ما يحدث في سوريا اليوم لا يمكن فهمه على أنه مجرد أحداث أمنية متفرقة أو توترات عابرة، بل هو جزء من صراع أعمق على شكل الدولة ومستقبلها. سوريا خرجت من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة أخطر، وهي مرحلة إنهاك الدولة والمجتمع معًا عبر الفوضى المحدودة، والتحريض الطائفي، وضرب الثقة بين الناس، وإبقاء البلد في حالة قلق دائم.
هذه المرحلة لا تهدف إلى إسقاط الدولة بشكل مباشر، بل إلى منعها من التعافي والاستقرار، وإبقاءها ضعيفة وقابلة للضغط من الداخل والخارج. الطائفية التي نراها اليوم ليست نابعة من الشارع السوري بطبيعته، بل هي أداة سياسية تُستخدم لإشعال الخوف والانقسام، واستهداف الطائفة العلوية تحديدًا ليس لأنه صراع ديني، بل لمحاولة تحميل جماعية للمسؤولية وفتح باب ثأر طويل، وإيصال رسالة بأن لا أمان لأي مكوّن، ما يمنع أي مصالحة وطنية حقيقية.
الطائفية وسلاح التحكم السياسي
المستفيدون من هذا الواقع هم كل من لا يريد لسوريا أن تكون دولة قوية مستقرة، سواء كانوا أطرافًا خارجية تستخدم الملف السوري كورقة تفاوض، أو شبكات مصالح تعيش على الفوضى والتهريب، أو مشاريع تقسيم تريد فرض أمر واقع.
المقارنة مع سيناريو العراق حاضرة، لكن الخطر ليس في تكراره حرفيًا، بل في استنساخه بشكل أبطأ وأكثر تعقيدًا، عبر تفكيك المجتمع بدل تفكيك الدولة مباشرة.
هنا يبرز دور العراق، ليس كشاهد فقط بل كدولة عاشت تجربة الانقسام والفوضى ودفع شعبها ثمن الطائفية لسنوات طويلة، ما يمنحه اليوم مسؤولية وفرصة في آن واحد.
العراق قادر على لعب دور توازني مهم عبر دعم الاستقرار في سوريا، ورفض أي مشاريع تقسيم أو فوضى تمتد آثارها حتمًا إليه، وتعزيز التنسيق الأمني والسياسي لمنع عودة الإرهاب، إضافة إلى تشجيع الحوار الإقليمي بدل الصدام، لأن استقرار سوريا يعني تلقائيًا استقرار العراق.
سوريا بلا سيادة واضحة
المشروع الذي يُراد تمريره هو سوريا بلا قرار سيادي واضح، دولة تُدار بالأزمات لا بالمؤسسات، ومجتمع مشغول بصراعات داخلية بدل التفكير بالمستقبل، وهذا مشروع خبر العراق نتائجه المؤلمة جيدًا. ورغم كل ذلك، ما زال هناك هامش أمل، لأن الدولة السورية لم تنهَر، ولأن جزءًا كبيرًا من السوريين بات يدرك أن الطائفية لا تحمي أحدًا، وأن الفوضى لا تخدم إلا أعداء الجميع. الخروج من هذا الواقع لا يكون أمنيًا فقط، بل عبر خطاب وطني بسيط وواضح يرفض التحريض، وإصلاحات حقيقية تعيد الثقة بين المواطن والدولة، ودور إقليمي مسؤول وفي مقدمته العراق، قائم على منع تكرار المأساة لا تصديرها.
ما يجري في سوريا اليوم ليس قدرًا محتومًا، بل معركة وعي، إما أن نكسبها جميعًا، أو ندفع ثمنها جميعًا.


