نكتب لنستذكر قامة أدبية عراقية كبيرة، ونودع اسماً ظل حاضراً في ذاكرة السرد العراقي والعربي لعقود طويلة، هو اسم القاصة والروائية الراحلة سميرة المانع، ابنة البصرة الفيحاء، التي رحلت عن عالمنا بعد عمر مديد ناهز التسعين عاماً، تاركة خلفها إرثاً أدبياً وإنسانياً سيبقى شاهداً على موهبتها وصدق انحيازها للإنسان والوطن.
لم تكن سميرة المانع روائية أو قاصة تكتب الحكايات فحسب، بل كانت شاهدة على تحولات عصرها وراصدة دقيقة لما مر به العراق والمنطقة والعالم من أحداث ومتغيرات. ومن خلال أعمالها الروائية والقصصية، ومنها “السابقون واللاحقون” و”القامعون” و”من لا يعرف ماذا يريد”، استطاعت أن تمنح القارئ فرصة للتأمل في قضايا الإنسان المعاصر وهمومه وأسئلته الكبرى.
تميزت كتاباتها ببساطة اللغة وعمق الرؤية، فكانت قادرة على مخاطبة القارئ العادي والمثقف في آن واحد. لم تلجأ إلى التعقيد أو الغموض المصطنع، بل اختارت طريق السرد الإنساني الشفاف الذي يجعل القارئ قريباً من شخصياتها وأحداثها. وفي أعمالها ظل الوطن حاضراً بوصفه ذاكرة وهوية، حتى وهي تعيش تجربة الاغتراب، فامتزجت في نصوصها ثنائية المنفى والوطن والحنين والواقع لتشكل واحدة من أبرز سمات مشروعها الإبداعي.
وفي روايتها المهمة “من لا يعرف ماذا يريد”، قدمت نموذجاً لافتاً لهذا الوعي السردي والإنساني. فقد تنقلت بين أمكنة وثقافات متعددة، من العراق إلى أفغانستان وأوروبا وأميركا، لتطرح أسئلة الحرية والعدالة وحقوق المرأة والتفاوت بين المجتمعات، دون خطابية مباشرة أو أحكام جاهزة. وكانت تمتلك قدرة خاصة على جعل القارئ يقرأ ما بين السطور، ويستنتج بنفسه ما أرادت قوله عن الإنسان وعلاقته بالسلطة والمجتمع والتقاليد.
كما عالجت في هذه الرواية وغيرها قضايا معاصرة تتصل بالاحتيال الإلكتروني وثورة المعلومات وكشفت جوانب من معاناة الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي. وعندما تناولت العلاقات الإنسانية والعاطفية، فعلت ذلك بوعي فني رفيع بعيد عن الإثارة المجانية، محافظة على قيمة الأدب بوصفه فناً للكشف والتأمل لا وسيلة للاستعراض.
لقد كانت سميرة المانع شديدة الحساسية تجاه معاناة شعبها ووطنها. حملت العراق في ذاكرتها أينما كانت واستطاعت أن تعكس في نصوصها آلام العراقيين وآمالهم، وأن تستعيد تفاصيل حياتهم اليومية وأحلامهم المنكسرة وأحلامهم المؤجلة. ولهذا جاءت شخصياتها نابضة بالحياة، قريبة من الناس، ومعبرة عن وجدانهم الجمعي.
ورغم ما قدمته من منجز أدبي مهم، فإن كثيرين يرون أن هذه المبدعة الكبيرة لم تنل ما تستحقه من اهتمام نقدي وإعلامي يوازي حجم عطائها. فقد كانت واحدة من الأعمدة الراسخة في الرواية العراقية المعاصرة، وصوتاً نسوياً وإنسانياً مميزاً أسهم في إثراء الثقافة العراقية والعربية على مدى عقود طويلة.
اليوم، ونحن نودع سميرة المانع، لا نرثي شخصاً فحسب، بل نستذكر مرحلة مهمة من تاريخ السرد العراقي، ونحتفي بتجربة إبداعية تركت أثرها الواضح في أجيال من القراء والكتّاب. إن الأديب يرحل جسداً، لكن كلماته تبقى حية في الذاكرة، وأعماله تواصل حوارها مع الزمن والناس.
رحم الله سميرة المانع، وألهم أهلها ومحبيها وقرّاءها الصبر والسلوان، وجعل منجزها الأدبي جسراً تعبر عليه الأجيال القادمة نحو مزيد من الإبداع والمعرفة. المجد لذكراها، والخلود لكلماتها.


