الاثار الاجتماعية لخفض العملة المحلية

الآثار الاجتماعية لخفض العملة المحلية وتراجع قيمة الدينار العراقي
يناقش المقال الآثار الاجتماعية لخفض قيمة الدينار العراقي، من ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية إلى الانكماش الاقتصادي واتساع الدولرة، مع طرح سياسات للحد من الأثر على المواطنين...

خفض العملة المحلية وسؤال المجتمع العراقي

خفض العملة المحلية لا يمثل قراراً نقدياً معزولاً داخل غرف السياسة المالية، بل يترك آثاراً مباشرة على حياة الناس، وأسعار السلع، والقوة الشرائية، وحركة الأسواق، ومستوى الثقة بالاقتصاد الوطني. ففي اقتصاد مثل الاقتصاد العراقي، يعتمد بصورة كبيرة على النفط والدولار والاستيراد، يصبح أي تغيير في سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار، عاملاً مؤثراً في مختلف القطاعات الإنتاجية والصناعية والتجارية والاجتماعية.

وغالباً ما يحدث تغيير سعر الصرف لسببين رئيسيين. الأول داخلي، يرتبط بضائقة مالية أو عجز اقتصادي أو خيار سياسي تستخدمه بعض الدول لتحقيق أهداف إنتاجية وتصديرية. أما الثاني، فيرتبط بتدخل المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ضمن توجهات الاقتصاد العالمي نحو الليبرالية الجديدة، وما يتصل بها من سياسات رفع الدعم، والخصخصة، وإعادة هيكلة الإنفاق العام.

الاقتصاد الريعي ومشكلة الاعتماد على النفط

قلنا مراراً إن الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي يعتمد على النفط بنسبة تتجاوز ٩٠٪ من إيراداته العامة. وقد عجزت الحكومات المتعاقبة عن معالجة هذا الانحراف الكبير في بنية الإيرادات، من خلال تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على مورد واحد شديد التأثر بالتقلبات العالمية.

وقد مر العراق بالعديد من الأزمات نتيجة هذا الخلل البنيوي. ومن أبرز الأمثلة أزمة عام ٢٠١٤، عندما انخفض سعر برميل النفط إلى مستويات متدنية، ما اضطر العراق إلى السحب من أرصدته من العملة الصعبة. وتكررت الأزمات لاحقاً بأشكال مختلفة، وصولاً إلى الأزمة الراهنة المرتبطة بالحرب في المنطقة وتأثيرها في إمدادات النفط وحركة التصدير عبر الخليج ومضيق هرمز.

كان من المفترض أن يتعلم العراق من الدرس الأول، لكن تكرار الأزمات يشير إلى أن المشكلة لم تعد في غياب الدروس، بل في غياب الإرادة والسياسات القادرة على منع تكرارها.

أزمة التصدير وضغط الرواتب

قبل الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، كان العراق ينتج نحو ٤.٤ ملايين برميل يومياً، ويصدر منها نحو ٣.٤ ملايين برميل، بسعر يقارب ٧٢ دولاراً للبرميل الواحد. لكن خلال الأزمة، تضررت قدرته على التصدير بسبب اعتماد معظم صادراته النفطية على المنافذ البحرية في الخليج، فانخفضت الكميات المصدرة إلى أقل من مليون برميل يومياً، وفي بعض الأيام إلى نحو ٣٠٠ ألف برميل فقط.

هذا المؤشر يكشف حجم المشكلة الاقتصادية التي تواجهها الحكومة في تمويل رواتب الموظفين، خصوصاً أن كتلة الرواتب تزداد بشكل مطرد وغير مدروس، وغالباً ما تخضع لحسابات انتخابية أكثر من خضوعها لحسابات اقتصادية وتنموية.

وعندما تتراجع الإيرادات النفطية بهذا الشكل، تبدأ الحكومة بالبحث عن حلول آنية، مثل الاكتتاب، وبيع السندات، وحوالات الخزينة، وربما التفكير مجدداً في خفض قيمة الدينار أمام الدولار.

لماذا قد تلجأ الحكومة إلى خفض الدينار؟

شهد سعر صرف الدينار خلال السنوات الماضية تغيرات واضحة، إذ جرى رفع سعر الدولار إلى ١٤٥٠ ديناراً، ثم خُفض لاحقاً إلى ١٣٢٠ ديناراً. وقد أدى هذا التغيير الأخير إلى فقدان الخزينة العامة مبالغ كبيرة، قُدرت بأكثر من ٢٠ تريليون دينار.

ومن هنا قد تفكر الحكومة الحالية في خفض قيمة الدينار مرة أخرى أمام الدولار، بهدف توفير موارد إضافية بالدينار عند تحويل الإيرادات النفطية الدولارية إلى العملة المحلية.

وقد يكون السبب داخلياً مرتبطاً بعجز الموازنة، وقد يكون مرتبطاً أيضاً بضغوط أو توصيات من صندوق النقد الدولي، خصوصاً في الملفات التي تتعلق بسعر الصرف، ورفع الدعم، والخصخصة، وتقليل الإنفاق الحكومي.

التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية

لخفض العملة المحلية آثار متعددة في مختلف القطاعات، لكن الأثر الاجتماعي هو الأكثر حساسية. فبمجرد صدور قرار خفض الدينار، سترتفع أسعار السلع والمواد الغذائية الأساسية، والأدوية الضرورية، والوقود، والخدمات، لأن السوق العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد وعلى التسعير المرتبط بالدولار.

هذا يعني أن المواطن سيدفع الثمن مباشرة من دخله اليومي. فالخبز، والرز، والزيت، والأدوية، وقطع الغيار، والملابس، والأجهزة، وخدمات النقل، كلها ستتأثر بدرجات مختلفة بتغير سعر الصرف.

ومع ارتفاع الأسعار، يتوسع التضخم، وتزداد ظاهرة الدولرة، أي ارتباط أسعار السلع والخدمات بالدولار حتى عندما تكون المعاملات اليومية بالدينار.

الرواتب لا تتحرك مع التضخم

النقطة الأهم أن رواتب الموظفين في العراق لا ترتبط تلقائياً بمستوى التضخم.

فعندما ترتفع الأسعار، تبقى الرواتب على حالها، ما يعني أن القوة الشرائية للموظف تنخفض عملياً.

وقد أوضحنا في مقالات سابقة أن رواتب الموظفين فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها منذ صدور قانون رواتب موظفي الدولة رقم ٢٢ لسنة ٢٠٠٨ وتعديله عام ٢٠١٢، نتيجة التضخم الطبيعي والأزمات المتكررة.

وإذا جرى خفض قيمة الدينار مجدداً، فسيفقد الموظفون نسبة إضافية من قيمة دخولهم،

تعادل تقريباً مقدار التراجع في قيمة العملة. وهذا سينعكس مباشرة على القدرة الشرائية، وعلى الاستهلاك، وعلى حركة الأسواق.

السوق يتحرك مع الرواتب

المتتبع البسيط لحركة الأسواق العراقية يستطيع أن يلاحظ الفرق بين بداية الشهر ومنتصفه.

ففي الأيام التي تُدفع فيها الرواتب، تتحرك الأسواق بوضوح، وتزداد عمليات الشراء، وينتعش تبادل النقد في المحال التجارية.

لكن عندما تتراجع القيمة الشرائية للراتب، لا يتضرر الموظف وحده. فالبقال، وصاحب محل الملابس،

وبائع الأجهزة، وأصحاب الخدمات، والعمال، وكل القطاعات الصغيرة والمتوسطة، سيتأثرون بسبب تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.

وهنا يظهر الأثر الاجتماعي الأوسع: خفض العملة لا يبقى محصوراً في الأرقام النقدية، بل يتحول إلى انكماش اقتصادي في حياة الناس اليومية.

الانكماش الاقتصادي وتراجع الاستهلاك

عندما ترتفع الأسعار من دون ارتفاع مماثل في الدخل، يبدأ المواطن بتقليل إنفاقه.

فيشتري أقل، ويؤجل بعض الاحتياجات، ويتخلى عن الكماليات، وربما يقلل حتى من بعض الضروريات.

هذا السلوك يؤدي إلى تراجع الطلب في السوق، وبالتالي تراجع أرباح التجار وأصحاب الأعمال الصغيرة، وقد يدفع بعضهم إلى تقليل العمالة أو إغلاق النشاط.

وبذلك يتحول خفض العملة إلى دائرة اجتماعية واقتصادية ضاغطة: ارتفاع أسعار، تراجع قدرة شرائية، انخفاض استهلاك، ضعف مبيعات، تراجع دخل، ثم مزيد من الركود.

الفئات الأكثر تضرراً

الفئات الأكثر تضرراً من خفض العملة المحلية هي أصحاب الدخل الثابت،

مثل الموظفين والمتقاعدين وذوي الرواتب المحدودة، إضافة إلى الفقراء والعاملين في القطاعات غير المنظمة.

أما أصحاب الدخول المرتبطة بالدولار أو التجارة الخارجية أو المضاربة أو الأصول العقارية،

فقد يتمكنون من حماية أنفسهم أو حتى الاستفادة من بعض تقلبات السوق.

وهذا يعني أن خفض العملة قد يؤدي إلى توسيع الفجوة الاجتماعية بين من يملك أدوات حماية مالية، ومن يعتمد على راتب شهري ثابت لا يكفي لملاحقة الأسعار.

خفض العملة والعدالة الاجتماعية

لا يمكن النظر إلى خفض العملة المحلية بمعزل عن العدالة الاجتماعية.

فالقرار قد يبدو مالياً من زاوية الموازنة، لكنه اجتماعياً قد يعني نقل عبء الأزمة من الدولة إلى المواطنين.

فعندما تعوض الحكومة عجزها عبر خفض قيمة الدينار، فإنها عملياً تزيد مواردها الورقية،

لكنها تقلل في الوقت ذاته قيمة دخول المواطنين. وهذا يشبه ضريبة غير مباشرة يدفعها الجميع، لكنها تضغط أكثر على الفقراء وأصحاب الرواتب المحدودة.

لذلك، فإن أي قرار من هذا النوع يجب أن يرافقه برنامج حماية اجتماعية واضح، لا أن يُترك المواطن وحده في مواجهة السوق.

الدولرة وفقدان الثقة بالدينار

من أخطر الآثار المحتملة لخفض العملة أنه يعزز ميل الناس إلى الاحتفاظ بالدولار بدلاً من الدينار.

فكلما شعر المواطن أو التاجر أن الدينار يفقد قيمته، زادت رغبته في تحويل مدخراته أو تسعير بضائعه بالدولار.

هذا السلوك يعمق الدولرة، ويضعف الثقة بالعملة الوطنية، ويجعل البنك المركزي أمام تحديات أكبر في إدارة السياسة النقدية.

وفي اقتصاد يعتمد على الاستيراد، تصبح الدولرة خطراً مضاعفاً، لأنها لا ترتبط فقط بالمدخرات، بل بأسعار السلع الأساسية وحركة السوق اليومية.

ماذا يمكن فعله لتفادي الآثار الاجتماعية؟

لتفادي الآثار الاجتماعية الحادة لخفض العملة المحلية، لا يكفي إصدار القرار ثم انتظار السوق.

بل يجب أن تسبقه وترافقه حزمة سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة.

أولاً، يمكن رفع أسعار الفائدة بدرجة مدروسة لجذب الودائع بالعملة المحلية وكبح التضخم،

لكن ذلك يجب أن يتم بحذر حتى لا يؤدي إلى خنق الائتمان والاستثمار.

ثانياً، يمكن فرض قيود مؤقتة ومدروسة على حركة رؤوس الأموال نحو الخارج،

لمنع الهروب المالي والمضاربة، بشرط ألا تتحول هذه القيود إلى أداة تعسفية تضر بثقة المستثمرين.

خفض العجز وترشيد الاستيراد

ثالثاً، يجب خفض العجز المالي من خلال تقليص الإنفاق الحكومي غير الضروري،

ومراجعة النفقات التشغيلية، وزيادة الإيرادات الضريبية بصورة عادلة ومنظمة.

رابعاً، ينبغي ترشيد الاستيراد عبر فرض قيود أو رسوم على السلع الكمالية،

لا على السلع الأساسية التي يحتاجها المواطن يومياً. فالهدف هو تقليل استنزاف النقد الأجنبي من دون الإضرار بالأمن الغذائي والمعيشي.

كما يجب تطوير المنافذ الحدودية والرقابة الجمركية لمنع التهريب والتلاعب، لأن أي سياسة اقتصادية ستبقى ناقصة إذا استمرت منافذ الهدر مفتوحة.

دعم الصادرات وتنويع الدخل

خامساً، يجب تحفيز الصادرات ودعم المنتجين المحليين لزيادة التدفقات الداخلة من العملات الصعبة.

وهذا يتطلب حماية مدروسة للصناعة والزراعة، وتوفير الطاقة، وتسهيل القروض، وتحسين بيئة الأعمال.

سادساً، ينبغي جذب الاستثمار الأجنبي المباشر عبر تحسين البيئة القانونية والإدارية،

لا عبر الامتيازات غير المدروسة. فالعراق يحتاج إلى رؤوس أموال مستقرة تدخل في الإنتاج والتشغيل، لا إلى أموال ساخنة تبحث عن المضاربة والخروج السريع.

سابعاً، لا بد من تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط عبر تنشيط الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات والتكنولوجيا.

الإصلاح الحقيقي قبل خفض العملة

المشكلة ليست فقط في سعر الصرف، بل في بنية الاقتصاد.

فإذا بقي العراق يعتمد على النفط، ويستورد معظم احتياجاته،

ويوسع كتلة الرواتب بلا إنتاجية، ويؤجل إصلاح الجباية والضرائب والمنافذ، فإن أي تغيير في سعر الصرف سيكون علاجاً مؤقتاً لأزمة عميقة.

خفض العملة قد يمنح الحكومة متنفساً مالياً قصيراً، لكنه لا يبني اقتصاداً منتجاً.

وقد يوفر أرقاماً إضافية في الخزينة، لكنه يضعف المواطن والسوق إذا لم يُدار ضمن خطة شاملة.

لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يسبق أي قرار نقدي كبير، لا أن يأتي بعده كرد فعل متأخر.

خاتمة: لا يجوز تحميل المجتمع كلفة الفشل الاقتصادي

في المحصلة، خفض العملة المحلية قرار شديد الحساسية في بلد مثل العراق. فهو لا يؤثر فقط في الموازنة العامة،

بل في حياة الموظف والمتقاعد والعامل والبقال والتاجر والمريض والطالب وكل من يعيش بدخل ثابت أو محدود.

وإذا كان الهدف معالجة العجز، فإن الطريق الأفضل ليس تحميل المجتمع كلفة الفشل الاقتصادي،

بل إصلاح بنية الإيرادات، وتنويع الاقتصاد، وترشيد الإنفاق، ومكافحة الهدر، ودعم الإنتاج المحلي.

فالقيمة الحقيقية للعملة لا تُحمى بالشعارات، بل باقتصاد منتج، ومؤسسات قوية، وسياسة نقدية منضبطة، وثقة عامة بأن الدولة لا تعالج أزماتها من جيوب المواطنين وحدهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *