في المشهد السياسي العراقي الجديد تبدو الخصومات بين القوى المتنازعة أشبه بمسرحية هزلية طويلة يتبادل فيها أبناءُ البيت الواحد الشتائمَ والاتهامات بينما يعرف الجميع أن سقف البيت ذاته قد رُفع على أيدي الاحتلال الأمريكي الإرهابي بعد عام (٢٠٠٣)
الطرف “س” يصرخ بوجه الطرف “ص” متهماً إيّـاه بالفساد والعمالة والتبعية والارتهان غير ملتفتٍ إلى أن خزائن تاريخه مثقلةٌ بالخزي ذاته وأن ما يُـعيّـر به خصمه إنما هو جزءٌ أصيل من تكوينه السياسي والإداري والأخلاقي! وكأنّ السارقَ قد غضب لأن شريكه سرق أكثر منه! أو كأنّ الغارق في الوحل يضحك على اتساخِ غارقٍ آخر!
لقد تحوّل الفضاء الإعلامي إلى ساحة صراخٍ بدائي يقودها مدونون أشبه بجوقات التحريض الرخيص يرمون خصومهم بتهمٍ لو أُعيدت عليهم لانطبقت عليهم حرفاً بحرف!
هذا يتحدث عن العمالة وهو وليد غرف السفارات والآخر يتحدث عن الفساد وقد تربّـى داخل موائد المحاصصة وثالث يزايد بالسيادة وهو لم يعرف معنى السيادة إلا في الخطب والشعارات.
المضحك المبكي أن الجميع يتصرف وكأن العراقيين فقدوا ذاكرتهم تماماً وكأن الناس لا تعرف كيف صُـنعت هذه الطبقة السياسية، ومَـن الذي جاء بها، ومَـن الذي فتح لها أبواب السلطة والثروة والنفوذ.
إنهم يتقاتلون على إرث الاحتلال لا على مشروع وطني، يتنازعون على إدارة الخراب لا على بناء الدولة. يختلفون على الحصص والغنائم فيما بينهم لا على مبدأ التبعية ذاته. ومن أعجب ما في هذا المشهد أن كل طرف يريد أن يقنع الجماهير بأنه: “المقاوم النظيف” وسط مستنقعٍ شارك هو نفسه في حفره، وأنه: “الوطني الشريف” بين طبقةٍ كان أحد أعمدتها الأساسية لعقود من الزمن!
لقد نسي هؤلاء أو تناسوا حقيقةً لا يمكن طمسها مهما ارتفعت الضوضاء: أن النظام السياسي الذي وُلد تحت حراب الاحتلال لا يستطيع أن يُـنتج طبقةً مستقلةً عنه بالكامل مهما تبادلت أطرافه الأدوار والأقنعة والخطابات ..
وما يزيد المشهد عبثيةً أن الصراع الدائر لم يعد صراعَ رؤى أو مشاريع بقدر ما أصبح صراعَ بقاءٍ داخل منظومة استهلكت شرعيتها الشعبية والأخلاقية معاً. فكلما اشتدت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ارتفعت نبرة التخوين المتبادل هرباً من مواجهة السؤال الجوهري: من أوصل العراق إلى هذا الانسداد التاريخي؟ إن الطبقة التي تأسست على التوافقات الخارجية والمحاصصة الحزبية لا تستطيع إنتاج دولة راسخة، لأنها بقيت أسيرة منطق الغنيمة لا منطق الوطن، ولهذا تبدو خلافاتها اليومية مجردَ تصدعات داخل البنية نفسها لا معركةً حقيقيةً لتغييرها.
ولذلك تبدو معاركهم الإعلامية -خصوصاً على مواقع التواصل الإجتماعي- مثيرةً للسخرية أكثر من كونها مثيرةً للاهتمام لأن المتهمَ والقاضي والشاهد جميعهم أبناءُ البيئة ذاتها وصنائعُ المرحلة ذاتها وورثةُ اللحظة الأمريكية ذاتها.
أما الشعب العراقي المغلوب على أمره فقد صار يشاهد هذا السيرك السياسي الطويل بمرارةٍ ثقيلة وهو يدرك أن الذين يتقاذفون تُـهمَ العمالة والفساد فيما بينهم كانوا ولا يزالوا:
- يجلسون على المائدة نفسها.
- ويتقاسمون الغنائم نفسها.
- ويهتفون للسيد الخارجي نفسه.
قبل أن تختلف حسابات المصالح وتضيق مساحة الكعكة.


