مدخل شخصي إلى التجربة السياسية
قد لا يدرك كثيرون أنّ مساري السياسي لم يكن وليد الصدفة، بل نشأ من داخل التجربة العونية منذ انطلاقتها عام 1988.
فقد كنتُ أحد صقور “العونيين”، كما كنتُ من أقرب المقرّبين إلى الدائرة الضيقة في هذا الحراك، إلى أن غادرتُ التيار عام 2009.
وعلى امتداد تلك العقود، تابعتُ أدق التفاصيل في فرنسا وفي غيرها من المحطات المفصلية.
كما لمس كبار السياسيين في عقلي قدرة على تفكيك الأحجيات السياسية الكبرى التي تتحكّم بمصائر البلاد والعباد.
ولذلك، صقلت هذه التجربة صداقات وطيدة مع رجال دولة وازنين،
من بينهم دولة الرئيس الراحل عمر كرامي، وشخصيات لبنانية كانت تملك الكلمة العليا في مراحل حساسة من تاريخ لبنان.
حتى شغفي بالكتابة مرّ عبر بوابة الكبار. فقد كنتُ أغتنم الدقائق التي جمعتني بالمعلم الراحل غسان تويني،
خلال لقاءات “اللقاء الأرثوذكسي” مع دولة الرئيس اللواء عصام أبو جمرة بين عامي 1988 و1990، كي أعرض عليه مقالاتي المكتوبة بخط اليد، وأستنير برأيه وملاحظاته.
السياسة بوصفها فنّ الممكن
إنّ عقلي السياسي مبرمج على فهم قاعدة أساسية تقول إنّ السياسة هي فنّ الممكن.
وقد تعلّمت هذه القاعدة من تجارب امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً في مدرسة كبار الساسة اللبنانيين،
حيث لا تكفي الشعارات وحدها لصناعة القرار، بل تحتاج السياسة إلى قراءة دقيقة للوقائع، وإلى حساب متوازن للفرص والخسائر.
وفي هذا السياق، أستذكر حادثة من عام 1998. فقد تحدثت شخصية مسيحية،
خلال عشاء فاخر أمام المقرّبين منها، عن تولّيها منصباً وزارياً. وبعد ذلك،
أقام المحيطون بها الاحتفالات ووزّعوا الحلوى، غير أنّ التشكيلة الحكومية خرجت لاحقاً من دون اسمها.
وعندما لجأ إليّ هذا الشخص ليلاً لتدارك الإحراج أمام الصحافة،
نصحته ببساطة أن يعلن رفضه منصب “وزير دولة”، أي وزارة من دون حقيبة،
بذريعة أنّ مكانته السياسية أكبر من ذلك. وبالفعل، أنقذ هذا المخرج صورته في تلك اللحظة. ومن هنا، لا أقدّم اليوم قراءتي حول سلاح حزب الله من موقع الانفعال، بل من موقع الخبرة السياسية المتراكمة.
ورقة التفاهم وعقدة السلاح
تبدأ القصة من “ورقة التفاهم” بين التيار الوطني الحر وحزب الله. فمنذ تلك اللحظة،
شكّل السلاح العقبة الكبرى أمام القاعدة الشعبية للتيار، لأنّ هذه القاعدة رفضت دائماً أي سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية.
كان قادة التيار يدركون حجم حزب الله وقوته وحضوره، لكنهم بحثوا باستمرار عن حل لهذه المعضلة،
كي يحافظوا على التحالف من دون أن يدفعوا أثماناً باهظة من الرصيد الشعبي المسيحي.
ولذلك، حضرت مسألة السلاح في النقاشات الداخلية بوصفها نقطة حساسة لا يمكن تجاهلها.
وأذكر هنا نقاشات مطوّلة كان يقودها اللواء عصام أبو جمرة. فقد كان يدرك بحسّه الوطني أنّ البيئة المسيحية،
في نهاية المطاف، لن تستطيع التعايش مع سلاح الحزب خارج الدولة، وأنّ التيار سيدفع ضريبة هذا التحالف من تاريخه وحضوره السياسي والشعبي.
الحسابات المالية والسياسية لسلاح حزب الله
في أحد تلك النقاشات، طرحتُ فكرة تقوم على حسابات الجدوى السياسية والوطنية.
فإذا كان لدى الحزب، على سبيل المثال، 15 ألف مقاتل، وكانت تكلفة المقاتل الواحد سنوياً،
بين رواتب وطبابة وتعليم وتجهيز لوجستي، تقارب 20 ألف دولار،
فهذا يعني أنّ الحزب يحتاج إلى نحو 300 مليون دولار سنوياً للمصاريف التشغيلية فقط، من دون احتساب تكلفة التسلّح والذخائر.
وبناءً على ذلك، يستطيع الحزب، لو تخلّى عن هذا العبء العسكري وعن الخصومات السياسية الداخلية والانقسامات الدولية التي ترافقه، أن يستثمر هذا الرصيد المالي والشعبي في بناء قوة سياسية كبرى. بل يمكنه، عبر هذا التحوّل، أن يصبح أكبر كتلة نيابية وشعبية عابرة للطوائف في لبنان.
فحتى المعترضون على السلاح لا يستطيعون إنكار أنّ شعبية السيد حسن نصر الله كانت كبيرة وصادقة. وقد بلغ تأثيرها حدّاً جعل ساسة لبنانيين يحتمون بفيئه في أحلك الظروف. وليس نداء وليد جنبلاط له في تشييع جبران تويني بعيداً عن الذاكرة، حين ناشد السيد نصر الله حماية أحرار لبنان.
من القوة العسكرية إلى القوة السياسية
إنّ تحوّل حزب الله إلى قوة سياسية صرفة سيجعله الرقم الصعب والأساسي في تأليف الحكومات وانتخاب الرؤساء.
كما سيعفيه من صراعات إقليمية ودولية تُنهك كاهل لبنان، وتضع البلاد في مواجهة أعباء تفوق قدرتها.
وفي حال تعرّض لبنان لأي اعتداء، تتحمّل الدولة اللبنانية، بجيشها وشرعيتها، مسؤولية المواجهة.
وفي الوقت نفسه، تستطيع كتلة شعبية وطنية كبرى، يتقدّمها حزب الله وأنصاره،
أن تقف خلف الدولة وتدعمها. فهؤلاء الأنصار مدرّبون على القتال، وقد أثبتوا أنّهم قوة قتالية صلبة لا تُهزم بسهولة، كما سجّلوا انتصارات شهد لها العالم.
وعندها، يقدّم لبنان مشهداً وطنياً جامعاً: دولة شرعية تقود المواجهة،
وجيش وطني يتحمّل المسؤولية، وقوى شعبية واسعة تلتف حول القرار الوطني.
وهذا المشهد يعزّز مكانة لبنان أمام العالم، بدلاً من أن يبقيه ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
مواجهة الفساد كمعركة وطنية داخلية
أما داخلياً، فإنّ انصراف حزب الله إلى مواجهة الفساد، بما يمتلكه من شرعية وتأثير وحضور شعبي، يمكن أن يفتح باباً واسعاً أمام إصلاح الدولة. فلبنان لا يحتاج فقط إلى قوة تحمي حدوده، بل يحتاج أيضاً إلى قوة سياسية وشعبية تدفع باتجاه بناء مؤسسات عادلة وفاعلة.
وإذا وجّه الحزب ثقله نحو مكافحة الفساد، وتعزيز الدولة، وحماية المال العام، وترسيخ منطق القانون، فسوف يمتلك فرصة حقيقية لتحويل لبنان إلى دولة أكثر استقراراً وتقدماً. ولذلك، تبدو المعركة الداخلية ضد الفساد أكثر إلحاحاً من الاستنزاف المستمر في صراعات تتجاوز حدود لبنان وقدرته.
فلسطين والتضحيات وضرورات المرحلة الجديدة
لقد قدّم حزب الله تضحيات صادقة من أجل فلسطين. وقد تجلّت هذه التضحيات في قوافل الشهداء من الحزب، ومن الطائفة الشيعية، ومن لبنان عموماً. ولا تستطيع أي قراءة منصفة أن تتجاهل هذا البعد أو أن تنكر صدق تلك التضحيات.
لكنّ السياسة لا تتوقف عند صدق النيات وحده. فاليوم، وأمام خذلان العالمين العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية، وأمام المتغيرات الدولية الكبرى، وأمام الاختلال الهائل في موازين القوى التكنولوجية والعسكرية، بات الواقع يحتاج إلى قراءة جديدة.
إنّ أي فكرة، مهما عظمت قوتها الأخلاقية، لن تحقق غايتها النهائية إذا لم تمتلك أبعاداً سياسية واقعية تتناسب مع الزمن والمتغيرات والفرص. وقد قال الإمام علي عليه السلام: “اقتنصوا الفرص فإنها تمرّ مرّ السحاب”. ولذلك، يجب التعامل مع اللحظة الراهنة بعقل سياسي يقرأ التحولات ولا يكتفي بالشعارات.
لماذا أدعو إلى حلّ واقعي لسلاح حزب الله؟
لذلك، لا تنطلق دعوتي إلى إيجاد حل لسلاح حزب الله من لحظة عابرة أو موقف انفعالي.
بل تنبع من رؤية استراتيجية ترى أنّ قوة الحزب الحقيقية تكمن في حضوره الوطني والسياسي والشعبي، لا في استنزاف قدراته داخل صراعات أصبحت أكبر من الجغرافيا والزمن.
كما أنّ العرب، وهم أصحاب الشأن المباشر في كثير من هذه الملفات،
تخلّوا عن مسؤولياتهم في محطات كثيرة. ومن هنا، لا يجوز أن يبقى لبنان وحده ساحة مفتوحة لصراعات لا يملك وحده قرارها، ولا يستطيع وحده تحمّل نتائجها.
إنّ الحل الواقعي لسلاح حزب الله لا يعني إلغاء الحزب أو إنكار تاريخه أو تجاهل تضحياته.
على العكس، يعني هذا الحل نقل قوته من موقع الاستنزاف العسكري إلى موقع التأثير الوطني الواسع. وعندما يتحول الحزب إلى قوة سياسية كاملة داخل الدولة، يستطيع أن يحمي جمهوره، وأن يوسّع حضوره، وأن يشارك في بناء لبنان جديد، أكثر وحدة واستقراراً وقدرة على مواجهة الأخطار.


