صناعة الوهم الطائفي
صناعة الوهم الطائفي لم تكن مجرد خطأ في فهم الواقع، بل تحولت في العقود الأخيرة إلى أداة فعالة لإعادة توجيه وعي قطاعات واسعة من المجتمعات العربية والإسلامية بعيداً عن الخطر الحقيقي. فبدلاً من أن تنشغل الأمة بمواجهة الاحتلال والاستكبار والهيمنة الاقتصادية والسياسية، جرى دفعها إلى معارك داخلية تستنزف طاقتها، وتحوّل الخلاف المذهبي إلى مركز الصراع، بينما يبقى العدو الحقيقي أكثر قدرة على التمدد والسيطرة.
يقول المثل العربي: “الغنم طول عمرها تخاف من الذيب، وبعدين ياكلها الراعي”. وهذا المثل يختصر جانباً من المأساة العربية الراهنة؛ إذ ينشغل بعض الناس بخوف مصطنع من شريكهم في الدين والجغرافيا والتاريخ، ثم يكتشفون متأخرين أن الخطر الأكبر كان يأتي من مشروع خارجي يستثمر في انقسامهم، ويستخدمهم بعضهم ضد بعض.
الخوف المصطنع من الآخر المذهبي
على مدى سنوات طويلة، تم ضخ خطاب واسع يصور الشيعة بوصفهم الخطر الأول على العرب والمسلمين، وكأن الاحتلال الصهيوني، والهيمنة الأمريكية، ونهب الثروات، وتفكيك الدول، وإضعاف المجتمعات، كلها قضايا ثانوية أمام “البعبع الطائفي” المصنوع.
هذا الخطاب لم يخدم أهل السنة، ولم يخدم الشيعة،
ولم يخدم العرب، بل خدم القوى التي تريد تحويل العالم الإسلامي إلى ساحات متنازعة، كل فريق فيها يخاف من أخيه أكثر مما يخاف من خصمه الحقيقي.
فالطائفية لا تحمي أحداً. إنها تضعف الجميع،
وتمنح العدو فرصة ذهبية كي يضرب المسلمين بعضهم ببعض، ثم يظهر بمظهر الحكم أو الحامي أو الوسيط.
من المستفيد من الانقسام؟
السؤال الذي يجب طرحه بوضوح هو:من المستفيد من استمرار الخوف بين السنة والشيعة؟من المستفيد من تحويل الخلاف المذهبي إلى كراهية سياسية واجتماعية؟ومن المستفيد من أن تنشغل الأمة بصراعات داخلية بينما تُحتل أراضيها، وتُنهب ثرواتها، وتُفرض عليها التبعية الاقتصادية والعسكرية؟
الجواب واضح في كثير من محطات التاريخ الحديث. كلما اشتد الصراع المذهبي،
تراجعت قدرة الأمة على مواجهة الاحتلال.
وكلما ارتفعت لغة التخوين بين المسلمين،
اتسع هامش الحركة أمام المشروع الأمريكي والصهيوني في المنطقة.
ولهذا، فإن أخطر ما في الطائفية أنها لا تقف عند حدود الخطاب،
بل تتحول إلى سياسة، وإعلام، وتحالفات، وفتاوى، ومواقف تمزق الجسد الإسلامي من الداخل.
ضرب المسلمين بعضهم ببعض
ما نراه في عدد من ساحات العالم العربي والإسلامي يكشف أن هناك مشروعاً واضحاً يقوم على ضرب المسلمين بعضهم ببعض.
فقد دُمرت بلدان، وتفككت مجتمعات، وانهارت دول،
بينما بقي الخطاب الطائفي يوجّه الغضب نحو الداخل لا نحو القوى التي صنعت الفوضى أو استفادت منها.
غزة، وليبيا، وأفغانستان، وسوريا، واليمن، وغيرها من الساحات،
كلها تكشف أن العدو لا يميز بين دم مسلم وآخر عندما تتوفر له فرصة الهيمنة.
ومع ذلك، يصر بعض الخطاب العربي على تجاهل هذا الخطر، والتركيز فقط على إثارة الانقسامات المذهبية،
وكأن المشكلة الكبرى في الأمة هي وجود التنوع داخلها.
هذا الوعي المشوه هو أحد أهم أسباب الضعف الاستراتيجي الذي تعاني منه المنطقة.
إيران وفلسطين: قراءة مختلفة
من أكثر الأمثلة وضوحاً على فشل الخطاب الطائفي قضية فلسطين.
فالشعب الفلسطيني، وهو في غالبيته من أهل السنة،
لم يجد دعماً عسكرياً وسياسياً ثابتاً من كثير من الأنظمة العربية كما كان ينبغي،
بينما كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفق هذه القراءة،
من أبرز الداعمين للمقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح والتدريب والخبرة.
قبل صعود قدرات المقاومة، كان الحجر رمزاً لمواجهة الاحتلال.
أما بعد سنوات من الدعم والتطوير، أصبحت المقاومة الفلسطينية رقماً صعباً في المعادلات الإقليمية والدولية.
هذه الحقيقة وحدها تكفي لكسر الصورة الطائفية المصطنعة.
فلو كانت المعركة مذهبية كما يروج البعض،
لما دعمت إيران فصائل فلسطينية سنية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
البوسنة والهرسك وكسر الصورة النمطية
يمكن أيضاً التوقف عند تجربة البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي،
حيث تعرض مسلمو البوسنة، وهم من أهل السنة، لخطر الإبادة والتهجير.
وفي تلك المرحلة، يُستشهد كثيراً بالدور الإيراني في دعمهم بالسلاح والمساعدة،
كما تحدث الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش في أكثر من مناسبة عن أهمية الدعم الذي تلقته بلاده.
هذا المثال مهم لأنه يكشف أن الاصطفافات الحقيقية لا تُبنى دائماً على الانتماء المذهبي،
بل على الموقف من الظلم والاحتلال والعدوان.
فالذي يقف مع المظلوم لا ينبغي أن يُحاكم مذهبياً،
والذي يتخلى عن المظلوم لا يصبح قريباً لمجرد أنه يشترك معه في الهوية المذهبية.
هل الشيعة هم الخطر أم السد الأخير؟
وفق هذه القراءة، فإن استهداف الشيعة وقوى المقاومة لا يعني حماية العالم السني،
بل قد يعني إزالة أحد آخر السدود أمام الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
فإذا جرى إسقاط أو إضعاف القوى التي ترفض الوجود الأمريكي وتواجه الكيان الصهيوني،
فإن المنطقة كلها ستصبح أكثر انكشافاً، بما في ذلك الدول والمجتمعات السنية نفسها.
المسألة هنا ليست دفاعاً مذهبياً عن الشيعة، بل قراءة استراتيجية لميزان القوة.
فالفراغ الذي ينشأ بعد إسقاط قوى المقاومة لن تملأه السيادة العربية،
بل قد تملأه القواعد الأجنبية، والشركات العابرة للحدود، والهيمنة الأمنية، والتطبيع المفروض.
الطائفية كأداة لتدمير البوصلة
الطائفية لا تكتفي بتقسيم المجتمع، بل تدمر البوصلة السياسية.
فهي تجعل العدو القريب في الدين والتاريخ أخطر من العدو الذي يحتل الأرض،
ويقصف المدن، ويدعم الاستبداد، وينهب الثروات، ويفرض شروطه على المنطقة.
حين يصبح المسلم يخاف من المسلم أكثر مما يخاف من الاحتلال،
فهذا يعني أن الوعي تعرض لعملية تخريب عميقة.
وحين يتحول التحريض المذهبي إلى أولوية إعلامية،
بينما تمر قضايا فلسطين والسيادة والاقتصاد والكرامة مروراً عابراً، فإننا نكون أمام صناعة ممنهجة للوهم.
الأمة بين التبعية والمقاومة
الخطر الأكبر الذي يهدد المنطقة ليس تنوعها المذهبي،
بل تبعيتها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
فالدول التي لا تملك قرارها، ولا تتحكم بثرواتها، ولا تستطيع حماية أمنها،
تبقى مكشوفة مهما رفعت من شعارات.
ولذلك، فإن الصراع الحقيقي ليس بين سني وشيعي،
بل بين مشروع يريد للأمة أن تكون مستقلة وقادرة على الدفاع عن نفسها،
ومشروع يريد لها أن تبقى تابعة ومجزأة وخائفة من داخلها.
وهذه المعادلة يجب أن تكون واضحة لكل من يريد قراءة السياسة بعيداً عن الضجيج الطائفي.
وهم الانتصار على طرف من الأمة
من الأخطاء القاتلة أن يظن بعض العرب والمسلمين أن هزيمة الشيعة أو إيران أو قوى المقاومة ستكون نصراً لهم. فهذا وهم استراتيجي خطير.
أي إضعاف كبير لقوى المواجهة في المنطقة لن يجعل الشعوب العربية أكثر حرية،
ولن يمنح الدول السنية قوة أكبر، بل قد يجعلها أكثر عرضة للضغط والإملاء والتطبيع القسري والتبعية الأمنية.
فالذي يفرح بسقوط قوة تقف في وجه الاحتلال قد يكتشف لاحقاً أن الدور سيأتي عليه،
وأن من كان يحسبه خصماً مذهبياً كان في الحقيقة جزءاً من حاجز يحمي المنطقة كلها من الانكشاف الكامل.
صراع الحق والباطل لا صراع المذاهب
إذا نظرنا إلى السنن التاريخية، نجد أن المواجهات المصيرية لا تُحسم بالشعارات المذهبية،
بل بالموقف من الحق والباطل، والظلم والعدل، والاستكبار والاستقلال.
ليست القضية أن ينتصر الشيعي على السني، أو السني على الشيعي.
القضية أن تنتصر الأمة على من يريد إخضاعها وتفكيكها ونهب ثرواتها.
وإذا بقيت الأمة أسيرة الخوف المذهبي، فإنها ستخسر معاركها الكبرى قبل أن تبدأ، لأن العدو يكون قد انتصر داخل عقولها أولاً.
الحاجة إلى عقل سياسي جديد
ما تحتاجه الأمة اليوم هو عقل سياسي جديد، يميز بين الخلاف الداخلي
والخطر الوجودي، وبين الاختلاف المذهبي والمشروع الاستعماري، وبين النقد المشروع والتحريض المدمر.
يمكن للناس أن يختلفوا مذهبياً وفقهياً وفكرياً، لكن لا يجوز أن يتحول هذا الاختلاف إلى سلاح يخدم الاحتلال والهيمنة.
فالعاقل لا يُسلّم وعيه لمن يخوّفه من أخيه، بينما يمد اليد لمن يقصف أرضه ويصادر قراره.
خاتمة: كسر الوهم قبل فوات الأوان
في المحصلة، صناعة الوهم الطائفي في عقول أبناء الأمة كانت من أخطر أدوات تفكيك المنطقة.
لقد جرى تضخيم الخوف من الشيعة عند بعض البيئات،
وتجاهل الخطر الأكبر القادم من الاستكبار والاحتلال والهيمنة الرأسمالية العالمية.
لكن الحقيقة التي تكشفها التجارب أن فلسطين لم تُنصر بالطائفية، والبوسنة لم تُحمَ بالطائفية،
والسيادة لا تُصان بالطائفية، والمستقبل لا يُبنى بالخوف من الشريك المذهبي.
إن الأمة التي تريد النجاة يجب أن تكسر هذا الوهم،
وتعيد توجيه بوصلتها نحو العدو الحقيقي،
وتدرك أن تنوعها يمكن أن يكون مصدر قوة إذا تحرر من التحريض،
وأن أخطر هزيمة هي أن ينتصر العدو في عقلها قبل أن ينتصر في ميدانها.

