مبدأ راسخ عرف في الأوساط الدينية والسياسية والعسكرية بل في سائر مجالات الحياة وليس منقصة تؤخذ على صاحبها بل فضيلة ترفع بها المقامات وحقيقته أن ينصف المرء خصمه فيشهد له بما فيه من محاسن ولا يحمله الخلاف على جحود الحق أو طمس الفضائل فالاختلاف لا يبيح سلب الإيجابيات بل إن الاعتراف بها يزيد الخصومة شرفا ويمنحها بعدا أخلاقيًا رفيعًا ويقرب من جادة الصواب وفي ميادين السياسة قد يشتد النزاع بين الأنداد وتحتدم المواجهة في الرؤى والمناهج غير أن صاحب المروءة لا يغفل ما لخصمه من صواب أو فضل وكذلك في ساحات القتال لا يمنع العداء من الإقرار بخصال محمودة في العدو وفي الميدان العلمي يعترف للمخالف بجهده وسبقه وهذا النهج الأصيل مما قررته سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام إذ جعلوا إنصاف الخصم خلقًا ثابتًا لا يتبدل بتبدل المواقف وإذا رجعنا إلى التاريخ الإسلامي وجدنا شواهد ناصعة جسدت هذا الخلق فغدت معالم يهتدى بها غير أن هذا المبدأ أخذ في زماننا يتآكل حتى كاد يندثر مخلفًا وراءه آثارًا جسيمة لا تحصى أبرزها تمزيق النسيج الاجتماعي وإشاعة الفرقة وإضعاف روح الاجتماع التي أمر الله بها في قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا
وقد حلت محله أساليب دخيلة تقوم على الكيد والتشويه من قبيل فرق تسد أو ما يروج له من المباهتة بتأويل فاسد يسوغ نسبة الأكاذيب إلى الخصم لإسقاطه أو التذرع الباطل بأن الغاية تبرر الوسيلة وهذه طرائق لا تمت إلى الأخلاق بصلة بل هي من مسالك الانحطاط ومظان الإثم وما يرى اليوم من حملات التخوين والتسقيط لشخصيات عرفت بتاريخها ومكانتها والإساءة إليها وإلى عوائلها ونسج التهم عليها عبر منصات موجهة إنما هو انحدار أخلاقي فاضح ودليل على خواء هذا النهج من أي شرعية وهو داخل في أبواب الغيبة والبهتان بل من أفحشها وإن طال أمده ظاهرًا فإن مآله إلى الانكشاف إذ لا يثبت الباطل أمام سلطان الحقيقة وقد تكاثرت الأمثلة في الفضاء الإعلامي فصدر هذا المسلك من مرتزقة باعوا ضمائرهم ومن آخرين خدعوا فحسبوا الكذب صدقًا فمنهم من أفاق فرجع إلى رشده وتاب عما اقترف ومنهم من لج في غيه رغم تبين الحق له ومنهم من لا يزال أسير التضليل مخدوعًا بزخرف القول وقد شارك في ذلك رجال ونساء فغدوا وقودًا لفتنة لا تبقي ولا تذر صانعها يتوارى والمنساق وراءها هو الضحية يخسر دينه ودنياه ويهدم مكانته في المجتمع وينحدر عن هويته إلى درك هابط يسيء إليه وإلى انتمائه وعليه فالحذر كل الحذر من تلقي الأكاذيب وبثها والواجب التمسك بشرف الخصومة وأداء الأمانة والتثبت من الأخبار قبل نشرها لئلا يكون المرء أداة في صناعة تضليل عام يحمل وزره ووزر من تبعه إن الإنسان بصير بنفسه وعليه أن يعمل عقله قبل أن يندفع فصيانة الهوية عسيرة والسقوط يسير والوقوف مع الحق نجاة وإنصاف الخصم على شدة الخلاف عنوان رجولة وكمال وسبب في نيل المحبة والقبول بين الناس.

