منذ سنوات، والعراق يعيش على وقع التدخلات الخارجية التي لا تتوقف، لكن الأخطر اليوم أنّ هذه التدخلات لم تعد تأتي بالدبابة والمدفع والطائرة فقط، بل باتت ترتدي ربطة عنق، وتحمل عناوين إصلاحية وأمنية براقة، لتنفذ أخطر أنواع الانقلابات: الانقلاب الناعم.
فزيارة الجنرال ديفيد بتريوس إلى العراق لم تكن حدثاً عابراً يمكن المرور عليه مرور الكرام، خصوصاً أنّ الرجل ليس سائحاً سياسياً ولا باحثاً أكاديمياً، بل أحد أبرز مهندسي المشروع الأمريكي في المنطقة، وقائد الحرب الأمريكية في العراق سابقاً، وصاحب الخبرة الطويلة في إدارة الفوضى وإعادة تشكيل الدول بما يخدم المصالح الأمريكية.
اللافت أنّ الزيارة تزامنت مع الحديث عن استحداث “وزارة الأمن الاتحادي”، وهي فكرة تبدو في ظاهرها تنظيمية وإدارية، لكنها في العمق تحمل أبعاداً خطيرة جداً، لأنّ جمع مؤسسات أمنية متعددة — كالحشد الشعبي والشرطة الاتحادية وقوات حرس الحدود وغيرها — تحت مظلة واحدة، ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل خطوة قد تُستخدم مستقبلاً لإعادة هندسة القرار الأمني والعسكري في العراق، ووضعه تحت وصاية سياسية جديدة تُدار من خلف الستار.
هنا تكمن الخطورة.
فالانقلابات الحديثة لم تعد تحتاج إلى دبابات تحتل الشوارع، بل يكفي أن تُعاد صياغة المؤسسات، وتُستبدل العقائد، وتُفرَّغ القوى الوطنية من مضمونها تدريجياً، حتى تستيقظ الشعوب لتجد أنّ القرار السيادي قد اختُطف بالكامل دون طلقة واحدة.
إنّ ما يجري اليوم يطرح أسئلة مصيرية:
من يدفع باتجاه هذه المشاريع؟
ومن المستفيد من إعادة تشكيل المنظومة الأمنية العراقية بهذا الشكل؟
ولماذا يعود الأمريكي إلى المشهد العراقي الآن، وفي هذا التوقيت تحديداً؟
الأخطر من كل ذلك أنّ بعض القوى تتعامل مع هذه التحركات بخفة واستهتار، وكأنّ العراق لم يختبر سابقاً نتائج التدخل الأمريكي، وكأنّ الدماء التي سالت طوال سنوات الاحتلال أصبحت مجرد ذكرى سياسية.
إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في المشروع نفسه، بل في محاولة تمريره تحت عناوين براقة مثل “الإصلاح” و”تنظيم الأمن” و”بناء الدولة”، بينما الحقيقة قد تكون شيئاً آخر تماماً: إعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية بأسلوب أكثر نعومة وذكاءً.
ولهذا، فإنّ دقّ جرس الإنذار اليوم ليس ترفاً إعلامياً ولا مبالغة سياسية، بل واجب وطني وأخلاقي، لأنّ الشعوب التي تتأخر في قراءة المؤشرات، غالباً ما تدفع الثمن لاحقاً من سيادتها واستقرارها وكرامتها.
فهل بدأ الانقلاب الناعم فعلاً؟
ربما لم تكتمل فصوله بعد، لكن المؤكد أنّ دخانَه بدأ يتصاعد، ومن لا يرى النار خلفه، قد يستيقظ يوماً وقد التهمت كل شيء.


