بعد أشهر طويلة من المخاض والانسداد، عبرت العملية السياسية في العراق محطة الاستحقاقات الدستورية بانتخاب آميدي رئيساً للجمهورية، ومنح الثقة لحكومة الزيدي وكابينته الوزارية. ومع ذلك، فإن إتمام هذه الصيغة في الغرف المغلقة لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة؛ بل إن الحكومة الجديدة ورثت تركة ثقيلة من الأزمات الهيكلية التي تضع البلاد على حافة اضطرابات مستمرة.
السرعة النسبية التي تشكلت بها حكومة الزيدي جاءت نتاج تسويات براغماتية وتقاسم للمنافع بين الكتل المتنفذة وليس بناءً على برامج إصلاحية حقيقية. تواجه هذه الحكومة منذ أيامها الأولى أزمة ثقة حادة مع الشارع، واهتزازاً في التماسك الداخلي نتيجة الصراع المكتوم على الوزارات الخدمية والسيادية.
لا يمكن اختزال أزمة ارتفاع سعر الدولار في العراق بقرارات البنك المركزي أو تقلبات السياسة النقدية فحسب؛ لأن ما يعيشه السوق العراقي اليوم يتجاوز كونه أزمة مالية تقليدية، ليتحول إلى حالة “دولرة اجتماعية” تضرب بنية الاقتصاد والثقة بالعملة الوطنية في آنٍ واحد.
فالعراق، ورغم أن رواتب موظفيه، وموازنته العامة، وإنفاقه الحكومي تُدار جميعها بالدينار العراقي، يعيش تناقضاً اقتصادياً صارخاً؛ إذ باتت غالبية التعاملات الكبرى داخل السوق تُقوَّم بالدولار، لا سيما في قطاعات العقارات والتجارة والادخار. وهنا تظهر المفارقة الأكثر خطورة: المواطن يستلم دخله بالدينار، لكنه يفكر بالدولار حين يريد شراء منزل، أو استئجار عقار، أو حتى حماية مدخراته من المستقبل المجهول.
هذه الظاهرة لم تنشأ من فراغ، بل تشكلت عبر سنوات طويلة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، مما دفع المجتمع تدريجياً إلى البحث عن “عملة ثقة” بديلة عن العملة الوطنية. وفي هذا السياق، لعب سوق العقارات دوراً محورياً في تكريس ثقافة الدولرة الداخلية، بعدما تحولت أسعار المنازل والأراضي والإيجارات في كثير من المناطق إلى الدولار بشكل شبه كامل، حتى داخل الأحياء الشعبية.
العقار في العراق لم يعد مجرد أصل استثماري، بل أصبح وسيلة للتحوط ضد القلق السياسي والتضخم وتقلبات السوق. ولهذا يفضّل الكثير من المستثمرين وأصحاب المكاتب العقارية التعامل بالدولار، ليس لتحقيق الأرباح فحسب، بل أيضاً بدافع الخوف من أي انخفاض محتمل في قيمة الدينار مستقبلاً. ومع مرور الوقت، تحوّل الدولار من عملة أجنبية إلى “معيار نفسي للقيمة”، وأصبح امتلاكه يُنظر إليه كرمز للاستقرار والقدرة المالية.
لكن المشكلة الأعمق لا تكمن في الدولار نفسه، بل في تآكل الثقة المجتمعية بالدينار العراقي. فعندما يبدأ المواطن بالنظر إلى عملته الوطنية باعتبارها أقل قيمة أو أقل أماناً، فإنه يساهم -بشكل مباشر أو غير مباشر- في خلق طلب إضافي على الدولار، حتى دون وجود حاجة تجارية أو استيرادية حقيقية. وهنا تدخل السوق في دائرة مفرغة: فارتفاع الطلب يولّد ارتفاعاً في السعر، وارتفاع السعر يعزز الخوف، والخوف يدفع الناس إلى مزيد من الاكتناز والتحويل نحو الدولار. والأخطر من ذلك أن هذه الثقافة بدأت تمسّ “هيبة العملة الوطنية” نفسها.
الاستيراد والمنصة الإلكترونية: خانق مالي وتجارة متعثرة
يواجه قطاع التجارة والاستيراد العراقي حالة من الشلل الجزئي والإرباك المستمر. فرغم حديث الجهات الرسمية عن “ضبط المنافذ الحدودية ومكافحة التهريب”، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أزمة حقيقية يواجهها التجار مع آليات التمويل المفروضة عبر المنصة الإلكترونية للبنك المركزي.
تسببت إجراءات التدقيق المشددة وصعوبة الحصول على الدولار بالسعر الرسمي في لجوء الكثير من التجار إلى السوق الموازية، مما حافظ على فجوة أسعار الصرف وساهم في رفع تكاليف البضائع الأساسية على المواطن البسيط. الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد من دول الجوار وخصوصاً تركيا التي تتدفق بضائعها بمليارات الدولارات سنوياً يجعل أمن العراق التجاري رهناً بمدى توفر العملة الصعبة، ويؤكد فشل السياسات المتعاقبة في بناء أي قاعدة إنتاجية محلية تحمي الأسواق من التضخم المستورد.
قنبلة الموازنة الموقوتة: النزعة الاستهلاكية والريع النفطي
يبقى التحدي الأكثر خطورة أمام وزارة التخطيط والحكومة الجديدة هو معضلة الموازنة العامة وجداولها المالية. فالبلاد ما زالت ترهن مستقبلها بالكامل لتقلبات أسواق النفط العالمية، وتبني خططها على فرضيات سعرية حذرة (60 – 70 دولاراً للبرميل) لمجرد تأمين النفقات الحتمية.
المشكلة الجوهرية التي لم تجرؤ أي حكومة على مواجهتها هي تضخم النفقات التشغيلية (الرواتب والأجور للقطاع العام المترهل)، والتي تلتهم ما يقارب 75% من إيرادات الدولة. هذا الواقع المرير يعني بوضوح غياب أي موازنة استثمارية حقيقية، وتجميد مشاريع البنى التحتية، وإهمال القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة.
وبسبب غياب بيئة استثمارية آمنة للقطاع الخاص، تزداد معدلات البطالة بين الشباب، مما يجعل الاقتصاد العراقي ريعياً بامتياز، وعاجزاً عن الصمود أمام أي هزة قادمة في أسعار النفط العالمية.


