ذبح ابن المرجع الاعلى والتبشير بدين جديد !

قراءة التاريخ بين ذبح ابن المرجع والتبشير بدين جديد
قراءة في الجزء الخامس من كتاب هكذا عرفتهم لجعفر الخليلي، من مدرسة البنات في الكوفة إلى الداهشية وذبح ابن المرجع الأعلى...

قراءة التاريخ بين الخبر والسياسة

مرّت نحو خمسة وخمسين عاماً على قراءاتي في الكتب وشؤون الدنيا، ولذلك تغيرت كثير من المفاهيم عندي. بل إنني ضحكت من تقييمات سابقة دونتها بحبر مراهقة الوعي، إذ أصبح من العسير أن تمرّ معلومة من دون أن أخضعها لقواعد تعلمتها بالخبرة والدراسة. فأي خبر يجب أن يخضع لمعيار سياسي أولاً، لأن السياسة هي التي تحرّك الملفات، ولا سيما تلك ذات التأثير الجمعي. ومن هنا تبدأ أهمية قراءة التاريخ من زاوية أعمق من ظاهر الحكاية.

مدرسة البنات في الكوفة واعتراضات المجتمع

يذكر أحد مؤرخي مدينة النجف الأشرف أن القائم مقام جعفر حمندي كان أول من فتح مدرسة للبنات في الكوفة، بعد سنوات من الاعتراض والاحتجاجات. وقد لاحظ الراوي أن أغلب من كانوا يعارضون تعليم البنات، وأخروا فتح مدارسهن، هم أول من سجل بناتهم في المدارس.

حليم دموس والموعظة التي هزت الكنيسة

كما ينقل الكاتب حادثة جرت في مدينة عالية اللبنانية. فقد اضطر خوري الكنيسة إلى التغيب بسبب ظرف خاص في يوم من أيام الآحاد، وبحث عمن يخلفه لتولي الصلاة بالناس وقراءة الموعظة بهم. وصعب عليه انتداب أحد الخوارنة من خارج البلد، فرأى في وداعة أحد الأدباء، ويدعى حليم دموس، فضلاً عن طيبته وحبه للخير العام، ما يجعله مناسباً لأن يقيمه وكيلاً في وعظ الحاضرين.

وقد أدى الصلاة على غير طريقتها المعهودة، إذ ألقى تلاوة قصيدة تفيض بالدعوة إلى ذكر الله وتسبيحه وعمل الخير في الدنيا. وقد بلغ الأمر مسامع البطريركية، التي عدّت ذلك انتهاكاً لحرمة الكنيسة، فتم طرد الخوري من رعاية السلك الكنسي.

الداهشية والتبشير بدين جديد في لبنان

كما ذكر في مدوناته انتشار الداهشية كديانة جديدة في لبنان بصورة سريعة. والغريب أن الأوساط الثقافية والأكاديمية كانت أول من آمن بها.

وتدور الحكاية حول رجل ظهر في لبنان أثناء الحرب العالمية الثانية، اسمه داهش، وكان يجيد بعض أعمال السحر وخفة اليد والتنويم المغناطيسي. وقد تبنى التبشير بديانة جديدة، معلناً نفسه نبياً، حتى راجت الداهشية بين المدن والمنتديات، والتف حوله جمع من المثقفين والوجهاء والعلماء والسياسيين.

وكانت من بينهم مدام حداد، شقيقة بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية، التي انتحرت لاحقاً بسبب اللغط الدائر بالملف. بعدها انتشرت الأخبار بشكل مخيف ومؤثر، وفُتح تحقيق في الانتحار، وتم استدعاء داهش، الذي ارتعب بعد التحقيق، ثم اختفى فجأة وانتهت قصته.

ومع اختفائه ترددت إشاعات بأن الحلفاء خطفوه، وقال بعضهم إن قوة خفية طارت به إلى السماء. وتعددت الروايات حتى قيل إنه أُعدم من قبل السلطات التي دفنته سراً، إلى أن تلاشت الداهشية ونُسيت مع مرور الأيام.

طالب الحوزة واتهامه بالجاسوسية

كما يذكر أن أحد طلاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ويدعى عبد المنعم العكام، قال: «أشيع في الحلة عن وجود إمام جامع يضل الناس، فأمرني السيد الحكيم أن أؤم الناس بدلاً عنه، وأخذت أفضحه بعد أن رفض التخلي عن مكانه ومكانته. وبعد أن أحس بانكشافه واتضاح جهله الفقهي، أخذ يجمع بعض الغلمان والأميين ويوغر صدورهم ضدي، متهماً إياي بأنني جاسوس. فأخذوا يضايقونني حتى رجموا بيتي بالحجارة، فقررت الهرب ليلاً دون إبلاغ الشرطة».

حادثة حلب والتشادر على رأس الزوجة

يقول الراوي عبد القادر عياش: كنا في زيارة، أنا وزوجتي، إلى حلب، وقد دخلنا مكاناً للترويح والأكل. فما إن جلسنا حتى جاءنا نادل وأخبرنا بضرورة مغادرة المكان، لأنه مخصص للمسيحيين.

فقلت له: وكيف عرفت أننا على غير دينك؟

فقال: من هذا التشادر على رأس زوجتك.

مضيفاً: «فتعجبنا أكثر، فقلت له: طيب، ممكن أن ترفعه زوجتي عن رأسها وتضعه في حقيبتها، لأننا متعبان ونريد أن نستريح ونأكل ثم نغادر، فوافق على المقترح».

صبيحة الشيخ داود ودور الخنساء

يذكر صاحب الكتاب: «في ثلاثينيات القرن المنصرم، وبداية تأسيس الدولة العراقية الحديثة، جرى البحث عن امرأة تؤدي دور الخنساء في مهرجان سوق عكاظ. وكان الدور يتطلب أن تركب جملاً وتخطب بجموع الرجال، وصعب الأمر حتى وافقت أخيراً صبيحة الشيخ داود، وكانت صبية».

وقد قامت الدنيا بسبب أداء الدور، وعُدّ ذلك تحدياً للأخلاق المجتمعية وتحولاً خطيراً. وبلغ الاستهجان جميع المناطق المقدسة، حتى إن عبد الرحمن الكيلاني، رئيس الحكومة، استنكر ذلك. علماً أن صبيحة أصبحت لاحقاً من أهم الشخصيات الثقافية العراقية.

ذبح ابن المرجع الأعلى وامتصاص أثر الجريمة

ثم جاء بخبر مفاده أن أحد الشيوخ كان يصلي خلف المرجع الأعلى أبو الحسن الأصفهاني. وقد استغل سجود المصلين، وأخرج سكيناً نحر بها ابن المرجع، وهو يصلي خلف أبيه.

يقول الراوي إن الناس ألقوا القبض على القاتل وسلموه للشرطة كطوق نجاة له. إذ تم تأجيل محاكمته مرات حتى هدأت فورة الناس، وربما مُرّرت الكثير من الملفات تحت الأثر الإعلامي لهذه الجريمة المروعة التي تمس وجدان المجتمع. ثم بدأ الناس ينسون القضية تحت ضغط الواقع السيئ وملفات الحياة المؤلمة التي يعيشونها.

بعد ذلك قررت المحكمة عرضه على لجنة طبية. وقد أكدت اللجنة لاحقاً أن القاتل مريض نفسياً، ولذلك خُفف الحكم من الإعدام إلى المؤبد. ثم مرروا بعض الإعلاميين لزيارته في مشفى المجانين، وهو يتصرف كمجنون محض، ونشروا أخبار جنونه، حتى نسيه الناس، ولم يعد أحد يتداول خبره أو يعلم مصيره.

قراءة التاريخ من زاوية أخرى

هكذا قرأت الجزء الخامس من كتاب «هكذا عرفتهم» للصحفي والكاتب العراقي جعفر الخليلي، الذي طُبع عام 1963. وقد ضم الكتاب مجموعة كان لها دور وتأثير في الرأي العام العراقي، ولا سيما الثقافي والصحفي منه.

وقد التقطت منه بعض الحكايات التي ينبغي أن ننظر إليها من زاوية أخرى، غير تلك التي أرادها كاتبها. فالوعي الحالي والتجربة علمانا قراءة جديدة للتاريخ، ينبغي أن تكون دالة على الوعي واستيعاب الدروس. كما ينبغي أن تساعدنا على فهم الحكايات والأحداث المؤثرة في الرأي العام من زاوية أكثر دقة وأبعد غوراً مما هو معروض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *