في ظل صراع القوى في الشرق الأوسط، وبعد أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من حروب واستنزاف إقليمي،
دخل المشهد الشيعي في العراق مرحلة جديدة من التحولات المعقدة.
فالقوى التي صعدت خلال سنوات طويلة تحت عنوان المقاومة، وراكمت نفوذاً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً،
تجد نفسها اليوم أمام اختبار مختلف: كيف تنتقل من منطق السلاح والجبهة المفتوحة إلى منطق الدولة والتفاوض والعمل السياسي الكامل؟
هذا السؤال لا يتعلق بالفصائل وحدها، بل يمس جمهوراً واسعاً دفع أثماناً بشرية واجتماعية واقتصادية كبيرة،
ثم وجد نفسه في كثير من الأحيان خارج دائرة القرار حين بدأت لحظة التسويات.
من المقاومة إلى التفاوض
طوال السنوات الماضية، تشكل جزء مهم من المشهد الشيعي العراقي حول فكرة المقاومة،
سواء في مواجهة الاحتلال الأمريكي، أو في الحرب ضد داعش، أو في الارتباط بمحور إقليمي أوسع تقوده إيران.
لكن التحولات الأخيرة في المنطقة كشفت أن بقاء السلاح خارج منطق الدولة لم يعد مسألة داخلية عراقية فقط،
بل تحول إلى ملف تفاوضي دولي وإقليمي، تتداخل فيه واشنطن وطهران وتل أبيب وبغداد.
فما يُطرح ظاهرياً بوصفه نقاشاً حول حصر السلاح بيد الدولة،
قد يحمل في عمقه أسئلة أكبر:ما مستقبل القوى المسلحة؟ما حدود علاقتها بإيران؟ما موقعها في الدولة؟وما الثمن السياسي والاجتماعي لأي انتقال نحو العمل السياسي الكامل؟
نزع السلاح أم إعادة التموضع؟
لا يمكن قراءة النقاش حول نزع السلاح بوصفه إجراءً أمنياً بسيطاً.
ففي العراق، السلاح ليس مجرد أدوات قتالية، بل جزء من هوية سياسية ورمزية تشكلت خلال مراحل الحرب والتهديد الوجودي.
كما أنه يرتبط بذاكرة داعش، وفتوى الدفاع، وسقوط المدن، وشعور قطاعات من الشيعة بأن السلاح كان ضمانة للبقاء حين ضعفت الدولة.
لكن في المقابل، لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا بقي قرار الحرب والسلم موزعاً بين مؤسسات رسمية وقوى مسلحة ذات ارتباطات سياسية وإقليمية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يُنزع السلاح أم لا؟ بل: كيف يمكن تحويل القوة المسلحة إلى قوة مؤسساتية وقانونية، من دون ترك جمهورها ومقاتليها خارج المستقبل؟
الباطن السياسي للتفاهمات
في الظاهر، تدور النقاشات حول الدخول الكامل في العمل السياسي،
وتثبيت منطق الدولة، وتجاوز ازدواجية السلاح.
أما في الباطن، فهناك من يرى أن جوهر بعض التفاهمات يتمثل في محاولة دفع بعض القوى الشيعية إلى الخروج التدريجي من دائرة النفوذ الإيراني، والابتعاد عن محور المقاومة الذي كان له دور كبير في صعودها وترسيخ حضورها.
هذه القراءة لا تعني أن كل القوى تتحرك وفق إملاء خارجي،
لكنها تشير إلى أن العراق اليوم أصبح ساحة إعادة ترتيب واسعة،
تحاول فيها واشنطن تقليل نفوذ إيران، وتحاول فيها بعض القوى المحلية حماية مكاسبها السياسية،
بينما تراقب طهران المشهد وتعيد تقييم أدواتها.
توم باراك والملف العراقي
تزداد أهمية هذا النقاش مع تحرك الدبلوماسية الأمريكية في الملف العراقي،
ولا سيما عبر المبعوثين الذين يتعاملون مع العراق وسوريا وتركيا بوصفها مساحة استراتيجية مترابطة.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو ملف السلاح منفصلاً عن رؤية أمريكية أوسع لإعادة ترتيب المشرق،
>>وربط العراق بسياقات أمنية واقتصادية جديدة، وتقليل قدرة إيران على استخدام الساحات الحليفة بوصفها أوراق ضغط في مواجهة واشنطن وتل أبيب.
لكن من الخطأ التعامل مع هذه العملية بوصفها خطة أحادية ناجزة.
فالمشهد العراقي أكثر تعقيداً من أن يُدار بقرار خارجي واحد، والقوى الشيعية ليست كتلة واحدة،
وإيران نفسها قد لا تتعامل مع كل الفصائل بالطريقة ذاتها.
التطبيع كهاجس مؤجل
يذهب بعض أنصار محور المقاومة إلى أن نزع السلاح قد يكون خطوة أولى في مسار أوسع ينتهي بمحاولة دفع العراق نحو التطبيع مع إسرائيل، أو على الأقل جعله أقل اعتراضاً على ترتيبات إقليمية تخدم هذا المسار.
هذه القراءة تعكس هاجساً سياسياً حقيقياً لدى جمهور واسع، لكنها تحتاج إلى تمييز بين الاحتمال والتحقق.
فليس كل نقاش حول حصر السلاح يعني بالضرورة تطبيعاً قريباً، وليس كل تسوية داخلية تقود تلقائياً إلى تغيير موقع العراق من القضية الفلسطينية. لكن التجارب الإقليمية تجعل هذا القلق مفهوماً، خصوصاً في ظل ضغط أمريكي متزايد لإعادة تشكيل المنطقة وفق منطق المصالح والتطبيع والاحتواء.
جمهور المقاومة الغائب
في خضم هذا التداخل بين المصالح الدولية والإقليمية، يغيب الطرف الأكثر حساسية عن المشهد: جمهور المقاومة نفسه.
فهذا الجمهور الذي قدم آلاف الشهداء والجرحى، وخلّف عائلات وأيتاماً وأرامل، لا يبدو حاضراً بما يكفي في النقاشات المتعلقةبمستقبله السياسي والاجتماعي.
إن المشكلة لا تكمن فقط في مصير القيادات أو الفصائل، بل في مصير الشباب الذين ح
ملوا السلاح تحت شعارات كبيرة، ثم وجدوا أنفسهم اليوم أمام مرحلة جدي
دة لا تقدم لهم ضمانات واضحة.
فأين خطط إعادة التأهيل؟أين برامج الدمج الاقتصادي؟أين فرص العمل؟أين الرعاية المستدامة لعوائل الشهداء والجرحى؟وأين الرؤية التي تحول هؤلاء من مقاتلين سابقين إلى مواطنين فاعلين في اقتصاد ومؤسسات دولة؟
الشباب بين السلاح والفراغ
أخطر ما في التحولات الجارية أن الشباب الذين قاتلوا في ساحات متعددة قد يجدون أنفسهم خارج دائرة التأثير الفعلي.
فالانتقال من العمل المسلح إلى العمل السياسي لا يكون ناجحاً إذا اقتصر على تفاهمات بين القيادات، أو على صفقات انتخابية،
أو على إعادة توزيع المناصب.
إن أي تحول جدي يجب أن يتضمن برنامجاً وطنياً لإعادة إدماج المقاتلين، وتدريبهم، وتوفير فرص عمل لهم، وتحويل تجربتهم من عبء أمني إلى طاقة اجتماعية منتجة.
من دون ذلك، قد ينتج عن نزع السلاح فراغ اجتماعي ونفسي خطير، خصوصاً لدى فئات اعتادت أن تجد هويتها ومكانتها د
اخل التنظيم والسلاح والجبهة.
التضحيات التي لم تتحول إلى مكاسب
يزداد شعور جزء من جمهور المقاومة بأن التضحيات التي قدمها لم تُترجم إلى مكاسب حقيقية له أو لمجتمعه.
فبعد سنوات من الحرب والتعبئة والخسائر، بقيت مناطق كثيرة تعاني من ضعف الخدمات،
والبطالة، والفساد، وغياب التنمية، بينما صعدت بعض القيادات إلى السلطة والثروة والنفوذ.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: جمهور يدفع الثمن، وقيادات تفاوض؛
شباب يقاتلون، وسياسيون يراكمون النفوذ؛ عوائل تنتظر الرعاية، ونخب تتحدث باسم التضحيات دون أن تعيد إليها حقها الاجتماعي.
هذه الفجوة بين خطاب المقاومة وواقع جمهورها قد تكون أحد أخطر التحولات داخل البيئة الشيعية العراقية.
إيران وإعادة تقييم الأدوات
ليس مؤكداً أن اتفاقات نزع السلاح أو التفاهمات السياسية الجارية ستؤدي تلقائياً إلى إضعاف إيران استراتيجياً بالقدر الذي يتصوره البعض.
فهناك قراءة ترى أن طهران قد تستفيد أحياناً من التخلص من أعباء قوى استنزفت موارد المحور خلال السنوات الماضية من دون أن تحقق نتائج تتناسب مع حجم الدعم السياسي والمالي والعسكري الذي تلقته.
وقد تتجه إيران إلى إعادة تقييم أدوات نفوذها، والتمييز بين القوى الأكثر انضباطاً وفاعلية، والقوى التي تحولت إلى عبء سياسي أو اقتصادي أو أمني.
وفي هذا السياق، قد لا يكون التحول نهاية نفوذ إيران في العراق، بل بداية صيغة جديدة لهذا النفوذ: أقل عسكرية، وأكثر سياسية واقتصادية واجتماعية.
واشنطن وتفكيك منطق المحور
من جانبها، تسعى الولايات المتحدة إلى تفكيك منطق المحور لا بالضرورة عب
ر مواجهة عسكرية شاملة،
بل من خلال تقليل قدرة الساحات الحليفة لإيران على العمل كوحدة مترابطة.
فإذا خرجت بعض القوى العراقية من معادلة السلاح الإقليمي، وإذا تراجعت قدرة حزب الله
على المناورة،
وإذا انشغلت إيران بإعادة ترتيب وضعها الداخلي والإقليمي، فإن واشنطن وتل أبيب قد تعتبران ذلك مكسباً استراتيجياً.
لكن هذا الرهان ليس مضموناً، لأن تفكيك السلاح لا يعني بالضرورة تفكيك الهوية السياسية أو الذاكرة الاجتماعية أو الشعور بالمظلومية.
بل قد يؤدي، إذا أُدير بصورة خاطئة، إلى إعادة إنتاج التوتر بطرق جديدة.
الشيعة كأكثر المتأثرين
قد يكون الشيعة في العراق الطرف الأكثر تأثراً بهذه التحولات،
لأنهم يقفون عند نقطة تقاطع بين الدولة، والمذهب، والسلاح، وإيران، والولايات المتحدة، والذاكرة القتالية ضد داعش.
فبينما تنشغل القوى الدولية والإقليمية بحسابات النفوذ والمصالح،
يبقى مستقبل جمهور المقاومة معلقاً بين وعود السلطة ومتطلبات الواقع الجديد.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل ستنتج هذه التحولات دولة أكثر استقراراً وعدالة؟
أم ستعيد توزيع المكاسب بين النخب وتترك الجمهور نفسه أمام الخيبة ذاتها؟
منطق الدولة لا يكفي وحده
لا خلاف من حيث المبدأ على أن الدولة يجب أن تمتلك القرار النهائي في السلاح والحرب والسلم.
لكن منطق الدولة لا ينجح إذا طُرح بوصفه شعاراً فوقياً، أو إذا تجاهل الذاكرة الاجتماعية التي جعلت السلاح مقبولاً في لحظة تاريخية معينة.
فالمطلوب ليس فقط حصر السلاح، بل بناء دولة تستحق احتكار السلاح:
دولة تحمي مواطنيها، وتوفر لهم العدالة والخدمات والفرص، وتستوعب تضحياتهم، وتمنع عودة التهديدات التي دفعتهم إلى حمل السلاح في السابق.
إن الدولة التي تريد نزع السلاح يجب أن تقدم بديلاً سياسياً وأمنياً واجتماعياً مقنعاً.
تسوية بلا جمهور لا تصمد
أي تسوية سياسية تتجاهل جمهور المقاومة لن تكون مستقرة.
فالتحولات الكبرى لا تصنعها القيادات وحدها، ولا تحسمها السفارات وحدها، ولا تديرها التفاهمات المغلقة وحدها.
إذا كان المطلوب انتقالاً حقيقياً من منطق الفصائل إلى منطق الدولة،
فيجب أن يكون الجمهور جزءاً من المعادلة: عبر الاعتراف بتضحياته، وضمان حقوق عوائل الشهداء والجرحى،
وإعادة دمج الشباب، وتوفير مسار سياسي يتيح التعبير عن الهواجس من داخل المؤسسات لا من خارجها.
من دون ذلك، ستبقى التسوية ناقصة، وقد تتحول إلى مصدر غضب جديد.
خاتمة
المشهد الشيعي في العراق يقف اليوم أمام منعطف دقيق بين المقاومة والتفاوض، بين السلاح والدولة،
بين النفوذ الإيراني والضغط الأمريكي، وبين تضحيات الجمهور وحسابات القيادات.
ليس واضحاً بعد ما إذا كانت التفاهمات الجارية ستقود إلى استقرار حقيقي، أم إلى إعادة تموضع للنخب تحت عنوان جديد.
لكن الواضح أن جمهور المقاومة، الذي دفع أثمان الصراعات والحروب، لا يجب أن يبقى خارج دائرة القرار.
فإذا كان العراق يريد الانتقال من زمن السلاح إلى زمن الدولة، فعليه أن يفعل ذلك من دون إذلال الذاكرة،
ومن دون التخلي عن الشباب الذين خاضوا الحروب، ومن دون تحويل التضحيات إلى مجرد رصيد انتخابي أو تفاوضي.
إن حصر السلاح بيد الدولة قد يكون ضرورة لبناء الاستقرار، لكنه لن ينجح إلا إذا ترافق مع عدالة اجتماعية،
وإصلاح سياسي، وضمانات أمنية، ودمج اقتصادي، واعتراف واضح بأن الذين دفعوا الثمن يجب أن يكونوا جزءاً من صناعة المستقبل، لا ضحايا إضافيين على هامش التسويات.


