في العادة، تنشغل التحليلات السياسية بالأسماء. من عُيّن؟ ومن أُقيل؟ ومن حصل على صلاحيات إضافية؟ لكن في لحظات التحول الكبرى، تصبح الأسماء أقل أهمية من الأسئلة التي تقف خلفها. ولذلك فإن الخطأ الأكبر في قراءة تعيين توم باراك مبعوثاً أميركياً للعراق وسوريا هو الاعتقاد بأن القضية تتعلق بالرجل نفسه.
القصة الحقيقية ليست توم باراك.
القصة الحقيقية هي أن الولايات المتحدة بدأت تتصرف وكأن العراق وسوريا لم يعودا دولتين منفصلتين في الحسابات الاستراتيجية، بل عقدة جيوسياسية واحدة داخل مشروع أوسع لإعادة تشكيل المشرق العربي بعد أكثر من عقدين من الحروب والفوضى.
هذا التحول لا يتعلق بالإدارة الأميركية الحالية فقط، بل يعكس مراجعة أعمق داخل التفكير الأميركي بشأن الشرق الأوسط. فواشنطن التي دخلت العراق عام 2003 وهي تحمل مشروعاً لتغيير الأنظمة وإعادة بناء الدول، تبدو اليوم وكأنها وصلت إلى استنتاج مختلف تماماً: المشكلة لم تكن في الأنظمة وحدها، بل في البيئة الاستراتيجية التي تتحرك داخلها تلك الأنظمة.
بمعنى آخر، بعد عشرين عاماً من محاولات إعادة هندسة السياسة، انتقلت الولايات المتحدة إلى محاولة إعادة هندسة الجغرافيا السياسية نفسها.
هذه النقلة تبدو جوهرية لفهم ما يجري.
فخلال العقدين الماضيين، تعاملت واشنطن مع الشرق الأوسط باعتباره مجموعة ملفات منفصلة: العراق ملف، وسوريا ملف، ولبنان ملف، والخليج ملف آخر. أما اليوم فتبدو المقاربة مختلفة. فالتنافس لم يعد يدور حول الحكومات بقدر ما يدور حول الممرات، وسلاسل الإمداد، والعقد الجغرافية، وشبكات النفوذ التي تربط شرق المتوسط بالخليج وبآسيا.
ولعل هذا ما يفسر دمج الملفين العراقي والسوري تحت إشراف واحد.
فالحدود التي رسمتها خرائط القرن العشرين لم تعد تعكس طريقة تفكير القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين. ما يهم واشنطن اليوم ليس الخط الفاصل بين العراق وسوريا، بل المجال الاستراتيجي الممتد عبرهما. ذلك المجال الذي يربط إيران بالمشرق، ويربط تركيا بالعمق العربي، ويربط شرق المتوسط بالممرات التجارية الجديدة التي تتشكل بين آسيا وأوروبا.
هنا تحديداً يبدأ التحول الحقيقي.
فالولايات المتحدة لا تحاول فقط احتواء النفوذ الإيراني، كما يُشاع كثيراً. لو كان الأمر كذلك لبقي الملف أمنياً وعسكرياً. ما يجري أوسع من ذلك. نحن أمام محاولة لإعادة صياغة البيئة التي تسمح بتشكل النفوذ أصلاً. وهذه نقطة مختلفة تماماً.
إخراج لاعب من الساحة مهمة تكتيكية. أما إعادة تصميم الساحة نفسها فهي مهمة استراتيجية.
ولهذا تبدو واشنطن أقل اهتماماً اليوم بالشعارات التقليدية التي رافقت مرحلة ما بعد 2003، وأكثر اهتماماً بمفهوم الدولة القادرة على ضبط المجال الجغرافي الذي تتحكم به. لم يعد السؤال الأميركي يدور حول مدى ليبرالية النظام السياسي أو شكل التوازنات الحزبية، بل حول قدرة الدولة على منع تحوّل أراضيها إلى جزء من منظومات نفوذ عابرة للحدود.
في هذا السياق، يصبح العراق محوراً مركزياً في الحسابات الأميركية الجديدة.
فالعراق ليس مجرد دولة تقع بين إيران وسوريا. إنه نقطة التقاء بين عدة مشاريع متنافسة في آن واحد. مشروع إيراني يسعى للحفاظ على عمقه الاستراتيجي غرباً. ومشروع تركي يتطلع إلى توسيع نفوذه الاقتصادي والأمني جنوباً. ومشاريع عربية وخليجية تحاول إعادة دمج العراق في محيطه العربي. وفوق الجميع، مشروع أميركي يسعى إلى إدارة هذه التوازنات بأقل تكلفة ممكنة.
لكن المعضلة التي تواجه واشنطن أن العراق ليس ساحة نفوذ تقليدية يمكن إعادة ترتيبها بقرار سياسي أو تفاهم إقليمي. فخلال العقدين الماضيين، تحولت شبكات النفوذ إلى جزء من بنية الدولة نفسها، وأصبحت المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية متداخلة بصورة تجعل أي محاولة لإعادة التوازن عملية طويلة ومعقدة.
وهنا تظهر أهمية سوريا في المعادلة.
فمن منظور جيوسياسي بحت، لا يمكن فصل مستقبل العراق عن مستقبل الممرات الممتدة عبر الأراضي السورية نحو المتوسط. كما لا يمكن فصل مستقبل سوريا عن التوازنات الأمنية والاقتصادية التي تتشكل شرقاً داخل العراق. ولهذا فإن التعامل مع البلدين كوحدة استراتيجية واحدة لم يعد خياراً أميركياً بقدر ما أصبح انعكاساً لطبيعة الصراع نفسه.
لكن ما يستحق التوقف عنده أكثر من أي تفصيل آخر هو أن واشنطن تبدو وكأنها تغير مفهوم القوة الذي حكم سياساتها لعقود.
في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ارتبط النفوذ الأميركي بفكرة الحضور المباشر: قواعد عسكرية، قوات على الأرض، وتدخلات واسعة النطاق. أما اليوم، فثمة تحول تدريجي نحو نموذج مختلف يقوم على إدارة الشبكات بدلاً من إدارة الأراضي، وعلى هندسة التوازنات بدلاً من السيطرة المباشرة عليها.
كلام أبسط، الولايات المتحدة لم تعد تبحث عن شرق أوسط تديره بنفسها، بل عن شرق أوسط يدير نفسه ضمن قواعد تمنع ظهور تهديدات كبرى لمصالحها.
وهذا التحول يفسر كثيراً من القرارات التي تبدو متفرقة للوهلة الأولى.
فدمج العراق وسوريا في ملف واحد، وتصاعد أهمية الممرات الاقتصادية، وتراجع الحماس للتدخلات العسكرية الكبرى، ومحاولات بناء ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، ليست أحداثاً منفصلة. إنها أجزاء من رؤية واحدة تتشكل تدريجياً.
رؤية تقوم على أن القرن الحادي والعشرين لن يُحسم بعدد الجيوش المنتشرة في الميدان، بل بالقدرة على التحكم بالعقد الجغرافية التي تمر عبرها التجارة والطاقة والتكنولوجيا والنفوذ.
ومن هذه الزاوية، يصبح توم باراك مجرد مؤشر على التحول، لا صانعاً له.
فالرجل قد ينجح أو يفشل، وقد تتغير الأسماء والإدارات، لكن الاتجاه الأعمق يبدو أكثر رسوخاً. الولايات المتحدة لا تعيد ترتيب العراق وسوريا فقط، بل تحاول إعادة تعريف المشرق كله باعتباره مساحة عبور بين مشاريع دولية وإقليمية متنافسة.
ولهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان باراك سينجح في مهمته، بل ما إذا كانت المنطقة نفسها تدخل مرحلة جديدة تنتقل فيها من صراعات تغيير الأنظمة إلى صراعات إعادة هندسة الممرات وموازين القوة.
فإذا كان العقدان الماضيان قد شهدا حروباً على من يحكم المنطقة، فإن العقد القادم قد يشهد صراعاً أكثر تعقيداً: صراعاً على كيفية تنظيمها، ومن يمتلك القدرة على رسم خرائط النفوذ التي تحدد شكل الشرق الأوسط لعقود مقبلة.


