شكل إعلان أبوظبي عن تمركز مقاتلات مصرية على أراضيها ولأول مرة نقطة تحول في التحالفات الإقليمية إذ كشف عن مستوى غير مسبوق من التنسيق العسكري بين القاهرة والإمارات في وقت تتصاعد فيه التوترات مع إيران. لكن هذه الخطوة لم تمر دون زخم من الانتقادات الداخلية والخارجية كما فتحت الباب أمام تساؤلات جيوسياسية حول غياب وجود مصري مماثل في دول خليجية أخرى بينما رفعت طهران من وتيرة تهديداتها المباشرة ملمحة إلى شكوكها حول دور مصري محتمل في ضربات تعرضت لها مؤخراً.
على المستوى الداخلي تصدر الانتقاد الدستوري المشهد حيث تساءل أكاديميون ونشطاء مصريون عن شرعية نشر قوات قتالية خارج البلاد دون موافقة مسبقة من مجلس النواب وهو ما لم يحصل. كما قوبلت الخطوة بانتقادات شعبية في الشارع الخليجي لا سيما في السعودية حيث اعتبر بعض المؤثرين أن دول الخليج قادرة على الدفاع عن نفسها وأن الوجود المصري قد يُقرأ تدخلاً غير مرغوب فيه خاصة مع وجود فجوة في التوجهات تجاه إيران إذ تفضل الرياض الضغط العسكري المباشر بينما تميل القاهرة للهدوء الدبلوماسي.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً لماذا لا توجد قواعد مصرية في الرياض أو الدوحة أو المنامة؟ الإجابة تعكس تعقيدات السياسة الإقليمية. فمع السعودية ثمة خلاف غير معلن حول القيادة العسكرية للتحالف العربي حيث أصرت الرياض على أن يكون قائد أي قوة عربية مشتركة سعودياً بينما تمسكت مصر بخبراتها الأكبر. أما قطر فما زالت تعاني من تداعيات المقاطعة السابقة والخلاف حول جماعة الإخوان المسلمين حال دون أي تقارب عسكري. وبالنسبة للبحرين فقد آثرت الاعتماد على إطار (درع الجزيرة)الخليجي دون الحاجة لقواعد مصرية دائمة.
غير أن أخطر ردود الأفعال جاءت من إيران التي أعادت تصنيف الإمارات كـ(قاعدة عسكرية معادية).فبعد تحذيرات متتالية من الخارجية الإيرانية ذهب عضو لجنة الأمن القومي علي خضريان إلى القول إن بلاده (لم تعد تعتبر الإمارات جاراً) مهدداً بـضربها في أي لحظة واحتفاظه بحق الرد الحاسم. وبلغت ذروة التصعيد عندما أعربت طهران عن اشتباهات جدية بمشاركة طائرات مقاتلة يُشتبه بأنها إماراتية أو مصرية في ضربات جوية استهدفت مواقع إيرانية يومي 7 و8 آيار الحالي.
لكن حتى الآن لم تعلن أي جهة رسمية مصرية أو إماراتية عن دور مباشر للقوات الجوية المصرية في تلك الضربات. وجميع التصريحات الرسمية تؤكد أن المقاتلات المصرية المنتشرة في الإمارات تقوم بمهام دفاعية بحتة لحماية المجال الجوي من الهجمات الإيرانية بالمسيرات والصواريخ. ورغم ذلك تتعامل طهران مع هذا الوجود كتهديد استراتيجي وتستعد لسيناريوات انتقامية في مشهد يعيد خلط الأوراق بالمنطقة ويرسم تحالفات جديدة قد تحمل تداعيات أعمق مما يظهر على السطح.


