تفكيك التيه: مكاشفة وطنية بحقيقة منظومة التخادم وإدارة الوهم في العراق

تفكيك التيه مكاشفة وطنية بحقيقة منظومة التخادم وإدارة الوهم في العراق
تكشف الوثيقة بنية التخادم السياسي في العراق، وتدين المحاصصة والفساد وتضليل الوعي العام، مؤكدة أن الإنقاذ لا يتحقق عبر شعارات السلطة أو أوهام المعارضة، بل بحراك وطني مستقل يبني دولة المؤسسات والسيادة والكرامة....

مقدمة الوثيقة

​من منطلق المسؤولية التاريخية والأمانة الوطنية التي تحتمها علينا الالتزامات الوجودية تجاه شعبنا العراقي الصابر، وفي ظل مشهد سياسي غارق في الأوهام والمصطلحات البراقة التي تُصاغ خلف الغرف المظلمة لتمرير صفقات التخادم وتقاسم المغانم، تتقدم رئاسة اتحاد القبائل العراقية وتجمع أهل العراق بهذه المكاشفة السياسية والفكرية الشاملة. إن هذه الوثيقة لا تأتي من باب التنظير العقيم، بل هي قراءة نابعة من عين الشارع العراقي، ونبض فئاته التي عانت عقوداً من التجهيل المتعمد، وسرقة المقدرات، وإجهاض الآمال. إننا نسعى من خلال هذا الطرح إلى إبراء الذمة أمام المجتمع والوعي الجمعي، واضعين الحقائق المطلقة كما هي، دون تجميل أو مجاملة، مستندين إلى الصدق كسبيل وحيد لإنقاذ الوطن، وتفكيك السرطان السياسي الذي ينهب مقدرات الدولة باسم “الواقع المفروض”.

​معضلة المصطلحات الفضفاضة وعقدة الفجوة الهيكلية

​لطالما شهدت الأوساط السياسية والإعلامية إطلاق مصطلحات تنظيرية وفلسفية من قِبل الإدارات الحكومية المتعاقبة، ولعل أبرز ما يُتداول في هذا الصدد هو الجدال الدائر حول أيهما يقود الآخر: هل السياسة تدير الاقتصاد أم الاقتصاد يدير السياسة؟ إن التشخيص الحقيقي للواقع العراقي يثبت أن الأزمة لم تكن يوماً في عقم المناهج أو غياب العناوين البراقة؛ فالخطابات الرسمية والبرامج الوزارية لطالما زخرت بمفاهيم التنمية المستدامة والإصلاح المؤسساتي.

​لكن العيب الجوهري يكمن في البنية الهيكلية التي أُقيمت عليها العملية السياسية بعد عام ألفين وثلاثة؛ إذ بُنيت هذه المنظومة على ركائز المحاصصة والتحاصص الحزبي، حيث أوجدت الأحزاب السياسية الحكومات لتكون وسيلةً لخدمة مصالحها الفئوية الضيقة لا غايةً لبناء الدولة. وفي هذا النموذج المشوه، تتحول الوزارات والمؤسسات الخدمية والاقتصادية إلى حصص ومغانم، وتصبح بمثابة “المدرار المالي” للمكاتب الاقتصادية التابعة لتلك الأحزاب، مما يجعل القرار الاقتصادي رهيناً للتوافقات والتخادمات السياسية. وبناءً على ذلك، تصبح تلك المصطلحات—مهما كانت عميقة في فلسفتها النظرية—مجرد صدى أجوف وغطاء شرعي لتمرير صفقات الفساد وتخفيف الضغط الشعبي، مستحيلة التطبيق في بيئة تفتقر إلى الإرادة السياسية الصادقة والمؤسسات المستقلة المحمية من تغول السلاح والمال السياسي.

​هندسة الدوائر المتلاشية وآلية غسيل الذاكرة الجمعية

​تسير إدارة المشهد العام في العراق وفق سلسلة متماسكة ومدروسة من الدوائر السياسية المغلقة التي تكتسب كل دائرة منها تسمية خاصة وشعاراً رناناً يُراد له أن يظهر لعام أو عامين ثم يختفي لتبدأ الدورة من جديد. لقد استمع العراقيون على مدى عقدين من الزمن إلى تسميات متعددة؛ من “حكومة الشراكة الوطنية” إلى “الجلسات الدائرية وحكومة الدائرة المستديرة”، وتارة “حكومة التكنوقراط والخدمة”، وصولاً إلى التسميات الحديثة كـ “حكومة التنمية والبناء” أو “الحكومة الاقتصادية” التي يُدّعى أنها جاءت لبناء الاقتصاد العراقي.

​إن هذه التسميات تمثل عملية غسيل ممنهج للذاكرة الجمعية، حيث تمنح الماكنة الإعلامية والسياسية الشعار المبتكر صلاحية زمنية مؤقتة يتم خلالها إشغال الشارع بالنقاشات الجانبية، بينما تنشغل الأحزاب في الكواليس بإعادة ترتيب عقودها وحصصها بسلام. وعندما تنتهي صلاحية الدائرة الحالية وتنكشف النتائج الهزيلة على الأرض بتراجع الخدمات وتفاقم البطالة، تنقلب المنظومة ذاتها عبر منابرها لممارسة نقد لاذع وكيل الاتهامات والسب للحكومة التنفيذية التي ولدت من رحمها. وهذا السلوك يتعمد فصل السبب عن النتيجة لإخفاء مسؤولية الأحزاب الأم، ويهيئ المسرح لولادة دائرة جديدة بتسمية أكثر بريقاً لسنوات قادمة، واضعاً الضمانات لاستمرار الفشل والنهب دون تحمل أي تبعات أخلاقية أو قانونية.

​دجل النخب وأكاديميا التبرير وصناعة الجهل المركب

​إن التعجب الأكبر يكمن في سلوك النخب الأكاديمية والتحليلية والإعلامية التي تملأ شاشات الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي؛ فبدلاً من أن يكون الأستاذ الجامعي والبروفيسور والدكتور عين المجتمع الفاحصة التي تفكك الأكاذيب، تحول الأغلب الأعم من هؤلاء—بمختلف درجاتهم العلمية البراقة—إلى “مكياج ثقافي” وجزء لا يتجزأ من ماكنة التجهيل.

​إن آلية عمل هذه النخب تشبه إلى حد كبير أساليب الدجالين والمشعوذين؛ حيث يستمع الدجال لهواجس زبونه من مرض أو قلة رزق فيعيد صياغتها له على شكل نبوءة كاشفة، وكذلك يفعل هؤلاء الأساتذة، إذ يلتقطون هواجس الشارع العراقي وآلامه اليومية من الفقر وغياب الخدمات، ثم يأخذون الكلمات الفضفاضة والشعارات العاطفية الصادرة من أفواه المسؤولين ليصنعوا منها تحليلات معمقة ومطولة يوهمون الشارع من خلالها بوجود برامج إستراتيجية خفية للمستقبل. إن هذا السلوك يمثل اغتيالاً ممنهجاً لمفهوم الصدق في المجتمع، وصناعة لجهل مركب يجعل المواطن يعيش حالة من التيه الفكري وفقدان الثقة الشامل، مما يؤدي إلى إحباط نفسي وعدمية سياسية تُجهض استباقياً أي حراك وطني واعي يصبو إلى التغيير؛ لأن المجتمع المحبَط يرى في كل حقيقة واقعية كذبة جديدة، فيفضل الانكفاء متفرجاً على مسرحية تداول السلطة.

​الحقيقة المجزأة وحصانة أحجار الدومينو في ملفات الفساد السيادي والمالي

​تعتمد المنظومة الحاكمة في بقائها على عقيدة حماية “أحجار الدومينو”، حيث تدرك الأطراف المتخادمة كافة أن إسقاط مسؤول واحد، أو فتح ملف فساد حقيقي بحق رمز من الرموز، سيعني بالضرورة تداعي بقية الأحجار وسقوط القلعة بأكملها. لذلك، نرى أن كل من تسلموا مقاليد السلطة محميون بشكل مطلق رغم الملفات المرعبة التي تطالهم، وتتحول أدوات الرقابة والمساءلة إلى وسائل للابتزاز والتسويات خلف الكواليس تحت شعار الحفاظ على الاستقرار السياسي.

​ويتجلى هذا التضليل بوضوح عبر استخدام أسلوب “الحقائق المجزأة” في الإعلام الرسمي للحكومات، ولعلنا نضرب مثالين يوضحان هذا الضحك على الذقون:

​أما المثال الأول فيتعلق بالملف السيادي، حين استقدمت القوات الأمريكية في حقبة سابقة قوات إضافية قُدّرت بحوالي عشرة آلاف جندي، وبعد فترة وجيزة، خرج الإعلام الرسمي العراقي ليعلن ببريق انتصاري هائل عن سحب أربعة آلاف جندي نتيجة اتفاقيات سيادية؛ ورغم أن الرقم المعلن كمنسحبين كان صحيحاً من الناحية المجردة، إلا أنه مَثّل خيانة للأمانة وحقيقة مجزأة، إذ غطت الحكومة على حقيقة بقاء ستة آلاف جندي كصافي زيادة على الأرض، ممررة بقاء القوات الأجنبية بغطاء من المنجزات الوهمية.

​وأما المثال الثاني والأبشع، فهو ما عُرِف بـ “سرقة القرن” الخاصة بأمانات الضرائب، والتي تداخلت فيها الدوائر وتكتمت المنظومة على أرقامها الحقيقية المرعبة التي بدأت بإعلان أولي قيمته ملياران ونصف المليار دولار، بينما كشفت التقارير واللجان الرقابية اللاحقة عن مبالغ مهدورة وضائعة تتجاوز ثمانية تريليونات، بل وتصل وفق بعض المؤشرات إلى أكثر من عشرين تريليون دينار عراقي سُرقت عبر صكوك وهمية. ولامتصاص الغضب الشعبي، أخرجت السلطة مسرحية الاسترداد الصوري والتقاط الصور التذكارية بقرب تلال من الأموال النقدية التي لم تتجاوز في حقيقتها اثنين أو ثلاثة في المئة من حجم السرقة المعلنة، ليتم بعدها إطلاق سراح السراق وإغلاق الملف إعلامياً دون أن تعاد تلك المليارات المنهوبة إلى الخزينة العراقية إلى يومنا هذا، ودون أن ينال أي مجرم عقابه الفعلي، مما يثبت صلافة المنظومة الحاكمة وطمأنينتها التامة من المحاسبة طالما أنها تؤدي دور المدرار المالي لجهات حمايتها.

​معارضة الوهم والسرطان السياسي

​إن المشكلة الأكبر التي تزيد من تمدد هذا السرطان السياسي في الجسد العراقي هي حالة التعمية التي تمارسها قوى المعارضة في الداخل والخارج على حد سواء. إن هذه المعارضة المزعومة تأخذ محل “السكر” الذي يغذي الخلايا السرطانية للسلطة ويزيد من انتشارها بدلاً من مكافحتها؛ حيث تنقسم إلى وجوه تقتات على ماضي ما قبل الاحتلال دون تقديم مشروع معاصر، وإلى واجهات حديثة النمو كانت جزءاً من السلطة الحالية وهربت بعد ارتكاب جرائم فساد أو استباحة لدماء العراقيين لترتدي فجأة ثوب الوطنية.

​تتحرك هذه المعارضة بنشاطات ملتوية وأكاذيب تطلقها حول قرب موعد التغيير وساعة الصفر والرهان على متغيرات دولية، مما يفرز حالة من الانتظار السلبي لدى الجمهور تمنعه من بناء مشروع وطني حقيقي على الأرض. وفي الوقت ذاته، تستثمر السلطة هذه المعارضة المهزوزة كـ “فزاعة” لزرع الخوف في الداخل العراقي من الفوضى الشاملة، لتظهر السلطة—بكل فسادها—وكأنها صمام الأمان الوحيد المتاح؛ لينتهي الأمر بتخادم متبادل بين سلطة تنهب المقدرات باسم الواقع المفروض، ومعارضة تبيع الأوهام باسم التغيير الموعود، وكلاهما عدو للشعب العراقي يسعى لاستمرار الفوضى وتجهيل المجتمع.

​خاتمة الوثيقة ورؤية الإنقاذ المستقلة

​بناءً على كل ما تقدم من فحص ومراقبة وتفكيك دقيق لبنية النظام، تعلن رئاسة اتحاد القبائل العراقية وتجمع أهل العراق عن اتخاذ موقف المراقبة والفحص الواعي لتصرفات الحكومة الحالية. وإننا، ومعنا الشارع العراقي، نقف على أرضية صلبة من الفهم والاستقراء العلمي تتجاوز نسبة التأكيد فيها خمسة وسبعين في المئة بأن هذه الحكومة الحالية لن تكون سوى كسابقاتها، ولن تقدم للعراقيين أي برنامج عمل حقيقي مقنن ومُمأسس، بل ستكتفي بالتغيير عبر الخطاب الإعلامي فقط والكلمات البسيطة الأجوفة التي روج لها إعلام الدجالين؛ لأن الأبناء الذين حضروا عبر اتفاقات الغرف المظلمة هم امتداد مباشر للآباء الذين أسسوا الفشل على مدى عقدين ولم يأتوا باختيار الشعب أو تفويضه الحقيقي.

​إن رئاسة اتحاد القبائل العراقية وتجمع أهل العراق، بطرحها لهذه الحقائق والحلول في الساحة العراقية والإقليمية والدولية بشكل حقيقي وعبر أعين الشارع، تؤكد أن مهمة كشف الحقائق ونشر الوعي المجتمعي هي الركيزة الأساسية للإنقاذ. إننا نبرئ ذمتنا التاريخية والأخلاقية أمام أبناء شعبنا بالصدق المطلق، معلنين أن طريق الخلاص لن يمر عبر خطابات السلطة الأجوفة ولا دجل منصاتها، بل عبر تفاف الشعب ونخبه المخلصة حول حراك وطني مستقل، يتجاوز الابتزاز والسرقات والدم، ويسعى لبناء دولة المؤسسات والسيادة والكرامة التي يستحقها العراق العظيم وشعبه الأبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *