توظيف أمريكا للإرهاب في العلاقات الدولية الأزمة الدبلوماسية مع قطــر – تقييم حالة

توظيف أمريكا للإرهاب في العلاقات الدولية الأزمة الدبلوماسية مع قطــر - تقييم حالة
يتناول النص توظيف الولايات المتحدة لملف الإرهاب في سياستها الخارجية، خاصة خلال الأزمة الخليجية مع قطر، مبرزاً التناقض بين الخطاب والمصالح، وكيف استخدمت واشنطن اتهامات الإرهاب أداةً للضغط السياسي وتعزيز النفوذ ثم اتجهت لاحقاً نحو المصالحة...

مقدمة

قادت الولايات المتحدة الأمريكية منذ أحداث سبتمبر 2001 حربا عسكرية وأمنية على الإرهاب، وأدرجت في هذه الحرب الكثير من التنظيمات والشخصيات التي صنفتها في ” قوائم الإرهاب “. وغدت مسألة الإرهاب حجر أساس في الاستراتيجية الأمريكية وعلاقات واشنطن الخارجية لما يزيد عن ربع قرن.

كانت المنطقة العربية وغرب آسيا محور الهجمة الأمريكية، التي بدأت باحتلال أفغانستان ثم العراق، واتجهت نحو تغيير الأنظمة السياسية أو تعديل سياساتها، لكن في إطار الأجندة الأمريكية. غير أن واشنطن لم تستقر على منهجية ثابتة، بل وجدت في الحرب على الإرهاب فرصة للتدخل في شؤون الدول وانتهاك سيادتها، بل وإرهاب من يستعصم من القادة والرؤساء خاصة في الدول الهشة.

وبرزت الأزمة الدبلوماسية مع قطر في 2017، تحديا لهذه السياسة، حيث تداخلت المبادئ مع المصالح الكبرى، التي اضطرت واشنطن لمراجعة سياستها مع الدوحة، والتعامل معها بمعزل عن اتهامات الإرهاب، ومقتضيات مكافحته، ما قدم شاهدا على تقلبات السياسة الخارجية الأمريكية، وسلوكها مسارات تنطوي على تناقضات صارخة دون حرج. وهذا ما يحاول الباحث سبر أغواره من خلال هذه الورقة التحليلية.

  • الأزمة الدبلوماسية مع قطر 2017- 2020

في 5 يونيو 2017 أعلنت السعودية والإمارات والبحرين إلى جانب مصر واليمن (حكومة المنفى) وليبيا (حكومة الشرق)، عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، وفرضت السعودية والإمارات حصارا بريا وبحريا وجويا على الدوحة. واتهمت هذه الدول قطر بتمويل الجماعات الإرهابية واحتضان عدد من قادتها، وتوفير منصة إعلامية (قناة الجزيرة) لخطاب الكراهية والتطرف. وتساوقت هذه الاتهامات مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وفي إطار مؤيد من جانب الرئيس الأمريكي ترامب، الذي كان في زيارة إلى الرياض قبل ساعات من إقدام الأخيرة على هذه الخطوة المفاجئة وغير المسبوقة في العلاقات الخليجية الخليجية.

في تفسيرها لهذا الموقف قالت السعودية أنها اتخذت هذا القرار حماية لأمنها الوطني من مخاطر الإرهاب والتطرف، واستطردت في شرح الموقف متهمة الدوحة أنها تحتضن جماعات إرهابية وطائفية منها جماعة الإخوان المسلمون و” داعش” و” القاعدة“، إضافة إلى دعم نشاطات الجماعة الإرهابية المدعومة من إيران في محافظة القطيف السعودية ([1]). كذلك ذكرت وزارة الخارجية المصرية أن القاهرة قررت قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر في ظل إصرار حكومتها على اتخاذ مسلك معادي لمصر، وفشل كل المحاولات لإثناء الدوحة عن دعم التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها “الإخوان المسلمون”، وإيواء قيادات التنظيم الإخواني الصادرة بحقهم أحكام قضائية في عمليات إرهابية استهدفت أمن وسلامة مصر ([2]).

وبالنسبة للولايات المتحدة فقد نشر رئيسها ترامب في اليوم التالي لإعلان المقاطعة، بأنه قد حذر خلال زيارته الأخيرة للشرق الأوسط من تمويل الفكر المتطرف، وأن زعماء في المنطقة أشاروا إلى قطر، واستطرد: من الجيد رؤية مفعول زيارتي إلى السعودية والقمة التي جمعت 50 دولة، وقال فيها قادة الدول الإسلامية أنهم سيتخذون موقفا حاسما ضد تمويل التطرف والإرهاب ([3]).

لم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، فقد أعلنت موريتانيا قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وكذلك فعلت الأردن، بل وقامت أيضا بإغلاق مكتب قناة الجزيرة في عمَان. وفي تفسير للدوافع التي تقف خلف الأزمة الخليجية، ربط مراقبون المستجدات بالمواقف السياسية القطرية من الانتقاضات التي شهدتها بعض الدول العربية أثناء ما بات يعرف بـ ” الربيع العربي “، التي اصطدمت بالسياسات الإماراتية. وبلغ الخلاف ذروته بين الدولتين مع أحداث مصر، التي أطاحت بالرئيس المنتخب محمد مرسي، المنتمي لجماعة ” الإخوان المسلمون “، التي تحظى بدعم قطري غير محدود.

على عكس الخلاف مع الإمارات، كانت الدوحة على انسجام كبير مع الرياض خاصة في الملفين السوري واليمني، فقد نشأ توافق قطري سعودي في دعم الحراك السوري ومواجهة النفوذ الإيراني، ودعمت قطر كذلك عاصفة الحزم والتحالف العربي الذي تقوده السعودية في مواجهة ” الحوثيين “، وكان التوافق بين الدوحة والرياض أكبر من التوافق بين الرياض وأبوظبي مع الأيام الأولى للتدخل العسكري في اليمن ([4]). هذا المشترك بين السعودية والرياض، هو الذي سمح فيما بعد لانعطافة معاكسة في العلاقة بين البلدين، خاصة وأن الرياض قد تلقت درسا قاسيا هي الأخرى إثر أزمة مقتل الصحفي جمال خاشقجي بالقنصلية السعودية في إسطنبول، حيث حوصرت السعودية وحاكمها الجديد محمد بن سلمان دبلوماسيا وإعلاميا، فقد انتهز حاكم الدوحة الفرصة الذهبية، ولعبت قطر وذراعها الإعلامي- قناة الجزيرة دورا كبيرا في تدويل الأزمة، وكشف انتهاكات حكام الرياض لحقوق الإنسان، وموقفهم الحقيقي من المعارضة وحرية الرأي والتعبير، وهي نقاط حساسة في السياسة الخارجية الأمريكية منذ عقود.

وهكذا لاحت آفاق الانفراجة بين البلدين، وظهر أمير قطر في مدينة العلا السعودية، التي احتضنت القمة الخليجية41، وأعلن وزير الخارجية السعودي إن دول الخليج توصلت إلى تسوية لجميع القضايا العالقة بطريقة مرضية لجميع الأطراف ([5]).

وكان لافتا أن الوساطة الكويتية الأمريكية، التي أنجزت مهمة المصالحة الخليجية، قد استبعدت الإمارات من التفاوض المباشر. ولا غرابة في الحقيقة لأن أبوظبي كانت متخففة من الضغوط التي تعرضت لها الرياض، ولكنها سايرت بن سلمان حتى لا تخسر الرقم الأكبر في معادلة التوازنات الإقليمية.

لكن بشكل عام فقد شعرت الدول الخليجية بمخاطر استمرار الأزمة، وما نجم عنها من تحديات سياسية والخسائر التي لحقت باقتصاداتها جراء وباء “كوفيد-19″، وتراجع أسعار النفط عالميا، وهو ما انعكس في خفض الموازنات العامة، وعجز الميزانيات، وتسريح العمالة، وتحولات سوق العمل، الأمر الذي جعل خليج 2021 غير خليج 2017، وهو ما عجل بخطوات المصالحة ([6]).

  • الإرهاب في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية

منذ الحرب الباردة ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، وظفت الولايات المتحدة الأمريكية مصطلح ” الجهاد ” الإسلامي ودعمت الجماعات المسلحة في أفغانستان ووفرت لها الدعم المالي والإعلامي من خلال خطة متكاملة اشتركت فيها السعودية وباكستان ومصر، تضمنت خطابا إعلاميا في إطار “حرب الأفكار” والاستراتيجية الأمريكية في مواجهة المد الشيوعي آنذاك. وما إن انتهت مهمة المجاميع المسلحة في أفغانستان، وظهرت بوادر الخلاف مع السياسات الأمريكية، حتى انقلبت واشنطن على “الوحش” الذي صنعته بأيديها، واتهمت “تنظيم القاعدة” و”طالبان” بالإرهاب. وسرعان ما تقدمت الهواجس الأمنية على غيرها من الاعتبارات في السياسات الخارجية الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، واعتراف زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بالوقوف خلف تلك الأحداث، ومن حينها بات “المجاهدون” بالأمس ” إرهابيو ” اليوم” ([7]).

أعلنت الولايات المتحدة أن ” من ليس مع أمريكا [ في مواجهة الإرهاب ] فهو ضدها ” ([8])، وباشرت قيادة تحالف دولي للحرب على (الإرهاب)، واحتلت أفغانستان مع نهاية العام 2001، ثم استدارت نحو العراق واحتلتها في العام 2003.

مع ذلك، واجهت السياسة الأمريكية تحديات كثيرة فيما يتعلق بمواجهة الإرهاب، فحتى الآن لا يوجد تعريف عالمي موحد لماهية الإرهاب، ما سمح بازدواجية المعايير، التي ستتكشف يوما بعد آخر. إن الصيغة المرنة لمفهوم الإرهاب يسمح بضم فاعلين متنوعين تحت مظلة التهديد، ما يوفّر شرعية قانونية وسياسية للتدخل العسكري أو الاستخباراتي، وتوسيع النفوذ تحت عنوان “الأمن الدولي”، وهذا الذي سمح بتشكيل تحالف دولي في العراق وسوريا بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العام 2014. لكن على عكس أهداف التحالف الذي ما يزال عمله قائما برغم سقوط دولة ” الخلافة “، واختفاء زعيمها أبو بكر البغدادي، نجد أن الولايات المتحدة نفسها قد تراجعت عن تصنيف “جبهة النصرة ” وزعيمها أبو محمد الجولاني، واستقبلته في “البيت الأبيض” ([9])، بعد أن تمكن من السيطرة على دمشق، وغير اسمه إلى “أحمد الشرع”.

هذه التناقضات كانت حاضرة أيضا بشكل أو بآخر أثناء الأزمة الدبلوماسية مع قطر، ففي الوقت الذي صنفت فيه الإمارات والسعودية الإخوان المسلمون منظمة إرهابية، لم تفعل الولايات المتحدة ذلك إلا مع نهاية العام 2025. حينها كانت واشنطن ترى أن الضغط على قطر قد يدفع حركة حماس الفلسطينية – وهي جزء من الإخوان المسلمون- للارتماء في أحضان إيران. وحين كانت قطر متورطة في دعم تنظيمات إرهابية في سوريا، كانت السعودية إلى جانبها، وكان الأمريكي يغض الطرف عن ذلك، لأن الجميع التقوا حينها على هدف مشترك: إسقاط نظام الأسد، ومواجهة النفوذ الإيراني.

ومؤخرا قدمت الولايات المتحدة من خلال عدوانها على فنزويلا دليلا مضافا على التوظيف المخادع للإرهاب في الهيمنة على الدول والبسط على ثرواتها، وأكثر من ذلك اختطاف قادتها كما حدث مع الرئيس الفنزويلي مطلع 2026، حيث أعلن ترامب قبل ذلك بأيام تصنيف النظام الفنزويلي ” منظمة إرهابية أجنبية “، ورصدت الخزانة الأمريكية مكافأة 50 مليون دولار لمن يساعد في القبض على مادورو ([10]).

رغم ذلك، فإن استخدام الولايات المتحدة للذرائع وتوظيف الإرهاب في سياساتها الخارجية قد خلق لها أعداء كثر، ويمكن اعتبارها مساهماً في دعم الجماعات الإرهابية في أماكن أخرى من العالم، وهذا يفرض على صانعي السياسات مراجعة هذه المنهجية في توظيف الذرائع، والعمل في إطار تعاوني مع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على مكافحة الإرهاب بطرق استباقية ([11]).

  • العلاقات الأمريكية بقطر ودول الخليج العربية:

منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية انضمت السعودية ودول الخليج العربية إلى المعسكر الغربي، وانتظمت علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية على أساس الاقتصاد الرأسمالي الحر، الذي كان يتناسب مع الثروات النفطية لهذه الدول، وتحكم الشركات النفطية الأمريكية والغربية في اقتصادات بل وسياسات العواصم الخليجية.

ومن الجانب الأمريكي كان محدد النفط وتأمين تدفقه إلى المصانع الأمريكية والغربية في قلب الاستراتيجية الأمريكية وعلاقاتها بدول الخليج النفطية. وكما كانت العلاقة بإسرائيل وضمان أمنها بين محددات السياسة الخارجية الأمريكية الرئيسة، فقد التزمت دول الخليج سياسة غير متدخلة في الصراع العربي الصهيوني إلا في الحدود الشكلية، حيث كانت هذه الدول على هامش المواجهة رغم إمكاناتها المالية الكبيرة. وفيما بعد ستقود الإمارات قاطرة التطبيع مع إسرائيل ضمن ” اتفاقات إبراهام ” ([12])، ما شكل عامل ضغط على السعودية وبقية دول الخليج.

ومنذ تسعينات القرن الماضي برزت قطر دولة محورية ذات توجه خاص يميل ويدعم ” الإخوان المسلمون ” الذين التقوا بالولايات المتحدة الأمريكية في مفترق الإصلاح السياسي، وقدموا أنفسهم دعاة للديمقراطية الغربية في كثير من الدول العربية، التي شهدت انتفاضات شعبية عام 2011 تحت عنوان ” الربيع العربي “. وكان لقطر وأذرعتها السياسية والإعلامية الدور الأكبر في المتغيرات الجديدة، التي وصلت ارتداداتها إلى دول الخليج نفسها (البحرين) وإلى الجوار منها (اليمن)، ما جعل الرياض وأبوظبي على طرفي نقيض مع الدوحة، التي نجحت في توظيف الانتفاضات العربية لصالح طموحاتها، والتي صادف أنها ليست على تضاد مع السياسة الأمريكية أثناء فترة الرئيس باراك أوباما (2009-2017)، على عكس السعودية، التي شهدت علاقتها بالبيت الأبيض نوعا من التوتر، على خلفية أحداث 11 سبتمبر، والاتهام الأمريكي للرياض بدعم الإرهاب ماليا وفكريا ([13]).

وفي خضم المتغيرات التي عصفت بالعالم العربي، ظهرت دول الخليج أكثر تماسكا، بفضل الدعم الأمريكي والغربي، لكنها في ذات الوقت دخلت مرحلة من التنافس على قيادة المنظومة العربية، حيث ظهر التحالف الإماراتي السعودي في وجه النفوذ القطري، وكانت مصر ساحة الاختبار الأولى، التي أشعلت هذا التنافس. فما أن نجحت القوى المصرية في كبح جماح الإخوان المسلمون، بدعم من التحالف الخليجي الجديد، حتى دخلت هذه الدول ومصر في أزمة دبلوماسية مع قطر، وأعلنت في 2014 قطع علاقاتها مع الدوحة، قبل أن تتدخل الكويت ويتوسط أميرها وينجح في محاصرة الأزمة الناشئة ([14]).

لكن مع انتهاء فترة أوباما، فقدت الدوحة أبرز داعميها، وهو ما استغلته السعودية والإمارات، حين أقدمت على إعلان مقاطعة سياسية واقتصادية لدولة قطر في 2017، بدعم من الرئيس ترامب، الذي حاولت إدارته الاستفادة من اندفاعة السعودية ومن معها، لكن دون التفريط كليا بالعلاقات مع قطر، وما تقدمه هذه الإمارة الغنية بالنفط والغاز من فرص وامتيازات لا يمكن لأمريكا القفز عليها أو تجاهلها. وهكذا ما إن شارفت فترة ترامب على نهايتها حتى تحققت المصالحة الخليجية بعد أن استمرت نحو أريع سنوات، أي طوال فترة ولاية ترامب الأولى، ما يجعلنا نقول بثقة أن أمريكا كانت الفاعل الرئيس في هذه الأزمة.

  • قطر من دولة ترعى الإرهاب إلى حليف استراتيجي للبيت الأبيض

منذ الأيام الأولى التي أعلن فيها الرئيس ترامب تأييده للمقاطعة الخليجية العربية تجاه قطر بدعوى أنها متورطة في تمويل المنظمات الإرهابية، أرسلت الإدارة الأمريكية رسائل متناقضة مع التوجه المعلن للرئيس الأمريكي تجاه الدوحة، حيث كشف البنتاغون بعد أقل من عشرة على بدء الأزمة موافقة الجانب الأمريكي  على صفقة شراء قطر لطائرات مقاتلة من طراز إف 15 بقيمة بلغت 12 مليار دولار، في اتفاقية وقعها وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس مع نظيره القطري خالد العطية ([15])، وفي ذات الاتجاه عبَر وزير الخارجية تيرلسون بعد زيارة للدوحة أن مواقف قطر خلال الأزمة الدبلوماسية كانت ” منطقية جدا ” ([16]).

توقيت الصفقة القطرية مع الولايات المتحدة، وما تلاها من تصريحات، دفعت البعض للقول إن التخبط الأمريكي هو في الحقيقة ” نهجا ذكيا ” لانتزاع أكبر قدر من المكاسب قبل الضغط لحل الأزمة ([17]). وإذا كان هذا التقييم يصدق على التكتيك السياسي، فإن الاستراتيجية الأمريكية نفسها واجهت مأزقا مع الأزمة القطرية، ذلك أن الدوحة استضافت على أراضيها قاعدة العديد الجوية، بعد إخلاء قاعدة الأمير سلطان في السعودية، ولهذا كان الأمريكيون يخشون من فقدان أكبر قاعدة عسكرية لهم في الشرق الأوسط، في حال استمر التصعيد مع الدوحة ([18]).

فيما بعد ومع مرور سنة على الأزمة، سيدعو تيلرسون الدول الخليجية إلى الجلوس معا لمعالجة هذه الخلافات، ويعرض مساعدة بلاده على ” رأب الصدع ” ([19]). وبعد أشهر دعت واشنطن في 30 يناير 2018 الدوحة إلى حوار استراتيجي، استضافه وزيرا الخارجية والدفاع الأمريكيين، وفي الأثناء ومن باب ذر الرماد على العيون، نشر مكتب مكافحة الإرهاب تغريدة على منصة إكس- تويتر سابقا، مفادها أن ” الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وقطر يتضمن مواضيع مكافحة الإرهاب ” ([20]).

أكثر من ذلك، عبر الرئيس ترامب عن شكره لجهود أمير قطر تميم بن حمد في ” مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله “، وأثنى على دور الدوحة في استضافة مباحثات السلام الأمريكية مع ” طالبان” ([21])، وهي التنظيم المصنف في قوائم الإرهاب. وهكذا بدأ العد التنازلي لإنهاء الأزمة الخليجية- الخليجية، دون أن تقدم الدوحة تنازلات جوهرية بشأن التهم الموجهة إلى نظامها. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية كلف ترامب السفير الأمريكي في الرياض جون أبي زيد بالعمل مع دبلوماسيين آخرين على تحقيق المصالحة، التي جرى التوصل إليها في قمة العلا، على النحو المذكور آنفا.

وتكريسا للاتجاه الأمريكي الجديد، وفي خطوة تبدو تعويضية عما لحق بالدوحة من أذى جراء سياسات ترامب والحزب الجمهوري، أعلن الرئيس جو بايدن – وهو الفائز عن الحزب الديمقراطي- قطر “حليفاً رئيسيًا” من خارج حلف شمال الأطلسي NATO ([22])، وما تزال الولايات المتحدة ملتزمة بهذه السياسة رغم متغيرات الأحداث التي شهدتها المنطقة، بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وطوال حرب الإبادة على غزة (2023-2025)، وما قامت به إسرائيل من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، شكلت مثالا صارخا على “إرهاب الدولة”، الذي دعمته أمريكا بكل الوسائل، وجعل منها شريكا في الإجرام الذي تعرض له الشعب الفلسطيني وسط خذلان عالمي كبير.

نتائج وتوصيات

وجدت الولايات المتحدة نفسها في مأزق وهي تعلن الانحياز في الأزمة الخليجية مع قطر لصالح خصوم الأخيرة. ومع أن السعودية والإمارات ومصر راهنت على الدعم الأمريكي، إلا أن الموقف الأمريكي سرعان ما تغير، واتجهت واشنطن إلى التقريب بين وجهات النظر، وضغطت في الأخير باتجاه المصالحة.

وازنت أمريكا في الموقف من قطر بين مصالح كبيرة لا يمكن التفريط فيها، وبين ذرائع جرى توظيفها في تطويع الدوحة، وهذا ما جعل من عناوين الإرهاب ومكافحته، مدخلا للتلاعب، تستخدمه واشنطن بالطريقة التي تراها مناسبة لتحقيق مصالحها وتأكيد هيمنتها ونفوذها. الأمر الذي يبدد الثقة في السياسات والعلاقات الخارجية للولايات المتحدة، التي تتغير كما يتغير الطقس.

لم تقدم الدوحة تنازلات جوهرية فيما يتعلق بمسألة “الإرهاب”، ومع ذلك عاودت الدول الخليجية العلاقة السياسية معها بضغط من الولايات المتحدة، الأمر الذي انعكس على مصداقية الحرب على الإرهاب في المنطقة. وأخطر ما في الأزمة الخليجية، أن الولايات المتحدة ما تزال تستخدم الإرهاب ذريعة لتهديد الدول والتدخل في شؤونها، وما يزال الملف مفتوحا، خاصة مع المملكة العربية السعودية، على خلفية تورطها في أحداث 11 سبتمبر.

وعليه توصي الورقة الولايات المتحدة الأمريكية بتجنب الازدواجية في استخدام ملف الإرهاب وتوظيفه في العلاقات الخارجية، حتى لا يغدو الإرهاب مجرد وجهة نظر، يمكن محاربته أو مباركته، حسب المصالح. كما توصي الورقة الدول الكبرى وخاصة روسيا والصين، التصدي للسياسات الأمريكية، ورفض الاتهامات التي تصدر عنها، إذا لم تتوافر لها أدلة منطقية وموضوعية. كما توصي الورقة المجتمع الدولي بالتوافق على تعريف موحد للإرهاب، وتوحيد المواقف من الدول والأنظمة المتورطة في احتضان الإرهاب، أو دعمه وتمويله.

وبالنسبة لدول الخليج تحديدا، يوصي الباحث بمراجعة سياسات هذه الدول تجاه ملف الإرهاب، والكف عن التدخل في شؤون الدول العربية، والحذر من التبعية غير المدروسة للولايات المتحدة الأمريكية، التي أثبتت الأزمة محل الدراسة أن “محاربة الإرهاب” مجرد ذريعة توظفها أمريكا على طريقتها، وبما يخدم مصالحها، وإذا كانت قطر قد تعرضت لهزة عنيفة أثناء الأزمة مع قطر، فإن أزمة أخرى قد تتكرر مع السعودية نفسها، تحت نفس العنوان المضلل، بل وربما تشهد الرياض سيناريو مشابها لما حدث مؤخرا مع الرئيس مادورو في كاراكاس.

المصادر والمراجع

[1] – موقع بي بي سي عربي، 5 يونيو 2017

https://www.bbc.com/arabic/middleeast-40155690

[2] – المصدر نفسه

[3] – أنور الخطيب، الموقف الأمريكي من حصار قطر، العربي الجديد

https://2u.pw/QECTc

[4] – مجموعة باحثين: حصار قطر، سياقات الأزمة الخليجية وتداعياتها، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، ط1: 2017، ص 28

[5] – إحسان الفقيه: قمة العلا.. انفراج الأزمة الخليجية؟، وكالة أنباء الأناضول

https://2u.pw/mgwl2

[6] – معتز سلامة: قمة العلا 2021: هل انتهت الأزمة الخليجية مع قطر ؟، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

https://acpss.ahram.org.eg/News/17030.aspx

[7] – للمزيد، انظر، عبدالله علي صبري: الجهاد الأمريكي من كابول إلى إسطنبول، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ط1: 2023

[8] – تصريح للرئيس الأمريكي جورج بوش في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك (7-11-2001)، قال فيه إن الدول التي ليست مع” الولايات المتحدة فهي “ضدها”. وأضاف: أن أي شريك في التحالف الدولي يجب ألا يعبر عن تعاطفه فحسب بل يجب عليه أن يشارك عمليا.

http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_1642000/1642259.stm

9– ترامب يتعهد بمساندة سوريا بعد لقائه مع الشرع، وكالة رويترز 11 نوفمبر 2025

https://www.reuters.com/ar/world/LLWFJNWMMRORVL3AHA4VGFSPNI-2025-11-10/

10 – ترامب يصنف فنزويلا منظمة إرهابية ويعلن حصارها بالكامل، العربي الجديد، 17-12-2025

https://2u.pw/Yz78b

[11] – Kristian Alexander.  CO24132 | Adapting to Threats: US Counterterrorism Strategy After 9/11

https://rsis.edu.sg/rsis-publication/rsis/adapting-to-threats-us-counterterrorism-strategy-after-9-11

[12] – في السادس عشر من سبتمبر 2020، وقعت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، اتفاقين للتطبيع مع إسرائيل، في مراسم ترأسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحديقة البيت الأبيض. وبعد حفل التوقيع على الاتفاقين، أصدر البيت الأبيض ثلاثة نصوص تتضمن نص إعلان “اتفاقيات أبراهام” بين إسرائيل والإمارات والبحرين، ونص اتفاقية التطبيع الثنائية بين الإمارات وإسرائيل، ونسخة من اتفاقية البحرين مع إسرائيل.

https://2u.pw/Q2BX3

[13] – على سبيل المثال صوت مجلس النواب الأمريكي ي على مقاضاة السعودية والمطالبة بتعويضات بشأن هجمات 11 سبتمبر في 10 سبتمبر2016

https://www.indiatimes.com/news/world/amid-obama-s-veto-threat-and-saudi-protest-us-house-passes-bill-allowing-9-11-victims-to-sue-saudi-arabia-261467.html

[14] – وكالة الأنباء الكويتية

https://www.kuna.net.kw/ArticleDetails.aspx?id=2817716

[15] – موقع سي ان ان بالعربية 15 يونيو 2017

https://arabic.cnn.com/middle-east/2017/06/15/qatar-sales-purchase-us-manufactured

[16] – صحيفة القدس العربي 11 يوليو 2017

https://2u.pw/7rHdT

[17] – مواقف واشنطن من أزمة قطر..فوضى مقصودة أم حساب مصالح، موقع D W، 22-6-2017

https://2u.pw/ETu7i

[18] – فوضى الموقف الأمريكي وتداعياته المحتملة على الأزمة الخليجية، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 20 يونيو 2017

https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/The_Inconsistency_in_the_US_Position_and_its_Potential_Repercussions_for_the_Gulf_Crisis.aspx

[19] – وكالة أنباء الأناضول، 5 يونيو 2017

https://2u.pw/ACMan

[20] – سايمون هندرسون، الحوار الاستراتيجي الأول بين الولايات المتحدة وقطر، معهد واشنطن، يناير 2018

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/alhwar-alastratyjy-alawl-byn-alwlayat-almthdt-wqtr

[21] – سايمون هندرسون، واشنطن تضغط لإنهاء الشقاق مع قطر، معهد واشنطن، ديسمبر 2020

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/washntn-tdght-lanha-alshqaq-m-qtr

[22] – الميادين نت، 11 مارس 2022

https://2u.pw/SBU1p

[الورقة مقدمة في الأصل للمؤتمر الدولي المنعقد بكلية العلوم السياسية – جامعة موسكو بتاريخ 25 فبراير 2026 تحت عنوان: آفاق جيوسياسة جديدة: تطور العلاقات الدولية وعمليات التكامل في العالم المعاصر]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *