مقدمة
تُعدّ القراءة الآتية محاولةً تحليليةً شخصيةً لفهم المنهاج الوزاري لحكومة علي فالح الزيدي في ضوء التجربة السياسية العراقية بعد عام 2003، وما رافقها من تحديات تتعلق ببناء الدولة والسيادة والإصلاح الاقتصادي والأمني. وهي لا تعبّر بالضرورة عن موقف سياسي أو حزبي محدد، بل تمثل اجتهاداً نقدياً مستقلاً يسعى إلى مقاربة النص الحكومي من زاوية واقعية تستحضر التجارب السابقة وإشكالياتها البنيوية، بعيداً عن الخطاب الدعائي المؤيد أو المعارض.
المحور الأول: تعزيز سيادة الدولة والأمن الوطني
يطرح المنهاج عناوين من قبيل “حصر السلاح بيد الدولة”، و”توحيد القرار الأمني”، و”ربط جميع الموارد والقدرات بمنظومة الدولة الرسمية”. غير أن التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين تكشف أن هذه الشعارات غالباً ما استُخدمت بصورة انتقائية، ولم تُطبَّق على جميع الفاعلين بالمعيار نفسه.
تكمن الإشكالية هنا في أن الدولة العراقية نفسها ما تزال تعاني من اختراقات سياسية وأمنية عميقة، ومن اعتماد كبير على المنظومات الاستخبارية والتقنية الغربية، فضلاً عن استمرار الوجود العسكري الأمريكي بأشكال مختلفة. وبالتالي، فإن الحديث عن “احتكار الدولة للقوة” من دون معالجة سؤال السيادة الفعلية على القرار الأمني، قد يتحول إلى إعادة هندسة داخلية لموازين القوة أكثر من كونه مشروعاً لبناء دولة مستقلة.
كما أن ربط قدرات الحشد الشعبي بالمؤسسة الرسمية، مع “تحديد مسؤولياته ومهامه”، قد يُفهم بوصفه محاولة لتحويل الحشد من قوة عقائدية ـ قتالية ذات امتدادات إقليمية إلى تشكيل إداري خاضع لمنطق البيروقراطية الحكومية، بما يؤدي تدريجياً إلى إضعاف دوره الاستراتيجي.
أما ملف “تنويع مصادر التسليح”، فعلى الرغم من أهميته نظرياً، إلا أن الحكومات السابقة رفعت الشعار نفسه، بينما بقي العراق عملياً مرتبطاً بمنظومات تسليح وتدريب واستخبارات أمريكية، الأمر الذي يجعل الحديث عن استقلال أمني كامل أقرب إلى الخطاب السياسي منه إلى التحول البنيوي الحقيقي.
المحور الثاني: السياسة الخارجية
يعتمد المنهاج على مفهوم “التوازن” وإبعاد العراق عن “محاور الصراع”، مع تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
لكن التجربة السياسية العراقية تشير إلى أن مفهوم “التوازن” غالباً ما كان يعني عملياً منع العراق من الانخراط الكامل في بيئته الإقليمية الطبيعية، مقابل الإبقاء على مساحة النفوذ الأمريكي داخل المؤسسات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.
كما أن الإصرار على تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع واشنطن يثير تساؤلات جوهرية حول معنى السيادة في ظل استمرار هذه الاتفاقية التي تُعد، في نظر كثير من القوى العراقية، مظلة قانونية لاستمرار النفوذ الأمريكي داخل العراق.
وفي الوقت نفسه، فإن التركيز على مشاريع الربط الإقليمي والطاقة مع الخليج والدول الغربية قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موقع العراق الاقتصادي بما يجعله أكثر اندماجاً في المنظومة الإقليمية المرتبطة بالمصالح الأمريكية، بدلاً من بناء نموذج استقلالي متوازن فعلاً.
أما الحديث عن “حصر التواصل الدولي عبر القنوات الرسمية”، فيبدو محاولة لإعادة ضبط المجال السياسي الداخلي وتقليص حركة الفاعلين غير الرسميين، وهو ما قد يتحول إلى أداة لتقييد بعض القوى العراقية أكثر من كونه تنظيماً للعمل الدبلوماسي.
المحور الثالث: الإصلاح الاقتصادي والمالي
هذا المحور يُعد من أكثر المحاور إثارة للجدل، لأنه يقوم بصورة واضحة على الاندماج في المنظومة المالية الدولية، عبر الامتثال المصرفي، والتعاون مع المؤسسات الدولية، وتشديد معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
المشكلة الأساسية هنا أن العراق، خلال السنوات الماضية، أصبح ساحة مباشرة لاستخدام الدولار والنظام المالي العالمي كأداة ضغط سياسي. ولذلك، فإن تعزيز “الامتثال المالي” قد يتحول عملياً إلى تعزيز قدرة الخزانة الأمريكية على مراقبة الاقتصاد العراقي والتحكم بحركته.
كما أن إصلاح القطاع المصرفي وفق المعايير الدولية، من دون بناء بدائل وطنية مستقلة، قد يؤدي إلى تعميق تبعية العراق للنظام المالي الغربي، خصوصاً في ظل استمرار هيمنة الدولار على السوق العراقية.
وفي ما يتعلق بتمكين القطاع الخاص والشراكات مع المستثمرين الأجانب، فإن التجربة العراقية السابقة أظهرت أن هذه العناوين غالباً ما فتحت الباب أمام خصخصة مقنّعة، وعقود استثمارية ضخمة تستفيد منها الشركات الأجنبية أكثر من الاقتصاد الوطني.
أما توفير الحماية الأمنية للشركات النفطية الأجنبية، فيعكس استمرار الفلسفة الريعية نفسها التي تجعل أمن الاستثمارات الخارجية أولوية تتقدم أحياناً على بناء اقتصاد إنتاجي مستقل.
المحور الرابع: الطاقة
أولاً: الكهرباء
البرنامج يتحدث عن “تنويع مصادر الطاقة”، و”الربط الكهربائي”، و”الشبكات الذكية”، و”مراجعة التعرفة”.
لكن ملف الكهرباء في العراق كان دائماً أحد أكبر أبواب الفساد السياسي والمالي. ومنذ 2003 أُنفقت عشرات المليارات من الدولارات من دون حل جذري للأزمة، بسبب تضارب المصالح بين القوى السياسية والشركات الأجنبية وشبكات الفساد الإداري.
كما أن الحديث عن “الاستقلالية في تأمين الطاقة” يترافق مع مشاريع ربط إقليمي قد تجعل العراق معتمداً على شبكات طاقة مرتبطة بالخليج والغرب، بما يعيد تشكيل البنية الاستراتيجية للطاقة في البلاد.
أما إشراك القطاع الخاص في توزيع الكهرباء ورفع كفاءة الجباية، فقد يؤدي تدريجياً إلى تحميل المواطن كلفة فشل الدولة، وتحويل الخدمة العامة إلى قطاع ربحي، خصوصاً في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة.
ثانياً: النفط والغاز
التركيز على بناء شراكات استراتيجية مع شركات النفط العالمية يثير المخاوف ذاتها التي رافقت جولات التراخيص السابقة، والتي أدت إلى توسيع نفوذ الشركات الأجنبية داخل قطاع الطاقة العراقي.
كذلك، فإن توسيع البنى التحتية للتصدير وربط العراق بمنظومات نقل إقليمية قد يُستخدم لدمج الاقتصاد العراقي بصورة أعمق في الأسواق الدولية، من دون معالجة جوهر الأزمة الاقتصادية المتمثلة في الريعية النفطية.
أما تشريع قانون النفط والغاز، فعلى الرغم من ضرورته، إلا أنه يبقى من أكثر الملفات حساسية، لأنه يرتبط بإعادة توزيع السلطة والثروة بين بغداد وأربيل والمحافظات المنتجة، وقد يتحول إلى مصدر صراع سياسي جديد بدلاً من كونه أداة للاستقرار.
المحور الخامس والسادس: الصناعة والزراعة والمياه
تعيد هذه المحاور إنتاج الوعود التقليدية المتعلقة بتنويع الاقتصاد ودعم المنتج المحلي وتحقيق الأمن الغذائي.
لكن الحكومات السابقة رفعت الشعارات نفسها، من دون بناء سياسة حمائية حقيقية للصناعة الوطنية، ومن دون معالجة إغراق السوق بالبضائع الأجنبية.
كما أن تشجيع الاستثمار الأجنبي في الزراعة والصناعة، في ظل ضعف البنية التشريعية والرقابية، قد يؤدي إلى تحويل هذه القطاعات إلى مجالات نفوذ للشركات الخارجية، لا إلى أدوات لبناء اقتصاد وطني مستقل.
أما ملف المياه، فرغم خطورته الوجودية، فإن المنهاج ما يزال يتعامل معه بوصفه ملفاً فنياً وإدارياً، في حين أنه يرتبط مباشرة بتوازنات إقليمية معقدة وبأدوات ضغط جيوسياسي تستخدمها دول المنبع.
المحور السابع: الحوكمة والإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد
هذا المحور يكرر مفردات “الشفافية”، و”التحول الرقمي”، و”الحوكمة”، و”استرداد الأموال”.
غير أن التجربة العراقية تشير إلى أن مكافحة الفساد غالباً ما كانت انتقائية وخاضعة للتوازنات السياسية، بحيث تُستخدم بعض الملفات لتصفية الخصوم أو إعادة ترتيب النفوذ داخل الدولة.
كما أن بناء منظومة رقمية شاملة لإدارة البيانات يثير أسئلة تتعلق بالسيادة الرقمية والأمن السيبراني، خصوصاً إذا جرى تنفيذ هذه المشاريع بالتعاون مع شركات ومؤسسات دولية مرتبطة بالغرب.
وفي ظل غياب استقلال اقتصادي وتقني حقيقي، قد تتحول “الرقمنة” إلى أداة رقابة مركزية واسعة، وليس بالضرورة إلى وسيلة لتحسين الإدارة والخدمات.
المحور الثامن والتاسع والعاشر: التعليم والصحة والحماية الاجتماعية
تعكس هذه المحاور طابعاً خدمياً وتنموياً، لكنها تبقى مرتبطة بالعقدة الأساسية نفسها: ضعف الدولة البنيوي والفساد المالي والإداري.
فالعراق شهد خلال العقدين الماضيين عشرات الخطط الخاصة ببناء المدارس والمستشفيات وتطوير التعليم والرعاية الصحية، إلا أن أغلبها تعثر بسبب الفساد، وسوء التخطيط، وهيمنة المحاصصة الحزبية.
كما أن التحول من “الإعانات إلى التمكين” قد يتحول، في ظل الأزمة الاقتصادية، إلى تقليص تدريجي للدعم الاجتماعي من دون توفير بدائل إنتاجية حقيقية للفئات الفقيرة.
المحور الحادي عشر: الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات
هذا المحور يكشف بوضوح توجه الحكومة نحو بناء دولة رقمية شاملة، تعتمد على الحوسبة السحابية، والهوية الرقمية، والربط الدولي للبيانات.
لكن هذا المسار يثير مخاوف تتعلق بالسيادة الرقمية، لأن بناء البنية التحتية للبيانات بالتعاون مع مؤسسات دولية قد يجعل العراق مكشوفاً أمام الاختراقات التقنية والأمنية.
كما أن ضبط محتوى منصات التواصل الاجتماعي تحت عنوان “تعزيز الاستقرار المجتمعي” قد يُستخدم مستقبلاً لتقييد المجال الإعلامي والسياسي، خصوصاً في أوقات الأزمات.
المحور الثاني عشر: حقوق الإنسان والمرأة والطفل
يركّز هذا المحور على مفاهيم “الكرامة الإنسانية”، و”المساواة”، و”تمكين المرأة”، و”التعاون مع منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية”، إضافة إلى تشريعات مناهضة العنف الأسري.
غير أن هذا الطرح يثير إشكاليات متعددة في البيئة العراقية، لأن جزءاً كبيراً من الخطاب المرتبط بملفات حقوق الإنسان في العراق خلال السنوات الماضية كان مرتبطاً بأجندات وضغوط دولية وغربية، وغالباً ما استُخدم كأداة للتأثير السياسي والثقافي داخل المجتمع العراقي.
كما أن التوسع في دور المنظمات الدولية والمحلية المرتبطة بشبكات التمويل الخارجي قد يؤدي إلى تعزيز النفوذ الثقافي والسياسي غير المباشر داخل البنية الاجتماعية العراقية، تحت عناوين التنمية والحقوق والتمكين.
وفي ما يتعلق بتشريعات العنف الأسري وتمكين المرأة، فإن الجدل العراقي السابق أظهر أن هذه الملفات لا تُناقش بوصفها ملفات قانونية فقط، بل باعتبارها جزءاً من صراع أوسع يتعلق بالهوية الثقافية والاجتماعية والدينية للدولة العراقية.
أما استحداث هيئة مستقلة لمنظمات المجتمع المدني، فقد يفتح الباب أمام إعادة هندسة المجال المدني العراقي وفق معايير التمويل والتوجيه الخارجي، خصوصاً في ظل ضعف الرقابة الوطنية على عمل كثير من المؤسسات والمنظمات الدولية.
المحور الثالث عشر: الشباب والرياضة
يركّز هذا المحور على دعم المبادرات الشبابية، وبناء مراكز مهارات، وتعزيز المشاركة الرقمية للشباب، وتطوير القطاع الرياضي.
لكن التجربة العراقية تشير إلى أن الحكومات المتعاقبة غالباً ما تعاملت مع ملف الشباب بوصفه ملفاً دعائياً أكثر من كونه مشروعاً استراتيجياً لإعادة بناء المجتمع والدولة.
- فالعراق ما يزال يواجه:
- بطالة مرتفعة بين الشباب،
- وهجرة متزايدة للكفاءات،
- وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية،
- واتساع الفجوة بين الدولة والجيل الجديد.
وفي ظل هذه التحديات، فإن إنشاء منصات رقمية ومجالس شبابية قد يتحول إلى إطار شكلي لاحتواء الغضب الاجتماعي أكثر من كونه آلية حقيقية لإشراك الشباب في صناعة القرار.
كما أن التركيز على “الهوية الوطنية” ضمن برامج الشباب قد يُستخدم لمحاولة إنتاج سردية سياسية جديدة تُضعف الهويات العقائدية والسياسية المنافسة، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي ضمن إطار الدولة المركزية الحديثة.
أما في المجال الرياضي، فإن الحديث عن “نماذج تمويلية” للأندية يثير مخاوف من خصخصة تدريجية للقطاع الرياضي وتحويله إلى سوق استثماري، في وقت تعاني فيه البنية الرياضية العراقية من أزمات بنيوية تتجاوز مسألة التمويل.
المحور الرابع عشر: الثقافة والسياحة والآثار
يحاول هذا المحور تقديم الثقافة والسياحة بوصفهما رافعة للهوية الوطنية ومصدراً اقتصادياً موازياً للنفط.
لكن الإشكالية الأساسية تكمن في طبيعة “الهوية الوطنية” التي تسعى الدولة إلى إعادة إنتاجها. فالعراق بعد 2003 لم يشهد توافقاً حقيقياً حول سردية وطنية جامعة، بل بقيت الهويات السياسية والمذهبية والقومية في حالة تنافس وصراع مستمر.
ومن هنا، فإن الحديث عن “الأمن الثقافي” وإبراز الهوية الوطنية قد يتحول إلى مشروع لإعادة صياغة المجال الثقافي العراقي وفق رؤية سياسية مركزية، تسعى إلى ضبط الخطاب الثقافي والاجتماعي وتوجيهه.
كما أن التركيز على السياحة بوصفها مورداً اقتصادياً قد يدفع الدولة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الثقافية والدينية بما يخدم الاعتبارات الاستثمارية والانفتاح الخارجي، خصوصاً في المدن ذات الرمزية الدينية أو التاريخية.
أما التعاون الواسع مع النقابات والجمعيات والمؤسسات الثقافية، ففي ظل الانقسام السياسي الحاد، قد يتحول إلى آلية لإعادة توزيع النفوذ الثقافي والإعلامي بين القوى السياسية المختلفة، أكثر من كونه مشروعاً لبناء نهضة ثقافية وطنية مستقلة.
وفي جانب الآثار والمتاحف، ورغم أهمية استعادة الإرث الحضاري العراقي، إلا أن الحكومات السابقة كثيراً ما استخدمت الخطاب الحضاري بوصفه واجهة إعلامية، في حين بقيت البنية الثقافية والتعليمية العراقية تعاني من التراجع والتفكك وضعف التمويل الحقيقي.
خلاصة عامة
يكشف المنهاج الوزاري لحكومة علي فالح الزيدي عن توجه واضح نحو إعادة بناء الدولة العراقية وفق نموذج تكنوقراطي حديث، يقوم على الرقمنة، والانضباط المالي، وإعادة تنظيم المجال الأمني، والانفتاح الاقتصادي والاستثماري، وتعزيز الاندماج الإقليمي والدولي.
غير أن القراءة النقدية لهذا المنهاج تُظهر أن معظم هذه العناوين ليست جديدة في التجربة العراقية، بل سبق أن طُرحت بصيغ مختلفة منذ عام 2003، من دون أن تنجح الحكومات المتعاقبة في معالجة الأزمات البنيوية العميقة التي يعاني منها العراق.
ففي الجانب الأمني، يطرح المنهاج مفهوم “الدولة المركزية المحتكرة للقوة”، لكنه يتجنب معالجة الإشكالية الجوهرية المرتبطة بطبيعة السيادة العراقية نفسها، في ظل استمرار النفوذ الخارجي والتشابك الأمني والاستخباري الدولي. ولذلك، قد تتحول مشاريع “توحيد القرار الأمني” و”إعادة تنظيم القوى المسلحة” إلى أدوات لإعادة ترتيب موازين القوة الداخلية أكثر من كونها مشروعاً لتحرير القرار الوطني.
أما في السياسة الخارجية، فإن شعار “التوازن” يبدو امتداداً للنموذج العراقي التقليدي القائم على إدارة التناقضات الإقليمية والدولية، لا على بناء استقلال استراتيجي حقيقي. كما أن التركيز على تفعيل الاتفاقيات الاستراتيجية والانخراط في مشاريع الربط الإقليمي قد يؤدي إلى دمج العراق بصورة أعمق في المنظومات الاقتصادية والأمنية المرتبطة بالمصالح الغربية والخليجية.
وفي المجال الاقتصادي، يتبنى المنهاج رؤية تعتمد على الامتثال المالي، والشراكات الاستثمارية، والانفتاح على المؤسسات الدولية، والتحول الرقمي الشامل. غير أن هذا المسار قد يفضي إلى تعميق التبعية للنظام المالي العالمي، خصوصاً في ظل هشاشة الاقتصاد العراقي واستمرار اعتماده على النفط والدولار، من دون بناء قاعدة إنتاجية وطنية مستقلة.
كما أن محاور الصناعة والزراعة والطاقة، رغم طابعها التنموي، تبقى محكومة بالمعضلة نفسها التي واجهت الحكومات السابقة: اقتصاد ريعي، وضعف تخطيط، وفساد مؤسسي، وتضارب مصالح داخل البنية السياسية، الأمر الذي يجعل كثيراً من الوعود عرضة للتعثر أو التحول إلى مشاريع استثمارية مرتبطة بالشركات الأجنبية أكثر من ارتباطها بمشروع نهضوي وطني.
وفي ما يتعلق بالحوكمة والتحول الرقمي، فإن المنهاج يعكس اتجاهاً لبناء دولة رقمية مركزية تعتمد على إدارة البيانات والرقابة المؤسسية والحوكمة الإلكترونية. إلا أن هذا المسار يثير مخاوف تتعلق بالسيادة الرقمية، وإمكانية توظيف الرقمنة في تعزيز أدوات المراقبة والضبط السياسي والاجتماعي، خصوصاً مع تنامي دور المؤسسات الدولية والشركات التقنية الأجنبية.
أما المحاور الاجتماعية والثقافية، فتبدو محاولة لإعادة إنتاج هوية وطنية جامعة وإدارة المجال الثقافي والاجتماعي ضمن رؤية مركزية جديدة. غير أن غياب التوافق الوطني الحقيقي، واستمرار الانقسامات السياسية والمجتمعية، قد يحول هذه المشاريع إلى أدوات لإعادة هندسة المجال العام أكثر من كونها تعبيراً عن نهضة ثقافية ومجتمعية مستقلة.
وبصورة عامة، فإن الإشكالية الأساسية في المنهاج لا تتعلق بعناوينه أو أهدافه المعلنة، بل بالسياق البنيوي الذي سيُنفذ فيه:
- دولة تعاني من ضعف السيادة،
- ونظام سياسي قائم على المحاصصة،
- واقتصاد ريعي هش،
- وفساد مؤسسي متجذر،
- وتداخل واسع بين النفوذ الداخلي والخارجي.
لذلك، فإن الخشية الأساسية تكمن في أن يتحول هذا المنهاج إلى مشروع لإعادة إنتاج النظام السياسي القائم بصورة أكثر حداثة وتنظيماً وتقنية، من دون إحداث تحول فعلي في طبيعة الدولة العراقية أو في استقلال قرارها السياسي والاقتصادي والأمني.


