‏لغة الميدان وتراجع العجرفة

لغة الميدان وتراجع العجرفة في تفاهم طهران وواشنطن
يناقش المقال مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن بوصفها نتيجة لموازين ميدانية جديدة، ويربطها بتراجع منطق الإملاءات، وصعود الندية، والحاجة إلى تفاهم إقليمي إيراني عربي تركي يحمي الأمن الجماعي...

لغة الميدان وتراجع العجرفة في معادلات المنطقة

لغة الميدان وتراجع العجرفة عنوانان يختصران، في قراءة هذا التحول، ما طرأ على العلاقة بين طهران وواشنطن بعد جولات التصعيد الأخيرة في المنطقة. فلم تكن الدبلوماسية يوماً ساحة لتقديم الهدايا أو الرهان على النوايا الحسنة، خصوصاً في عالم لا يعترف إلا بموازين القوة والقدرة على فرض الشروط.

ومن هذا المنظور، جاءت مذكرة التفاهم الأخيرة بين طهران وواشنطن لتصدم كل الذين راهنوا على كسر محور المقاومة أو دفع إيران إلى التراجع تحت ضغط العقوبات والتهديد العسكري. فالاتفاق، بحسب هذه القراءة، لم يكن نتاج صدفة سياسية، بل نتيجة توازنات ميدانية فرضت نفسها على طاولة التفاوض.

الدبلوماسية حين تكتبها موازين القوة

لم تعد الدبلوماسية في هذه المرحلة شبيهة بجلسات التفاوض الفوقية التي شهدتها المنطقة في مراحل سابقة. فالمعادلة الجديدة لا تقوم على الإملاء الأحادي، بل على الندية، والتحقق المتبادل، وربط الالتزامات السياسية والاقتصادية بوقائع ميدانية واضحة.

لقد سقطت، وفق هذا المنظور، السردية الأمريكية ـ الإسرائيلية التي روّجت طويلاً لإمكان إسقاط إيران أو تدمير قدراتها عبر الضغط والحصار والاغتيالات والتخريب الداخلي. فالتصعيد العسكري لم يؤدِّ إلى كسر طهران، بل كشف حدود القوة الغربية حين تواجه خصماً يمتلك أدوات ردع متعددة.

من أوهام الحسم إلى واقعية التفاوض

يقف الاستراتيجي الأمريكي اليوم أمام حقيقة واضحة: الاستمرار في التصعيد ضد إيران يعني تراكم الفشل، واستنزاف ما تبقى من الهيبة الأمريكية في المنطقة، وفتح الباب أمام مواجهات لا يمكن ضبط نتائجها بسهولة.

لقد انتهى زمن الرهان على أن العقوبات وحدها قادرة على تغيير سلوك الدول الكبرى في المنطقة. كما انتهى الرهان على أن الضغط العسكري سيمنح واشنطن قدرة غير محدودة على فرض شروطها. فالميدان قال كلمته، وأجبر السياسة على إعادة حساباتها.

ومن هنا، لم يعد الحديث عن تفاهم بين طهران وواشنطن يُقرأ بوصفه تنازلاً إيرانياً، بل بوصفه اعترافاً عملياً بأن التفاوض لا ينجح إلا عندما تتوازن الكلفة والقدرة والالتزام.

مذكرة التفاهم وتراجع منطق الإملاءات

تمثل بنود المرحلة الأولى من مذكرة التفاهم، وفق قراءة مؤيدي هذا المسار،

تراجعاً أمريكياً واضحاً عن منطق الإملاءات. إذ تضمنت التزامات تتصل بتخفيف الحصار،

وسحب جزء من التعزيزات العسكرية من جوار إيران، وتسييل الأموال المجمدة،

ومعالجة ملفات العقوبات في قطاع الطاقة والخدمات المصرفية.

كما ارتبطت التفاهمات بملف التهدئة في لبنان، والانسحاب التدريجي من جنوبه،

بما يعكس تداخل الملفات الإقليمية في أي تسوية كبرى.

فالتفاوض لم يعد محصوراً بملف واحد، بل صار جزءاً من هندسة أوسع لموازين الردع في المنطقة.

وفي المقابل، قدمت إيران التزامات مشروطة تتصل بتهيئة الملاحة في مضيق هرمز ضمن إطار يحفظ سيادتها وشروطها،

ما يعني أن طهران لم تتعامل مع التفاهم بوصفه تنازلاً مجانياً، بل بوصفه تبادلاً محسوباً للالتزامات.

المرحلة الثانية وسقف الشروط الإيرانية

أما المرحلة الثانية، فإن سقفها يبدو أعلى وأكثر تعقيداً. فقد وضعت طهران،

بحسب هذا التصور، خطوطاً حمراء واضحة: لا انتقال إلى اتفاق شامل قبل التحقق الكامل من تنفيذ واشنطن لالتزامات المرحلة الأولى.

كما يُفترض أن يشمل أي اتفاق لاحق إلغاء العقوبات بمستوياتها المختلفة،

سواء كانت أولية أو ثانوية أو سياسية أو مرتبطة بملفات حقوق الإنسان،

إلى جانب البحث في ترتيبات اقتصادية أوسع، منها تأسيس صندوق دولي لإعادة الإعمار أو التعويض.

ورغم أن قدرة واشنطن على قبول هذه الشروط تبقى موضع شك وتردد،

فإن فرض هذا المسار المتدرج يمثل بحد ذاته انتصاراً للمقاربة الإيرانية القائمة على مبدأ: التنفيذ أولاً، ثم الانتقال إلى التفاهم الأشمل.

التحقق المتبادل بدلاً من الثقة المجردة

أهم ما في هذه المعادلة الجديدة أنها لا تقوم على الثقة المجردة.

فالتجارب السابقة أثبتت أن التعهدات السياسية قد تتغير بتغير الإدارات الأمريكية،

وأن الاتفاقات التي لا تستند إلى ضمانات وآليات تحقق تبقى عرضة للانهيار.

لذلك، فإن التحقق المتبادل أصبح أساس أي تفاهم قابل للاستمرار.

لا يكفي أن تعلن واشنطن نيتها رفع العقوبات، بل يجب أن يظهر ذلك في حركة الأموال،

والتبادل التجاري، وقطاع الطاقة، والخدمات المصرفية، والسلوك العسكري في الإقليم.

وبالمثل، لا تكفي التعهدات العامة بتهدئة الممرات البحرية أو ضبط التصعيد،

بل يجب أن تُبنى على خطوات متقابلة تحفظ التوازن وتمنع عودة سياسة الابتزاز.

إيران بين المكاسب الاقتصادية والسياسية

في حسابات الربح والخسارة، ترى هذه القراءة أن إيران خرجت بمكاسب اقتصادية وسياسية وميدانية مهمة.

فهي لم تقدم تنازلات استراتيجية جوهرية، بل حافظت على عناصر قوتها،

ودفعت خصومها إلى الاعتراف الواقعي بأن كلفة التصعيد أكبر من كلفة التفاهم.

اقتصادياً، يمثل تخفيف العقوبات وتسييل الأموال المجمدة وفتح قنوات الطاقة والمصارف مكاسب مباشرة.

وسياسياً، يعني الاعتراف الأمريكي بمسار تفاوضي جديد أن سياسة العزل لم تحقق أهدافها.

أما ميدانياً، فقد أظهرت المواجهة أن الردع لم يعد أحادي الاتجاه.

وهنا تكمن الرسالة الأهم: التفاوض من موقع القوة يختلف جذرياً عن التفاوض تحت الضغط المجرد.

واشنطن وتل أبيب أمام حدود القوة

في المقابل، خرجت الولايات المتحدة وإسرائيل من هذه المواجهة من دون إنجاز استراتيجي واضح.

فلم تُكسر إيران، ولم يتفكك محور المقاومة، ولم ينجح التصعيد في فرض شروط نهائية على طهران.

لقد أظهرت الأحداث أن القوة العسكرية، مهما بلغت،

لا تكفي وحدها لإعادة تشكيل المنطقة إذا واجهت شبكات ردع ممتدة وقدرات ميدانية متراكمة.

كما أظهرت أن الحروب المحدودة قد تفتح مسارات سياسية لا تريدها القوى التي أطلقت التصعيد أساساً.

وبذلك، فإن ما كان يُراد له أن يكون لحظة ضغط على إيران،

تحول إلى لحظة مراجعة أمريكية ـ إسرائيلية لحسابات الكلفة والقدرة.

لبنان وسوريا والأردن ومصر أمام لحظة إقليمية حساسة

هذه اللحظة التاريخية ينبغي أن تفتح العيون في العواصم المجاورة.

فالمشروع الإسرائيلي، بما يحمله من أطماع وضغوط وتهديدات مستمرة تجاه سوريا ولبنان والأردن ومصر،

لا يمكن مواجهته بسياسات رمادية أو حسابات منفردة.

فالمنطقة كلها تقف أمام سؤال الأمن الجماعي.

هل تبقى كل دولة تواجه الضغوط وحدها؟ أم يجري التفكير في بنية إقليمية جديدة توازن النفوذ الخارجي وتمنع تحويل الدول العربية إلى ساحات استنزاف؟

إن ما جرى بين طهران وواشنطن ليس ملفاً إيرانياً فقط،

بل مؤشر على أن موازين القوة في الإقليم قابلة لإعادة التشكل عندما تتوافر الإرادة والقدرة وأدوات الردع.

نحو تفاهم استراتيجي إيراني عربي تركي

المخرج الأكثر واقعية لحماية المنطقة، وفق هذه الرؤية،

يتمثل في بناء تفاهم استراتيجي صلب بين إيران والدول العربية وتركيا.

تفاهم لا يقوم على الشعارات، بل على مصالح الأمن الجماعي، والتعاون الاقتصادي، وضبط الحدود، وحماية الممرات، ومنع التدخلات الخارجية.

هذا النوع من التفاهم لا يعني إلغاء الخلافات، ولا إنكار الملفات المعقدة بين دول المنطقة،

بل يعني إدارتها داخل إطار إقليمي مستقل بدلاً من تركها رهينة للإرادة الأمريكية أو الابتزاز الإسرائيلي أو التنافس الدولي.

فالمنطقة تحتاج إلى نظام إقليمي قادر على إنتاج أمنه الذاتي، وحماية اقتصاده،

وتخفيف الاعتماد على القوى الدخيلة التي كثيراً ما اقتاتت على صراعات شعوبها.

الأمن الجماعي بدل التبعية الأمنية

الأمن الجماعي لا يتحقق عبر القواعد الأجنبية وحدها، ولا عبر استدعاء الخارج عند كل أزمة.

بل يتحقق عندما تدرك دول المنطقة أن استقرارها مترابط، وأن تفكك أي دولة ينعكس على جوارها، وأن الحروب المفتوحة لا تنتج إلا مزيداً من الانهيار.

لذلك، فإن بناء منظومة إقليمية للتفاهم الاقتصادي والأمني والسياسي لم يعد ترفاً فكرياً،

بل ضرورة استراتيجية. فالعالم يتغير، ومراكز القوة تتحول، ومن لا يبني موقعه داخل هذه التحولات سيجد نفسه موضوعاً على طاولة الآخرين.

خاتمة: الكلمة للميدان والسياسة تتبع التوازنات

في المحصلة، تكشف مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، وفق هذه القراءة،

أن لغة الميدان سبقت لغة الدبلوماسية، وأن تراجع العجرفة لم يأتِ من فراغ،

بل من إدراك أمريكي بأن التصعيد المفتوح لم يعد مضمون النتائج.

لقد فرضت الوقائع معادلة جديدة عنوانها الندية، والتحقق، وتبادل الالتزامات.

وفي هذه المعادلة، لا مكان للرهان على النوايا الحسنة،

ولا على وعود غير قابلة للقياس، بل على موازين قوة واضحة وآليات تنفيذ محددة.

الكلمة للميدان، والميدان قال إن زمن الإملاءات لم يعد كما كان. أما السياسة،

فهي اليوم مطالبة بأن تقرأ هذه الحقيقة بواقعية، وأن تبني عليها نظاماً إقليمياً أكثر استقلالاً وأقل خضوعاً لمنطق الهيمنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *