التصعيد التكتيكي المحسوب

التصعيد التكتيكي المحسوب بين إيران وإسرائيل ودور ترامب في احتواء المواجهة
يناقش المقال التصعيد التكتيكي المحسوب بين إيران وإسرائيل بعد إطلاق صواريخ إيرانية ورد إسرائيلي محدود، مع تحليل دور ترامب في احتواء الموقف، وحسابات نتنياهو الداخلية، وأولوية المفاوضات مع طهران...

التصعيد التكتيكي المحسوب بين إيران وإسرائيل

التصعيد التكتيكي المحسوب الذي شهدته الجبهة الإيرانية ـ الإسرائيلية يعكس طبيعة المرحلة الراهنة في المنطقة، حيث تتحرك الأطراف بين حافة الحرب وخيار التفاوض، وبين الرغبة في الردع والخشية من الانزلاق إلى مواجهة واسعة. فقد شهدت المنطقة، في 7 حزيران/يونيو، جولة جديدة من التصعيد، بعدما أطلقت إيران أربعة صواريخ بالستية باتجاه إسرائيل، رداً على قصف الضاحية الجنوبية في بيروت، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدن وبلدات الجنوب اللبناني.

جاء هذا التطور في ظل اتهامات لإسرائيل بانتهاك التهدئة القائمة مع لبنان، وفي وقت أعلن فيه الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام رفضهما زج لبنان في صراعات إقليمية، والتأكيد على ضرورة عدم تحويل الساحة اللبنانية إلى امتداد مباشر للمواجهة بين طهران وتل أبيب.

لبنان بين السيادة والاشتباك الإقليمي

تكشف هذه الجولة أن لبنان ما زال يقف في قلب معادلة إقليمية شديدة التعقيد. فالموقف الرسمي اللبناني حاول التأكيد على أولوية السيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية، غير أن الوقائع الميدانية أظهرت مرة أخرى صعوبة فصل الساحة اللبنانية عن الصراع الأوسع بين إيران وإسرائيل.

فالضاحية الجنوبية وجنوب لبنان لم يعودا مجرد جغرافيا داخلية، بل تحولا إلى جزء من ميزان الردع الإقليمي. وكل ضربة إسرائيلية في لبنان تفتح الباب أمام ردود محسوبة أو غير محسوبة من أطراف أخرى، وهو ما يجعل الاستقرار اللبناني هشاً أمام أي خطأ في الحسابات.

رد إيراني محدود برسالة واضحة

يمكن قراءة الرد الإيراني بوصفه رداً محدوداً ومدروساً، أراد توجيه رسالة ردع من دون الذهاب إلى حرب شاملة. فإطلاق أربعة صواريخ بالستية لا يبدو، في هذه القراءة، محاولة لتغيير موازين الحرب، بقدر ما هو إعلان بأن استهداف ساحات مرتبطة بالنفوذ الإيراني لن يمر بلا رد.

هذا النوع من التصعيد يحمل طبيعة مزدوجة: فهو من جهة يرفع مستوى التوتر، ومن جهة أخرى يبقى ضمن حدود تسمح بالاحتواء. ولذلك يمكن وصفه بأنه تصعيد تكتيكي محسوب، لا تصعيد استراتيجي مفتوح.

ترامب وخيار احتواء الموقف

في أعقاب التصعيد، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو إلى عدم الرد أو إلى ضبط الرد، بهدف احتواء الموقف والحفاظ على خيار المفاوضات مع طهران. فواشنطن، وفق هذه القراءة، لا ترغب في العودة إلى مسار الحرب المفتوحة، خصوصاً إذا كان المسار التفاوضي مع إيران قد وصل إلى مرحلة دقيقة.

يرى ترامب أن التوصل إلى تفاهم مع طهران يمكن أن يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في آن واحد، بشرط ألا تنفلت المواجهة من حدودها المحسوبة. لذلك سعت الإدارة الأمريكية إلى ضبط الإيقاع، ومنع أي رد إسرائيلي واسع قد ينسف المفاوضات ويعيد المنطقة إلى المربع الأول.

نتنياهو بين الحرب والأزمة الداخلية

في المقابل، لا يبدو بنيامين نتنياهو منسجماً بالكامل مع الرؤية الأمريكية.

فهو يسعى إلى مواصلة الضغط على إيران وأدواتها الإقليمية، ولا سيما حزب الله،

أملاً في إعادة بناء معادلة ردع إسرائيلية أكثر صرامة، وربما إعادة إشعال جبهة الحرب إلى ما قبل ترتيبات التهدئة.

لكن دوافع نتنياهو لا ترتبط بالميدان وحده. فهو يواجه أزمات داخل الائتلاف الحاكم،

وضغوطاً من المعارضة، وتراجعاً في الشعبية، فضلاً عن حسابات انتخابية داخلية مع اقتراب احتمالات الانتخابات المبكرة.

في مثل هذا السياق، يصبح الرد العسكري بالنسبة له أداة داخلية بقدر ما هو قرار أمني.

فهو يحتاج إلى الظهور بمظهر القائد القادر على الرد وعدم ترك إسرائيل تحت ضغط الصواريخ الإيرانية.

ضوء أخضر محدود للطرفين

تذهب هذه القراءة إلى أن ترامب منح، بصورة ضمنية،

مساحة محدودة لكل من إيران وإسرائيل لتوجيه ضربات محسوبة، بهدف امتصاص ردود الفعل من الجانبين.

فإيران احتاجت إلى رد يحفظ صورتها الردعية، وإسرائيل احتاجت إلى رد يحفظ صورة نتنياهو داخلياً.

لكن هذه المساحة بقيت محكومة بسقف أمريكي واضح: لا حرب شاملة،

ولا انهيار لمسار التفاوض، ولا تصعيد يفرض على واشنطن التدخل المباشر.

ومن هنا بدت الجولة وكأنها مواجهة إيرانية ـ إسرائيلية منفصلة عن واشنطن،

بينما كانت الإدارة الأمريكية، في الخلفية، تعمل على ضبط حدود الاشتباك ومنع تمدده.

لماذا لا يريد ترامب العودة إلى الحرب؟

لا يرغب ترامب في العودة إلى جادة الحرب لعدة أسباب سياسية وشخصية داخلية.

فهو يواجه استحقاقات أمريكية حساسة، من بينها مناسبات وطنية ورياضية وانتخابية،

فضلاً عن تراجع شعبيته في بعض استطلاعات الرأي،

نتيجة تداعيات الحرب على إيران وارتفاع أسعار السلع الأساسية التي تمس حياة المواطنين الأمريكيين.

كما أن أي توسع للحرب قد يرفع كلفة الطاقة، ويزيد الضغوط الاقتصادية،

ويعمق الانقسام الداخلي في الولايات المتحدة. لذلك يفضل ترامب، في هذه المرحلة،

خيار التفاوض المشروط والحصار المستمر على خيار المواجهة العسكرية المفتوحة.

فالحرب قد تمنحه صورة القوة، لكنها قد تكلفه سياسياً واقتصادياً أكثر مما يستطيع تحمله.

الوساطة الأمريكية وضبط إيقاع التصعيد

على إثر ذلك، كثفت الإدارة الأمريكية جهودها الدبلوماسية، وأوعزت إلى الوسطاء ببذل جهود مضاعفة لضبط إيقاع التصعيد،

خشية انزلاق الإقليم إلى مواجهة أوسع وانهيار المسار التفاوضي.

فالولايات المتحدة تدرك أن أي خطأ في الحسابات قد يحول التصعيد المحدود إلى حرب إقليمية.

كما تدرك أن الأطراف المحلية والإقليمية قد لا تكون جميعها قادرة على السيطرة على نتائج ردودها، خصوصاً في بيئة ممتدة من لبنان إلى الخليج.

لذلك، فإن الهدف الأمريكي لم يكن منع كل رد، بل منع الردود من تجاوز السقف المسموح به.

المفاوضات مع طهران في مرحلة دقيقة

وفق هذه القراءة، أبلغ ترامب نتنياهو أن الولايات المتحدة باتت قريبة من التوصل إلى اتفاق مع طهران،

وأن المفاوضات وصلت إلى مرحلة دقيقة لا تحتمل مغامرات عسكرية واسعة.

وفي هذا السياق، نقلت تصريحات منسوبة إلى ترامب تفيد بأنه يرى نفسه صاحب القرار النهائي في العلاقة مع نتنياهو،

وأن التصعيد الإيراني الأخير لن يغير حساباته السياسية أو مسار المفاوضات.

هذا يعني أن البيت الأبيض يفصل بين الردود التكتيكية المحدودة وبين القرار الاستراتيجي الأكبر: إما اتفاق قابل للتنفيذ مع إيران، أو استمرار الحصار والضغط، مع إبقاء الخيارات العسكرية المحدودة على الطاولة إذا تعثرت المفاوضات.

الحصار كخيار أكثر تأثيراً من الحرب

في حال تعثر الاتفاق، لا يستبعد ترامب خيارات أكثر صرامة،

من بينها عمليات عسكرية محدودة داخل إيران أو الإبقاء على الحصار المفروض عليها. لكنه، في المقابل،

يرى أن الحصار كان أكثر تأثيراً من أي ضربة عسكرية تعرضت لها إيران.

هذا التصور يكشف طبيعة المقاربة الأمريكية: الضغط الاقتصادي الطويل بدلاً من الحرب الشاملة،

والعمليات المحدودة بدلاً من الغزو، والتفاوض تحت الضغط بدلاً من التسوية المجانية.

وبذلك تصبح العقوبات والحصار أدوات مركزية في إدارة العلاقة مع إيران، حتى عندما تتراجع احتمالات الحرب المباشرة.

الهدوء النسبي بعد توقف الصواريخ

مع توقف إطلاق الصواريخ، عادت الجبهات إلى هدوء نسبي،

رغم استمرار الحكومة الإسرائيلية في التلويح بمواصلة استهداف حزب الله في الجنوب اللبناني.

لكن هذه التهديدات تبقى مرتبطة بالسقف الأمريكي.

فإذا قرر ترامب أن الأولوية هي التفاوض واحتواء التصعيد،

فإن هامش نتنياهو يصبح محدوداً، مهما حاول توسيع دائرة الاشتباك.

فإسرائيل، رغم قدرتها العسكرية، لا تستطيع تجاهل القرار الأمريكي عندما يتعلق الأمر بحرب إقليمية قد تجر واشنطن إلى مواجهة أوسع.

نتنياهو وحدود القرار المستقل

تكشف هذه الجولة أيضاً حدود القرار الإسرائيلي المستقل في لحظات التصعيد الكبرى.

فنتنياهو قد يرغب في توسيع الحرب لأسباب أمنية أو سياسية داخلية، لكنه يبقى في النهاية محكوماً بالسقف الذي ترسمه واشنطن.

وهذا لا يعني أن إسرائيل بلا قدرة على المبادرة،

بل يعني أن قرار الحرب الواسعة مع إيران أو حزب الله لا يمكن أن ينفصل عن الحساب الأمريكي.

فالولايات المتحدة هي الطرف القادر على توفير الغطاء العسكري والسياسي والاقتصادي لمثل هذه المواجهة، أو منعها عندما ترى أنها تهدد مصالحها.

التصعيد كأداة تفاوض لا كطريق إلى الحرب

النتيجة الأبرز أن التصعيد الأخير كان أقرب إلى أداة تفاوض منه إلى طريق مفتوح للحرب.

فإيران أرادت تثبيت معادلة ردع، وإسرائيل أرادت حفظ صورة القوة، وواشنطن أرادت منع الانزلاق والاستمرار في التفاوض.

لذلك، لم يكن التصعيد خارج الحسابات، بل داخلها.

كان محسوباً في حجمه، وفي مدته، وفي رسائله، وفي سقف الردود المتبادلة.

وهذا النوع من الاشتباكات يعكس مرحلة جديدة في المنطقة،

حيث لا تنتهي المواجهة، لكنها تدار بعناية كي لا تتحول إلى حرب شاملة.

خاتمة: التفاوض تحت ضغط الصواريخ والحصار

في المحصلة، ليس أمام ترامب إلا التمسك بخيار المفاوضات،

لأن الشروط الذاتية والموضوعية المحيطة به تضيق هامش المناورة.

فهو لا يريد حرباً واسعة، ولا يستطيع منح إيران اتفاقاً بلا شروط، ولا يرغب في ترك نتنياهو يدفع المنطقة نحو مواجهة مفتوحة.

وفي أقصى الحالات، سيواصل ترامب سياسة الحصار والضغط على إيران،

باعتبارها الخيار الأمثل له مقارنة بالحرب. أما التصعيد العسكري، فسيبقى غالباً في حدود الرسائل التكتيكية المحسوبة، لا في إطار حرب مفتوحة.

هكذا تبدو المنطقة أمام معادلة معقدة: صواريخ محدودة، ردود مضبوطة،

مفاوضات حساسة، وحصار مستمر. وبين هذه العناصر يتحرك التصعيد التكتيكي المحسوب، بوصفه لغة المرحلة بين طهران وتل أبيب وواشنطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *