الوضوح:
نحن لا نفاوض من موقع الطرف المحاصر الذي يبحث عن مخرج، بل من موقع دولة تعتقد أنها تملك بدائل استراتيجية كبرى. وإذا كانت واشنطن ترى في التفاوض وسيلة لتقييد إيران، فإن طهران ترى فيه وسيلة لكسب الوقت وتخفيف الضغوط، بينما يجري بناء شراكة طويلة الأمد مع الشرق.
أما الرسالة إلى الغرب عموماً فهي أكثر عمقاً: إيران تعلن أنها لم تعد تراهن على العودة إلى النظام الدولي القديم، بل على المشاركة في تشكيل نظام دولي جديد، تكون فيه آسيا مركز الثقل السياسي والاقتصادي العالمي.
لهذا لا ينبغي قراءة تعيين قاليباف في إطار بيروقراطي ضيق، بل باعتباره إعلاناً إيرانياً هادئاً عن إعادة تموضع كبرى:
التفاوض مع واشنطن مستمر، لكن البوصلة الاستراتيجية تتجه إلى بكين.


