لم تعد المواجهة الأمريكية – الإيرانية مجرد أزمة عابرة أو جولة جديدة من تبادل الرسائل العسكرية، بل تحولت إلى صراع استراتيجي مفتوح يعيد رسم ملامح النظام الأمني في الشرق الأوسط. وبين التصعيد العسكري والضغوط الاقتصادية ومحاولات الوساطة، يبرز سؤالان أساسيان: إلى أين تتجه هذه الحرب؟ وما هو موقع العراق في قلب هذه المعادلة المعقدة؟ تشير التطورات الأخيرة إلى أن الصراع لم يعد يستهدف فقط إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وإنما يتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة موازين القوة الإقليمية، والحد من النفوذ الإيراني في المشرق العربي والخليج، مع الحفاظ في الوقت نفسه على منع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة يصعب التحكم بنتائجها. وفي المقابل، تسعى إيران إلى إثبات قدرتها على الصمود، وإظهار أن تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها ستكون مرتفعة، سواء عبر أدواتها العسكرية المباشرة أو عبر شبكة حلفائها الإقليميين. وتشير التطورات الأخيرة إلى وجود محاولات لاستئناف الاتصالات السياسية رغم استمرار التوترات العسكرية، بما يعكس أن الطرفين لا يزالان يتركان باب التسوية مفتوحاً وإن كان بشروط متعارضة. ورغم التصعيد، فإن المؤشرات الاستراتيجية توحي بأن واشنطن لا تبحث عن احتلال إيران أو إسقاط النظام بالقوة العسكرية التقليدية، بل تهدف إلى فرض معادلة ردع جديدة تقلص من قدرات طهران النووية والعسكرية والإقليمية، بينما تحاول إيران تحويل الحرب إلى استنزاف طويل يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية على الولايات المتحدة ويؤثر في مصالحها وحلفائها. وفي هذا السياق، يصبح العراق الدولة الأكثر حساسية في معادلة الصراع. فهو ليس طرفاً مباشراً في الحرب، لكنه يمثل إحدى أهم ساحات التأثير المتبادل بين واشنطن وطهران، بحكم موقعه الجغرافي، وتشابك علاقاته السياسية والاقتصادية والأمنية مع الطرفين. يواجه العراق تحدياً مزدوجاً؛ فمن جهة ترتبط بغداد بعلاقات أمنية مع الولايات المتحدة في إطار التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب، ومن جهة أخرى ترتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية ودينية واسعة مع إيران، فضلاً عن الحدود الطويلة والتداخل الاجتماعي والاقتصادي بين البلدين. ولذلك فإن أي انحياز واضح لأي طرف ستكون له انعكاسات مباشرة على الاستقرار الداخلي العراقي. كما أن استمرار الحرب يضع العراق أمام مجموعة من المخاطر الاستراتيجية، أبرزها احتمال تعرض أراضيه إلى عمليات عسكرية أو هجمات متبادلة، أو استخدام بعض الفصائل المسلحة العراقية في إطار المواجهة، بما قد يؤدي إلى تعقيد الوضع الأمني الداخلي وإضعاف سلطة الدولة. اقتصادياً، يمثل العراق أحد أكثر الدول تأثراً بالحرب، إذ ترتبط صادراته النفطية باستقرار الخليج العربي ومضيق هرمز، وأي اضطراب في الملاحة البحرية أو تصاعد التهديدات الأمنية ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والاستثمارات الأجنبية وخطط التنمية العراقية. وقد أظهرت التطورات الأخيرة كيف أثرت التوترات في حركة تجارة النفط والنقل البحري في المنطقة. في المقابل، تتيح الأزمة للعراق فرصة نادرة لإعادة تعريف دوره الإقليمي، من خلال تبني سياسة خارجية متوازنة تقوم على الحياد الإيجابي، وتعزيز مكانته كجسر للحوار بدلاً من أن يكون ساحة لتصفية الحسابات. فقد أثبتت التجارب السابقة أن العراق يمتلك قدرة على استضافة الحوارات الإقليمية متى ما توفرت الإرادة السياسية الداخلية والدعم الإقليمي. إن المصلحة الوطنية العراقية تقتضي اليوم بناء سياسة تقوم على أربعة مرتكزات أساسية: أولها حماية السيادة العراقية ومنع استخدام الأراضي العراقية في أي مواجهة عسكرية؛ وثانيها تنويع العلاقات الدولية بما يقلل من الاعتماد على أي محور؛ وثالثها تعزيز القدرات الدفاعية والأمنية للدولة؛ ورابعها توظيف الموقع الجغرافي للعراق ليكون مركزاً للتعاون الاقتصادي والطاقة والربط الإقليمي، بدلاً من أن يكون خط تماس بين القوى المتصارعة. وفي ضوء المؤشرات الحالية، يبدو أن الحرب الأمريكية – الإيرانية مرشحة للاستمرار بأشكال مختلفة، تتراوح بين المواجهات المحدودة، والردع المتبادل، والضغوط الاقتصادية، والمفاوضات غير المباشرة، دون أن تصل بالضرورة إلى حرب شاملة، لأن كلفتها ستكون باهظة على جميع الأطراف. ومع ذلك، فإن بقاء بؤر التوتر مفتوحة يجعل احتمال التصعيد قائماً في أي لحظة، خصوصاً إذا تعرضت المصالح الحيوية لأي من الطرفين إلى تهديد مباشر. يمكم القول أن العراق يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن ينجح في ترسيخ سياسة توازن تستند إلى المصلحة الوطنية والسيادة الكاملة، وإما أن يبقى ساحة تتقاطع فيها استراتيجيات القوى الكبرى والإقليمية. إن المرحلة المقبلة لن تختبر قوة العراق العسكرية بقدر ما ستختبر نضج قراره السياسي، وقدرته على إدارة التوازنات المعقدة في بيئة إقليمية تتغير بوتيرة غير مسبوقة…


