في مثل هذا الوقت من العام 2022 تعرضت بلادنا لموجات غبار غير مسبوقة، استمرت حتى الثلث الأخير من شهر آيار، وتزامنت هذه الحالة التي تحولت إلى ظاهرة بعد استمرار تكرارها آنذاك، مع رفع السرية عن تقرير صادر من مجلس الاستخبارات الأميركي يتعلق بظواهر تغير المناخ التي ستؤدي إلى تفاقم التوترات الدولية “بحسب التقرير”، وأن نحو احدى عشر بلدا من بينها العراق ستواجه عواقب سلبية، في تأمين الطاقة والغذاء والمياه العذبة والصحة جرّاء التغير المناخي، الأمر الذي سيؤدي إلى الجفاف وموجات الحرارة وإجهاد البنى التحتية، ما قد يفضي إلى صراع داخلي وهجرات بشرية وموجات لجوء إنساني، كما في الفقرات (5 و6) من التقرير.
على إثر ذلك، كان لنا مقالا في جريدة “الصباح” الغراء، حمل عنوان “قراءة في تقرير مخابراتي” تساءلنا فيه عن سر تزامن رفع السرية عن هذا التقرير وموجات الغبار العاتية المنطلقة من داخل الحدود العراقية حصرا!، ولماذا تظهر نتائج التغير المناخي والاحتباس الحراري على العراق دون دول الجوار الأكثر تصحرا؟ وهل فعلا أن علوم هندسة المناخ والهندسة الجيوفضائية، قادرة على احداث تغييرات مناخية في مناطق دون غيرها؟.
ولم نجد أجوبة على أسئلتنا، وكان من حقنا أن نواصل البحث عن الحقيقة في جوانب استقصائية أخرى، ليكون السؤال الأهم، لماذا يتولى أخطر جهاز مخابرات في العالم، مهمة الكشف عن التغيرات المناخية بدول تقع في أولويات السياسة الأمريكية، دون أن يكون للهيئة الدولية المعنية بتغيير المناخ، (وهي المرجع العلمي الأول في العالم حول قضية الاحتباس الحراري)، أو برنامج الأمم المتحدة للبيئة (بوصفه سلطة بيئية عالمية)، أو المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (وهي الجهة المسؤولة عن مراقبة الغلاف الجوي والمناخ العالمي) دور في كشف هذه الحقائق؟.
هنا، يقدم لنا مشروع “هارب” أو ما يسمى ببرنامج أبحاث الشفق القطبي، أجوبة عن العلاقة التكاملية بين مجلس الاستخبارات الأمريكي (المكون من 18 جهاز مخابرات) والجهات الممولة للمشروع، في اطار ما يسمى بالأمن القومي الأمريكي، اذ انطلق المشروع، بتمويل من المؤسسات العسكرية، بجانب وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية، التي تسمى “عقل البنتاغون الخفي”، وهي الذراع البحثي المستقل لوزارة الدفاع الأمريكية لتطوير التقانات عالية المخاطر، ومن أبرز تشكيلاتها، (مكتب التكنولوجيا الدفاعية، ومكتب التكنولوجيات المتقدمة، ومكتب علوم الدفاع لصالح التطبيقات العسكرية، ومكتب المعلومات والابتكار) بالتعاون مع جامعة “ألاسكا فيربانكس” للخوض في عوالم التحكم المناخي والجيولوجي من خارج الغلاف الجوي.
وهنا تكمن الريبة، إذا علمنا أن الدول الإحدى عشرو التي أشار لها التقرير، هي في الغالب أولويات في السياسة الأمريكية، فكوريا الشمالية، معروفة بموقفها المعادي للولايات المتحدة، وأفغانستان كذلك، أما باكستان فهي مثيرة للقلق الدائم، لأن الصين شريكتها الاستراتيجية الأولى، فيما تمثل الهند نموذجا مرتبكا في العلاقة مع امريكا، بوصفها عضوا بارزا في مجموعة بريكس، وفي بورما حكم عسكري متمرد على الولايات المتحدة، وغواتيمالا هي مشروع للتدخل المباشر الأمريكي، وعرف عن هاييتي العداء للسياسات الأمريكية، وهندوراس بنظامها اليساري وانفتاحها على الصين، شكلت قلقا لمصالح الشركات الأمريكية في وقت اصدار التقرير، فيما تسود العقوبات الاقتصادية والقطيعة الدبلوماسية والاتهامات المتبادلة مع نيكاراغوا، ولم تكن كولومبيا بيئة مستقرة في العام 2021 في ظل رغبة أمريكية للهيمنة عليها، أما العراق الذي يشكل العقبة الرئيسة في المشروع الابراهيمي، فهو الدولة العربية الوحيدة التي شملها التقرير، بعد احتباس الأمطار لسنوات متعاقبة، وتسليم ملف المياه بيد تركيا، وتزايد موجات الغبار وارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق، لتكون العودة للظروف المناخية الطبيعية هذا العام، بالتزامن مع خروج المركز السري لـ”استمطار السحب” في الامارات عن الخدمة، مدعاة لحق الناس في طرح الأسئلة، إذا علمنا أن هذا المركز هو جزء من استثمار اماراتي بنحو مئة مليار دولار مع الولايات المتحدة في مشاريع سميت بمشاريع الطاقة النظيفة، وليتفضل هنا مشكورا من يمتلك أجوبة علمية للتوضيح.


