هرمز… معركة الردع لا معركة الجغرافيا

هرمز… معركة الردع لا معركة الجغرافيا
يرى النص أن السيطرة على جزر أو سواحل محدودة لا تنهي النفوذ الإيراني في مضيق هرمز، لأن التأثير يعتمد على قدرات الردع الصاروخية والمسيّرة وحسابات التأمين والمخاطر، لا على الجغرافيا الساحلية وحدها...

يتكرر بين الحين والآخر الحديث عن إمكانية “تحرير” مضيق هرمز من النفوذ الإيراني، عبر السيطرة على جزره أو احتلال أجزاء من الساحل الإيراني المطل على المضيق. ويُقدَّم هذا الطرح أحيانًا بوصفه حلًا عسكريًا قادرًا على إنهاء قدرة طهران على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

غير أن هذا التصور، في جوهره، يختزل الصراع في الجغرافيا، بينما تكشف طبيعة الحروب الحديثة أن السيطرة على الأرض ليست دائمًا هي العامل الحاسم.

فإيران لا تستمد قدرتها على التأثير في الملاحة من وجود زوارقها عند كل نقطة من المضيق، ولا من سيطرتها المباشرة على كل شبر من سواحله، وإنما من امتلاكها منظومة متكاملة من وسائل الردع، تشمل الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة وغيرها من القدرات العسكرية المنتشرة في عمق الأراضي الإيرانية. وهذه القدرات تمنحها، من منظور عسكري، إمكانية تهديد الملاحة حتى لو افترضنا -جدلًا- فقدانها السيطرة على بعض الجزر أو أجزاء من الساحل.

كما أن تعطيل الملاحة البحرية لا يتطلب بالضرورة إغراق السفن أو تدميرها. فالاقتصاد العالمي يقوم على حسابات المخاطر قبل أن يقوم على حركة الأساطيل. ويكفي أن تصبح منطقة ما مصنفة باعتبارها شديدة الخطورة حتى ترتفع أقساط التأمين إلى مستويات باهظة، أو تمتنع شركات التأمين عن تغطية السفن العابرة، فتتجه شركات الشحن إلى البحث عن مسارات بديلة، حتى لو بقي الممر مفتوحًا من الناحية العسكرية. وبذلك يتحقق جزء كبير من التعطيل دون الحاجة إلى إغلاق المضيق فعليًا.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما القيمة الاستراتيجية للسيطرة على جزيرة أو على جزء من الساحل إذا بقيت السفن التجارية غير قادرة على العبور بأمان؟ فالغاية من أي عملية عسكرية ليست مجرد تغيير الخرائط أو رفع الأعلام، وإنما توفير بيئة آمنة تضمن استمرار الملاحة. فإذا بقي عنصر التهديد قائمًا، فإن السيطرة الميدانية وحدها تفقد كثيرًا من قيمتها العملية.

ولهذا فإن الحديث عن “تحرير” مضيق هرمز لا يمكن اختزاله في عملية إنزال بحري أو احتلال مواقع جغرافية محدودة. فالمعادلة الحقيقية تتعلق بإزالة القدرة العسكرية التي تمنح إيران وسائل التأثير والردع، وليس بمجرد تغيير مواقع السيطرة على الأرض.

ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الرأي أن أي تحول جذري في ميزان السيطرة على مضيق هرمز يظل مرتبطًا بتغير عميق في بنية الدولة الإيرانية أو في سياساتها، بحيث تفقد مؤسساتها العسكرية القدرة أو الإرادة على استخدام أدوات الردع الحالية. أما ما دام النظام السياسي ومؤسساته العسكرية قادرين على إعادة تنظيم أنفسهم والحفاظ على منظومة الردع، فإن أي مكاسب جغرافية محدودة لن تكون كافية لتحقيق الهدف المعلن، وهو ضمان حرية الملاحة بصورة دائمة.

لقد أثبتت تجارب الحروب الحديثة أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على المجال الاستراتيجي. فالجيوش قد تحتل مدنًا أو جزرًا، لكنها قد تعجز عن إزالة مصادر التهديد الموجودة خارج نطاق الاحتلال. وهذا ما يجعل مضيق هرمز حالة مختلفة؛ إذ إن أمنه لا تحدده خرائط السيطرة الساحلية وحدها، بل تحدده أيضًا موازين القوة العسكرية، وقدرات الردع، والإرادة السياسية.

لهذا يبدو الرهان على أن السيطرة العسكرية المحدودة على بعض الجزر أو السواحل ستكون كافية لإنهاء النفوذ الإيراني في المضيق رهانًا يتجاهل طبيعة الصراع نفسه. فالقضية ليست في من يقف على الشاطئ، بل في من يملك القدرة على جعل المرور عبر المضيق آمنًا أو محفوفًا بالمخاطر. وبين الجغرافيا والردع، يبقى العامل الثاني هو الأكثر تأثيرًا في رسم مستقبل هذا الممر البحري الحيوي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *