تتسارع دقات قلب الاقتصاد العالمي مع كل ساعة تمر دون أن تطأ أقدام المفاوضين أرض إسلام آباد، حيث كان من المفترض أن تطلق الجولة الثانية من الحوار الإيراني الأمريكي رصاصة الرحمة على أزمة طاقة هي الأكبر في التاريخ الحديث. هذا الغموض “الممنهج” الذي يلف غياب الوفدين عن الموعد المحدد، ليس مجرد عائق لوجستي، بل هو انعكاس لرقصة “حافة الهاوية” التي تتقنها طهران؛ فبينما تلتزم الخارجية الإيرانية صمتاً دبلوماسياً مشوباً بالدهاء عبر نفيها علمها بموعد سفر أي وفد، تدرك واشنطن أن هذا الموقف هو “فيتو” سياسي يرفض المقايضة تحت ضغط الحصار.
إن استجابة دونالد ترامب المفاجئة لطلب تمديد الهدنة لأسبوعين إضافيين لم تكن “منحة”، بل كانت “ضرورة” أملتها تقارير استخباراتية غربية تشير إلى أن طهران لم تكشف بعد عن كامل أوراقها في مياه الخليج، وأن أي انهيار للمسار السياسي قد يحول مضيق هرمز من “ممر مائي” إلى “منطقة عمليات” لا تستطيع سلاسل الإمداد العالمية تحمل تبعاتها. بل يُبنى عبر الاعتراف بمصالح الدولة التي تملك مفاتيح هذا الشريان الحيوي.
لقد انتقلت الأزمة اليوم من لغة الخسائر اليومية المباشرة إلى مرحلة “التهديد الوجودي” لاستقرار الغذاء والطاقة في القارات الخمس؛ فالعالم الذي يراقب بقلق سعر برميل النفط وهو يلامس عتبة الـ 120 دولاراً، يواجه الآن واقعاً أصعب يتمثل في شلل قطاع الأسمدة والبتروكيماويات الذي تسيطر إيران على ثلث إمداداته العالمية. وفي حين يراهن البيت الأبيض على عامل الوقت لإنهاك الاقتصاد الإيراني، بل يُبنى عبر الاعتراف بمصالح الدولة التي تملك مفاتيح هذا الشريان الحيوي.
أثبتت الأيام الأخيرة أن طهران نجحت في تحويل “الحصار المزدوج” إلى ضغط عكسي يضرب المصالح الغربية في الصميم : حيث بدأت آثار نقص “اليوريا” والميثانول تلوح في أفق الصناعات الأوروبية والأمريكية على حد سواء. إن تمديد الهدنة، رغم غياب المفاوضين، هو اعتراف ضمني بمرونة الموقف الإيراني وقدرته على المناورة في المربعات الضيقة، مما وضع إدارة ترامب أمام حقيقة لا مفر منها: أمن الممرات المائية لا يمكن شراؤه بالتهديد، بل يُبنى عبر الاعتراف بمصالح الدولة التي تملك مفاتيح هذا الشريان الحيوي.
ثمن الصمت هنا ليس دبلوماسياً بل تسعيرياً: كل يوم تمر دون رد إيراني يرفع علاوة المخاطر على نفط الخليج بما يعادل 0.8 دولار للبرميل. إدارة ترامب تدفع الآن ثمناً يومياً قدره 1.2 مليار دولار مقابل “هدنة بلا مفاوضين”، وهو أضعاف ما كانت ستدفعه لو اعترفت مبكراً بحتمية التفاوض مع من يملك مفاتيح المضيق. باختصار: كسر صمت الصواريخ أرخص من شراء صمت الدبلوماسية.
السؤال الذي يبقى عالقاً في أذهان المراقبين: هل يكسر الصمت الإيراني في الساعات القادمة جمود الطاولات، أم أننا أمام جولة جديدة من “الدبلوماسية الخشنة” لإعادة رسم توازنات القوى قبل التوقيع الكبير؟


