أدسمُ الطعام، وأتمُّ الصلاة، وأسلمُ الموقف

أدسمُ الطعام، وأتمُّ الصلاة، وأسلمُ الموقف
ثلاثيّة الانتهازي: أطيب الطعام، وأتم الصلاة، وأسلم الموقف. تحويل الجبن إلى حكمة والحياد إلى عقلانيّة. في زمن المواجهة، لا رماديّة. التاريخ لا يذكر من وقف على التلّ، بل من نزل إلى الميدان....

ثلاثيّة الانتهازيّ في زمن المواجهة الكبرى

ليست هذه العبارة مجرّد مقولةٍ عابرةٍ من صفحات التاريخ، بل هي توصيفٌ بالغ الدقّة لنموذجٍ إنسانيٍّ يتكرّر في كلّ عصر، ويتجدّد مع كلّ صراع: نموذجُ الإنسان الذي يختار السلامة على حساب الحقيقة، والمصلحة على حساب المبدأ، والحياد حين يكون الحياد خيانةً صامتة.

إنّها ثلاثيّةٌ تختصر عقلية أولئك الذين يجيدون التموضع حيث تكون الغلبة، لا حيث يكون الحق؛ فيأكلون من حيث يكون الطعامُ أدسم، ويُظهرون التديّن حيث تكون الصلاةُ أتمّ، ثمّ ينسحبون إلى التلّ حين يُطلب منهم موقف، مدّعين أنّ الوقوف هناك أسلم.

وهنا تكمن الخدعة الكبرى:

تحويل الجبن إلى حكمة، والتردّد إلى عقلانيّة، والتخلّي إلى فقهٍ يُستند إليه.

لقد عرف التاريخ هذا النموذج في محطّاته الحاسمة، يوم كانت المواقف تُصاغ بالدم لا بالكلمات، ويُفرز الناس إلى معسكرين لا ثالث بينهما: موقفٌ يُدافع عن قناعة، وآخر يذوب في حسابات النجاة. ولم يكن أخطر ما في هذا النموذج أنّه ينسحب، بل أنّه يبرّر انسحابه، ويُسوّق له، ويمنحه غطاءً أخلاقيًا زائفًا.

واليوم، يعيد التاريخ نفسه، ولكن بأدواتٍ أكثر نعومة، وخطابٍ أكثر مراوغة، في قلب الصراع الدائر، حيث تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية كطرفٍ مركزيٍّ في معادلةٍ لا تقبل التبسيط، ولا تختزل في شعاراتٍ جاهزة.

كيف يتجلّى هذا النموذج في واقعنا؟

أولًا:

حين يُختزل الصراع إلى مجرّد «نزاعٍ سياسي» أو «صراع نفوذ»، وكأنّ كلّ القضايا متساوية، وكلّ الأطراف على مسافةٍ واحدةٍ من الحقيقة. هذا التبسيط المخلّ ليس بريئًا، بل هو أداةٌ لإلغاء الفوارق، وطمس المعايير، حتى يصبح الوقوف على التلّ خيارًا مريحًا.

ثانيًا:

حين يُرفع شعار «ما لنا والدخول بين السلاطين»، بين إيران وامريكا. وكأنّ التاريخ لم يُثبت أنّ أعظم الانحرافات بدأت حين انسحب الناس من ميادين الموقف، وتركوا الساحة لمن يملك القوّة لا لمن يملك الحق.

ثالثًا:

حين يُختزل الدين في طقوسٍ منفصلةٍ عن الواقع: صلاةٌ وصومٌ بلا موقف، وعبادةٌ بلا أثر. دينٌ يُمارس في المساجد، ويُعلَّق عند أبواب القضايا الكبرى. وهذا – في جوهره – تفريغٌ للدين من وظيفته الأخلاقيّة والإنسانيّة.

رابعًا:

حين تُثار النزعات القوميّة والعرقيّة، فيُقال: «هذه قضيّة لا تعنينا»، أو «نحن عرب وهم غير ذلك»، وكأنّ المبادئ تُقاس بالهويّات، لا بالقيم. فيتحوّل الانتماء الضيّق إلى ذريعةٍ للتخلّي، لا دافعٍ للموقف.

خامسًا:

حين يُعاد تعريف الصراع على أنّه شأنٌ داخليّ أو قرارُ حكومةٍ لا شعب، في محاولةٍ لفصل الشعوب عن قضاياها، وإضعاف أيّ تعاطفٍ أو تضامنٍ محتمل. وهنا تُطرح الجمهورية الإسلامية الإيرانية أحيانًا في هذا الإطار، لا لفهمها، بل لتقزيم دورها أو تشويه صورتها.

سادسًا:

حين يُضخَّم الخصم إلى حدّ الأسطرة، فيُصبح التحدّي مستحيلًا، والمواجهة ضربًا من الانتحار، فيُعاد إنتاج الخوف على أنّه وعي، والانكفاء على أنّه حكمة.

سابعًا:

حين يُرفع شعار «السلام» في غير موضعه، فيتحوّل إلى غطاءٍ للاستسلام، لا مشروعٍ للعدل. فليس كلّ صمتٍ سلامًا، ولا كلّ تجنّبٍ للحرب نجاة.

ما النتيجة؟

تتشكّل حالةٌ عامّة من التشويش:

لا يعود الناس قادرين على التمييز بين موقفٍ وموقف، ولا بين حقٍّ وباطل. ويُصبح الصوت الأعلى ليس صوت الحقيقة، بل صوت الأكثر مراوغة.

وهنا تحديدًا، يبرز خطر هذا النموذج:

فهو لا يهدم القضايا مباشرة، بل يُفرغها تدريجيًا من معناها، حتى تصبح بلا روح، بلا حرارة، بلا قدرة على الإقناع.

الخلاصة:

إنّ الوقوف على التلّ ليس دائمًا نجاة،

وقد يكون – في لحظات الحسم – تخلّيًا مغطّى بالحكمة.

وإنّ تكرار ثلاثيّة:

«أدسمُ الطعام، وأتمُّ الصلاة، وأسلمُ الموقف»

ليس دليل توازن… بل قد يكون علامةَ انحيازٍ صامت.

ففي اللحظات التي تتّضح فيها المعالم، لا يبقى مجالٌ للرماديّة:

إمّا موقفٌ يُعبّر عن قناعة،

وإمّا حيادٌ يُخفي وراءه خوفًا أو مصلحة.

وفي النهاية،

لا يُسجّل التاريخ عدد الذين وقفوا على التلّ،

بل يذكر فقط… من اختار أن ينزل إلى الميدان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *