بين التهديد العسكري والرسائل الدبلوماسية، تتحرك واشنطن وطهران فوق حقل ألغام سياسي وأمني بالغ التعقيد، فبعد أشهر من التصعيد المتبادل، والحديث المتكرر عن ضربة عسكرية وشيكة، عاد مسار التفاوض ليفرض نفسه بإعتباره الخيار الأقل كلفة للطرفين، والأكثر إلحاحاً للمنطقة بأكملها، اليوم لم تعد المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مجرد نقاش حول البرنامج النووي، بل تحولت إلى معركة إرادات تتداخل فيها ملفات النفوذ الإقليمي، وأمن الخليج، والعقوبات الإقتصادية، ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.
التقارير الأخيرة تتحدث عن إتصالات مكثفة وتحركات وساطة إقليمية ودولية تهدف إلى منع الإنفجار الكبير، وسط تسريبات عن إقتراب تفاهمات أولية قد تؤسس لإتفاق جديد أو هدنة طويلة الأمد، لكن السؤال الأهم يبقى: هل إقترب الطرفان فعلاً من حسم المسار، أم أن المنطقة تعيش هدنة مؤقتة تسبق مواجهة أكبر؟
الولايات المتحدة تدرك أن أي حرب مفتوحة مع إيران لن تكون عملية عسكرية تقليدية محدودة، بل مواجهة قد تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر والعراق وسوريا ولبنان، مع تهديد مباشر لأسواق الطاقة والملاحة الدولية، لهذا تبدو واشنطن حريصة على إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، حتى وهي تلوّح بالقوة وتواصل تعزيز حضورها العسكري، في المقابل تنطلق طهران من قناعة مختلفة؛ فهي ترى أن عامل الوقت يعمل لصالحها، وأن قدرتها على الصمود الإقتصادي والأمني، رغم العقوبات، منحتها أوراق ضغط إضافية، لذلك ترفض تقديم تنازلات جوهرية تمس ملف التخصيب أو نفوذها الإقليمي دون الحصول على ضمانات حقيقية تتعلق بالعقوبات والإعتراف بدورها السياسي في المنطقة.
العقدة الأساسية اليوم لا تتعلق فقط بالإتفاق نفسه، بل بترتيب خطوات تنفيذه، واشنطن تريد إلتزامات واضحة ومباشرة بشأن التخصيب والرقابة، بينما تصر طهران على رفع تدريجي للعقوبات وضمانات بعدم تكرار الإنسحاب الأمريكي من أي إتفاق جديد، كما حصل سابقاً، هذه العقدة التسلسلية أصبحت واحدة من أخطر نقاط الخِلاف التي تعرقل الوصول إلى تسوية نهائية، ورغم ذلك، فإن لغة التصعيد المتبادل بدأت تتراجع نسبياً لصالح خطاب أكثر براغماتية، فالتقارير القادمة من (جنيف، مسقط، أنقرة، الدوحة وإسلام آباد) تشير إلى وجود قنوات إتصال لم تنقطع حتى في أكثر لحظات التوتر، مع دخول وسطاء إقليميين على خط التهدئة، خصوصاً دول الخليج التي تخشى أن تتحول أي مواجهة إلى حريق شامل يصعب إحتواؤه.
أما العراق، فيبقى من أكثر الدول تأثراً بمآلات هذا المسار؛ فبغداد تجد نفسها في قلب التوازن الأمريكي الإيراني، وأي فشل للمفاوضات قد يعيد الساحة العراقية إلى دائرة الإستقطاب الأمني والسياسي وربما المواجهات غير المباشرة، لذلك تتابع القوى السياسية العراقية هذه المفاوضات بوصفها قضية تمس مستقبل الإستقرار الداخلي بقدر ما تمس الإقليم كله، اللافت أن الشارع الإقليمي بات يعيش حالة قلق مزدوج؛ خوف من الحرب، وخوف من الإتفاق أيضاً فالبعض يرى أن أي تفاهم أمريكي- إيراني قد يعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة، ويؤدي إلى تفاهمات على حساب قوى ودول أخرى، بينما يخشى آخرون من أن إنهيار المفاوضات سيقود حتماً إلى الإنفجار العسكري.
حتى الآن، تبدو الصورة ضبابية، لا واشنطن قادرة على فرض شروطها بالكامل، ولا طهران مستعدة للتراجع دون مقابل إستراتيجي لكن المؤكد أن الطرفين وصلا إلى قناعة مفادها أن كلفة الحرب أصبحت أكبر من كلفة التفاوض، ولهذا فإن المنطقة تقف اليوم بين إحتمالين: إما إتفاق يفتح باب التهدئة وإعادة ترتيب التوازنات، أو إنهيار المفاوضات وعودة الشرق الأوسط إلى حافة النار من جديد.


