تولد الجريمة السياسية دائمًا مرتين؛ الأولى حين يرتد الرصاص في صدر الضحية، والثانية حين تحاول الأنظمة والسيناريوهات الجاهزة فرض صمت مطبق على مسرح الجريمة، رغبةً في كتابة تاريخ مبتور يصنعه المنتصر. في هذا الفضاء الرمادي، لا يعود الأدب ترفاً جمالياً، بل يتحول إلى محكمة بديلة، وإلى أداة القصاص الوحيدة المتاحة للضحايا. إن “الحكاية” هنا ليست مجرد استرجاع عاطفي للماضي، بل هي فعل سياسي بامتياز، ومقاومة واعية ضد “المحو” الممنهج الذي تمارسه القوى الكبرى وصنّاع الحروب.
حين تتأمل وجوه العابرين في مدن اللجوء أو المنافي، تلتقي بتلك العجوز الفيتنامية التي تحمل حرباً كاملة في ذاكرتها، أو تستحضر فظائع الحرب الأهلية في كولومبيا التي دمرت ملايين الحيوات بإشراف وهندسة دولية عابرة للقارات. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات الحروب، بل هم نصوص حية سُرقت أعمارهم في غفلة من العالم. اللص في الحالتين واحد: آلة الحرب الإمبريالية والأنظمة الوظيفية التي تُتقن صناعة الفوضى وتحويل النزاعات المحلية إلى مسالخ بشرية، ثم تغادر المسرح تاركةً الضحايا يواجهون وزر أخطاء لم يرتكبوها، ومناخاً عاماً مشحوناً بالخطأ لا يمكن لأحد الخروج منه ناصع البياض.
هذا التداخل المعقد بين الفردي والسياسي، هو ما جعل الفيلسوف الفرنسي ريكور يتحدث عن “الذاكرة العادلة”؛ تلك التي ترفض النسيان المفروض قسراً من السلطة. وفي سياق مشابه، يبرز مفهوم غابرييل غارسيا ماركيز في “مئة عام من العزلة” حول “مرض النسيان” الذي أصاب قرية ماكوندو، حيث تلاشت أسماء الأشياء وتاريخ المجازر، ولم ينقذهم سوى لافتات صغيرة أعادت ربطهم بالواقع. الكتابة الادبية هي تلك اليافطة التي تمنع تلاشي الحقيقة، تماماً كما فعل الروائي الألباني إسماعيل كاداري في “جنرال الجيش الميت”، حيث تتبدى وحشية الحرب وعبثيتها من خلال التنقيب في بقايا العظام والذكريات المنسية تحت التراب. ثم تغادر المسرح تاركةً الضحايا يواجهون وزر أخطاء لم يرتكبوها، ومناخاً عاماً مشحوناً بالخطأ لا يمكن لأحد الخروج منه ناصع البياض.
إن محاكمة الإنسان من ظاهر سلوكه وسط بيئة مشوهة ومضطربة هي ذروة الغباء والظلم؛ فالمرء في زمن الصراعات الكبرى يعيش تمثيلاً منهكاً للأدوار، ويرتدي أقنعة تفرضها طاقة الدفاع عن البقاء. لذا، فإن السرد الصادق يفكك هذه الأقنعة ويدخل في وحل التفاصيل ليعيد بناء النسيج المعقد الذي ولدت فيه تلك المواقف. إن غياب “الخيال الأدبي” لدى الطغاة والجلادين هو ما يمنعهم من إدراك حقيقة أن عجلة التاريخ دوّارة، وأن القسوة ترتد يوماً على فاعلها.
في النهاية، تزول الممالك، وتتفكك الإمبراطوريات، ويموت الجنرالات المهندسون للخراب، وتنطفئ الأعمار كأعواد ثقاب في عتمة التاريخ. لن يبقى في الفراغ سوى السرد؛ الحكاية التي نزرعها كحبة قمح لتتحول إلى حقل سنابل من الوعي، ليكون الفضح والتعرية هما القصاص الأخير والعدالة المؤجلة التي لا تموت.


