المشاريع السياسية المستحدثة في العراق “دراسة تحليلية في صعود الشخصانية الشعبوية وتحولات النفوذ البراغماتي داخل الدولة”

المشاريع السياسية المستحدثة في العراق دراسة تحليلية في صعود الشخصانية الشعبوية وتحولات النفوذ البراغماتي داخل الدولة
يشهد العراق صعود مشاريع سياسية شعبوية وشخصانية تستثمر غضب الشباب وتراجع الأحزاب التقليدية، معتمدة على الإعلام والقرب النفسي من الشارع، لكنها تواجه تحدياً حاسماً يتمثل بقدرتها على التحول من ظواهر احتجاجية إلى قوى مؤسساتية قادرة على بناء الدولة...

المشهد السياسي العراقي لم يعد يُقرأ بالأدوات الكلاسيكية ذاتها التي حكمت مرحلة ما بعد 2003، إذ إن التحولات الاجتماعية، وصعود جيل شبابي ناقم على الأطر التقليدية، والتآكل التدريجي لهيبة الأحزاب العقائدية، كلها عوامل أسست لولادة نمط سياسي جديد يمكن توصيفه بـ المشاريع السياسية المستحدثة؛ وهي مشاريع لا تنتمي بالكامل إلى المدرسة الحزبية التقليدية، ولا تنفصل عنها جذرياً، بل تشكل امتداداً متجدداً لها بأدوات مختلفة، وشخصيات مختلفة، وخطاب مختلف، وآليات نفوذ أكثر مرونة وبراغماتية.

لقد اعتاد العراق، خلال العقدين الماضيين، على نماذج سياسية تقوم على الانتماء العقائدي الصلب، أو التمثيل الطائفي المباشر، أو النفوذ العشائري والحزبي التقليدي، غير أن السنوات الأخيرة أظهرت تحولات لافتة تمثلت ببروز مشاريع سياسية هجينة، انطلقت من فضاءات الاحتجاج والرفض الشعبي، لكنها لم تتبنَّ بالضرورة مشروعاً انقلابياً على النظام السياسي بقدر ما كانت تعارض تموضع القوى داخله وآليات احتكار النفوذ فيه. ومن هنا يمكن فهم طبيعة هذه المشاريع بوصفها حركات اعتراض على التوزيع السياسي للسلطة، لا على بنية النظام السياسي ذاته.

هذا التحول لم يكن وليد تنظير فكري عميق بقدر ما كان نتاجاً مباشراً لتحولات المزاج الاجتماعي، ولاسيما داخل البيئات الشبابية الشيعية التي بدأت تنظر بعين الريبة إلى الخطاب التقليدي، وتبحث عن نماذج سياسية أقرب إلى لغتها اليومية وهمومها النفسية والاجتماعية.

وهنا برزت ظاهرة (الشخصنة السياسية) بوصفها العمود الفقري لهذه المشاريع؛ إذ لم يعد الحزب أو الإطار العقائدي هو مركز الجذب الأساسي، بل الشخصية ذاتها بما تمتلكه من حضور إعلامي، وجرأة خطاب، وقدرة على المشاكسة، ومهارة في مخاطبة الشارع بلغته المباشرة بعيداً عن التعقيد الأيديولوجي.

إن بعض هذه المشاريع نجح في استثمار حالة الاحتقان الشعبي والرفض العام للنخب السياسية التقليدية، فقدم نفسه بوصفه انعكاساً (للشارع الحقيقي) ، مستفيداً من أدوات الإعلام الرقمي، ومن ثقافة الظهور الجماهيري، ومن بناء صورة ذهنية تقوم على القرب النفسي والاجتماعي من الفئات المهمشة والشباب الساخط وهذا ما جعلها تختلف جذرياً عن نماذج النفوذ التقليدي القائمة على الزبائنية السياسية أو الولاءات التنظيمية المغلقة.

وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة انتقال بعض الشخصيات الصاعدة من موقع الاحتجاج والمشاكسة الإعلامية إلى فضاءات النفوذ الرسمي، سواء داخل البرلمان أو المؤسسات التنفيذية أو شبكات التأثير الحكومي. ولم يكن هذا الانتقال معزولاً عن تحالفات عميقة ومعقدة مع قوى تقليدية نافذة أدركت مبكراً أهمية احتواء هذه الظواهر الجديدة بدلاً من التصادم المباشر معها.

ومن هنا تشكل نمط سياسي جديد قائم على “الشعبوية المحمية” ، أي الشعبوية التي تتحرك ضمن مظلات تقليدية توفر لها الغطاء السياسي والأمني والمالي اللازم للاستمرار

فالواقع العراقي لا يسمح غالباً بولادة نفوذ مستقل بالكامل خارج التوازنات الكبرى، ولذلك فإن كثيراً من هذه المشاريع، مهما رفعت من شعارات التمرد أو الاستقلالية، انتهت إلى بناء تفاهمات براغماتية مع قوى نافذة داخل الدولة أو خارجها وهذه التفاهمات لم تكن بالضرورة أيديولوجية، بل مصلحية تقوم على تبادل المنافع، وإعادة توزيع النفوذ، وضمان البقاء داخل المعادلة السياسية.

ومن أخطر ما أنتجته هذه التحولات هو نشوء تنظيمات موازية للأطر النقابية والمؤسساتية التقليدية، ولاسيما داخل الشرائح الوظيفية الحساسة مثل قطاع النفط، إذ ظهرت لجان ومسارات تنظيمية وشبكات تعبئة مرتبطة بالشخصية السياسية أكثر من ارتباطها بالمؤسسة القانونية أو النقابية. وبمرور الوقت، تحولت هذه التشكيلات إلى أدوات نفوذ اجتماعي وانتخابي قادرة على الحشد والتأثير والتفاوض، بل وعلى فرض حضورها داخل القرار السياسي والإداري.

إن الفرق الجوهري بين هذه المشاريع وبين القوى التقليدية يكمن في طبيعة العلاقة مع الجمهور فالقوى التقليدية غالباً ما اعتمدت على الزبائنية السياسية المباشرة، عبر الوظائف والتعيينات والمنافع الاقتصادية وشبكات الرعاية، في حين أن المشاريع الشعبوية الجديدة سعت إلى بناء (علاقة تمثيل نفسي) مع الجمهور، تقوم على الإيحاء بأنها جزء من المزاج الشعبي نفسه، وأن صعودها يمثل صعوداً رمزياً للفئات المهمشة إلى قلب السلطة. ولذلك كان تأثيرها على الشباب أكثر عمقاً من تأثير أدوات الاستقطاب التقليدية.

غير أن هذا الصعود السريع يطرح في المقابل إشكالية شديدة الخطورة تتعلق بمدى نضج هذه المشاريع وقدرتها على التحول من ظواهر احتجاجية أو شعبوية إلى قوى دولة حقيقية. فالكثير من هذه الحركات لا تزال محكومة بعقلية الاندفاع والمشاكسة أكثر من كونها تمتلك رؤية مؤسساتية متماسكة لإدارة الدولة وتعقيداتها الداخلية والإقليمية. كما أن تضخم الدور الشخصاني داخلها يجعلها عرضة للتفكك أو التصادم بمجرد اهتزاز صورة الزعيم أو تغير التوازنات السياسية المحيطة به ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تعكس انتقالاً تدريجياً في طبيعة العمل السياسي الشيعي في العراق؛ من الأيديولوجيا العقائدية الصلبة إلى الشعبوية البراغماتية المرنة، ومن التنظيم الحزبي التقليدي إلى شبكات النفوذ الاجتماعي والإعلامي، ومن الخطاب التعبوي القديم إلى خطاب التمظهر الشعبي والقرب النفسي من الشارع.

وعليه، فإن العراق يقف اليوم أمام لحظة سياسية جديدة لا يمكن فهمها بالتحليلات التقليدية وحدها، لأن ما يتشكل ليس مجرد أحزاب جديدة، بل أنماط جديدة لإنتاج النفوذ والشرعية والتمثيل الاجتماعي. وهي أنماط قد تنجح في إعادة تشكيل التوازن السياسي إذا استطاعت الانتقال من إدارة المزاج الشعبي إلى بناء مشروع دولة، وقد تتحول في المقابل إلى ظواهر صدامية مضطربة إذا بقيت أسيرة الشخصنة والتحالفات المصلحية والاندفاع غير المحسوب.

إن مستقبل هذه المشاريع لن يتحدد بقدرتها على إثارة الشارع أو كسب التعاطف الجماهيري فحسب، بل بقدرتها على تجاوز منطق “الزعامة اللحظية” نحو بناء مؤسسات مستقرة قادرة على إنتاج الدولة لا مجرد إعادة تدوير النفوذ داخلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *