في وقت يواجه فيه العراق واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات إقليمياً وداخلياً يبرز قرار استقبال أعداد كبيرة من السجناء المصنّفين وفق قانون الإرهاب بوصفه خطوة بالغة الخطورة، تفتقر إلى الواقعية وتتجاهل دروساً قاسية دفع العراقيون ثمنها سابقاً فالعراق اليوم ليس في موقع يسمح له بتحمّل مغامرات أمنية جديدة. أزمة سياسية خانقة، تأخير مستمر في تشكيل الحكومة الجديدة ووضع اقتصادي هش وحدود مفتوحة على احتمالات التصعيد وضغوط دولية متزايدة خصوصاً من الولايات المتحدة في ملفات شائكة تتعلق بالفصائل والتوازنات الإقليمية ورغم كل ذلك يُطرح ملف استقبال سجناء إرهاب وكأنه إجراء إداري عادي لا يترتب عليه مخاطر وجودية.
الحديث لا يدور عن لاجئين مدنيين أو نازحين قسراً، بل عن مدانين بجرائم إرهابية بحكم القضاء، أي عن أشخاص ثبت تورطهم في أعمال عنف ودم وتخريب.
والسؤال الذي لا يمكن القفز عليه:
هل يمتلك العراق اليوم بنية تحتية عقابية قادرة على احتجاز هذا النوع من السجناء؟
التجربة العراقية تجيب بوضوح مؤلم. فقد شهدت البلاد في السنوات الماضية اختراقات كارثية للسجون، انتهت بتهريب مئات السجناء المصنفين خطرين، بعضهم عاد مباشرة إلى ساحات القتال والإرهاب، وأسهم في إعادة إشعال العنف ودفع البلاد إلى دوامات دم جديدة. هذه الوقائع ليست تاريخاً بعيداً، بل جراحاً لم تندمل بعد.
الأخطر من ذلك أن الواقع الحالي لا يشير إلى وجود سجون شديدة التحصين بالمواصفات المطلوبة لاحتجاز إرهابيين ذوي خطورة عالية، لا من حيث البنية الهندسية، ولا التقنيات، ولا الكوادر المتخصصة، ولا حتى البيئة السياسية المستقرة التي تضمن عدم التدخل أو الاختراق. فكيف يُتخذ قرار بهذا الحجم في بلد يعاني أصلاً من ضعف الموارد، وتراجع الخدمات، واختلال المنظومة الأمنية في بعض المناطق؟
إن تحميل العراق هذا العبء في هذا التوقيت ليس قراراً شجاعاً، بل قرار متهور. فالدولة التي تعجز عن توفير الكهرباء والماء وفرص العمل لمواطنيها، كيف يُطلب منها تأمين منظومة احتجاز معقّدة ومكلفة لسجناء إرهاب؟
ولا يمكن تجاهل حقيقة أن هذا الملف يرتبط بضغوط وتفاهمات خارجية. لكن تحويل العراق إلى ساحة لتصفية ملفات دولية أو مخزن لمشاكل الآخرين، تحت أي عنوان، يمثل استهانة صريحة بأمن المجتمع العراقي وسيادته والاسوأ من القرار نفسه هو الصمت الرسمي وغياب الشفافية:
أين ستُبنى أو تُجهّز هذه السجون؟
ما هي الضمانات الفعلية لعدم تكرار سيناريوهات الهروب؟
ومن يتحمّل المسؤولية السياسية والأمنية إذا فشل هذا الرهان؟
العراق لا يحتمل خطأً أمنياً جديداً. أي اختراق قادم لن يكون حادثاً عابراً، بل قد يشعل سلسلة تداعيات لا يمكن السيطرة عليها. الأمن الوطني ليس ورقة تفاوض، ولا ثمناً يُدفع لإرضاء أطراف خارجية.
إن الإصرار على هذا القرار، في ظل كل هذه المعطيات، ليس سوى مغامرة بمستقبل بلدٍ أنهكته الحروب ويدفع اليوم ثمن أخطاء الماضي. والمغامرة بالأمن في العراق، كما أثبتت التجربة، لا يخسرها أصحاب القرار وحدهم بل شعبٌ بأكمله.


