في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في الخليج العربي، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة – ماذا لو أُغلق مضيق هرمز ؟
وبالنسبة للعراق، لا يبدو السؤال نظريًا أبدًا، لأن معظم صادراته النفطية تمر عبر الجنوب، أي عبر منطقة ترتبط مباشرة بحركة الملاحة في الخليج. وهذا يعني أن أي أزمة عسكرية أو سياسية يمكن أن تتحول خلال أيام إلى أزمة مالية داخل بغداد، لأن النفط ليس مجرد قطاع اقتصادي في العراق، بل العمود الذي تقف عليه الدولة كلها .
لكن المشكلة الحقيقية ليست في مضيق هرمز نفسه، بل في الطريقة التي بنى بها العراق اقتصاده طوال العقود الماضية . فالدولة تعاملت مع النفط باعتباره مورداً يُضخ ويُباع، لا باعتباره جزءاً من مشروع جغرافي واقتصادي أكبر. ولهذا أصبح العراق مرتبطًا عملياً بمنفذ واحد، وكأن دولة بحجمه وموقعه لا تملك أي خيارات أخرى .
المفارقة أن العراق ليس بلداً معزولًا جغرافياً حتى يقع في هذا المأزق . فهو يقع في قلب المنطقة تقريباً، ويملك حدودًا تربطه بتركيا وسوريا والأردن والسعودية وإيران والكويت، إضافة إلى إطلالته البحرية جنوباً . أي أنه يمتلك فرصة نادرة ليكون مركزاً لطرق الطاقة والتجارة بين الخليج والبحر المتوسط وأوروبا . ومع ذلك، بقي التفكير الرسمي محصوراً بفكرة واحدة – كيف نزيد تصدير النفط ؟ بدل سؤال أكثر أهمية: كيف نجعل العراق مركزاً تتحرك عبره الطاقة عالمياً ؟
ولهذا فإن الحديث عن بدائل لمضيق هرمز يجب ألا يقتصر على إنشاء أنبوب جديد هنا أو خط تصدير هناك، لأن هذه الحلول تبقى مؤقتة إذا لم تتغير الفكرة الأساسية . العراق لا يحتاج فقط إلى “بديل” عن هرمز، بل يحتاج إلى التحول من دولة تعتمد على منفذ واحد إلى دولة تملك شبكة منافذ ومسارات متعددة تجعل أي أزمة إقليمية قابلة للاحتواء .
أحد أهم هذه المسارات هو الاتجاه نحو تركيا والبحر المتوسط عبر خط كركوك – جيهان . هذا الخط يُطرح عادة كحل طارئ عند الأزمات، لكنه في الحقيقة يمكن أن يكون جزءًا من مشروع اقتصادي دائم يربط نفط العراق بالأسواق الأوروبية مباشرة. والأهم من ذلك أن المسألة لا تتعلق فقط بضخ النفط الخام، بل بإقامة صناعات مرتبطة به على طول الطريق، مثل المصافي والمجمعات البتروكيمياوية ومراكز الخزن الاستراتيجي . فكلما ارتفعت قيمة المنتج قبل تصديره، أصبح العراق أقل هشاشة أمام الأزمات .
وفي الاتجاه الآخر، يبرز مشروع خط العقبة عبر الأردن. ورغم أن الحديث عنه مستمر منذ سنوات، إلا أنه غالبًا ما يُقدَّم بوصفه مجرد أنبوب إضافي . بينما يمكن لهذا المشروع أن يتحول إلى بوابة عراقية نحو البحر الأحمر، وإلى منطقة اقتصادية مشتركة تضم صناعات تكرير وخزن ونقل وطاقة . وبهذا يصبح العراق حاضرًا في أكثر من منفذ بحري، بدل أن يبقى أسير الخليج فقط .
أما غرب العراق، الذي ظل لسنوات يُنظر إليه باعتباره فراغًا صحراوياً، فيمكن أن يتحول إلى شريان اقتصادي ضخم إذا أُعيد ربطه بسوريا والبحر المتوسط. فخطوط النفط والغاز والكهرباء والسكك الحديدية يمكن أن تجعل هذه المناطق جزءًا من شبكة تجارة إقليمية واسعة. وحتى لو بدت الفكرة صعبة سياسيًا اليوم، فإن الجغرافيا غالبًا ما تفرض نفسها في النهاية، لأن الدول تبحث دائمًا عن الطرق الأقصر والأقل تكلفة .
لكن المشروع الأكثر أهمية ربما لا يتعلق بالنفط وحده، بل بما يُعرف بالقناة الجافة العراقية. فالعراق قادر، بحكم موقعه، على أن يصبح ممرًا عالميًا للبضائع والطاقة بين الخليج وتركيا وأوروبا . وإذا نجح هذا المشروع، فإن قيمة العراق لن تكون فقط فيما يملكه تحت الأرض، بل فيما يمر عبر أرضه أيضاً .
وهنا يتحول البلد من مجرد مصدر نفطي إلى عقدة اقتصادية تربط الشرق بالغرب .
المشكلة أن العراق ما زال يفكر بعقلية الدولة الريعية التقليدية؛ أي دولة تبيع المواد الخام ثم تنتظر العائدات. بينما العالم يتغير بسرعة نحو نماذج أكثر تعقيدًا تقوم على الصناعات التحويلية والطاقة المتنوعة وسلاسل النقل الذكية. ولهذا فإن استمرار الاعتماد على تصدير النفط الخام وحده يعني أن أي أزمة جيوسياسية ستبقى تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي .
وربما لهذا السبب يجب أن يبدأ العراق بالتفكير بطريقة مختلفة تمامًا: ليس كيف يبيع النفط فقط، بل كيف يبيع الطاقة بأشكال متعددة. فالدول التي تصدر الكهرباء والبتروكيمياويات والأسمدة والمنتجات الصناعية تكون أقل تعرضًا للابتزاز الجغرافي من الدول التي تعتمد على شحن الخام عبر ممرات بحرية حساسة .
إن الخطر الحقيقي على العراق ليس إغلاق مضيق هرمز، بل استمرار الاعتماد عليه بوصفه الخيار الوحيد. لأن الدول القوية لا تبني اقتصادها على طريق واحد، ولا على مورد واحد، ولا على منفذ واحد . والعراق، بحكم موقعه الجغرافي، يملك فرصة تاريخية ليكون أكثر من مجرد دولة نفطية؛ يمكنه أن يتحول إلى مركز إقليمي للطاقة والتجارة والنقل .
لكن ذلك يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير قبل أي شيء آخر . فالمسألة لم تعد مجرد أنابيب وموانئ، بل رؤية كاملة لمكانة العراق في المنطقة والعالم .


