جلست لأستمع إلى غدي فرنسيس، وهذه المرة ليس كصحفي يفكك تصريحاً، بل كمستمع يقتفي أثر النبض. كان حواراً طويلاً، متحفزاً، ينفجر في وجه الركود اللبناني كقذيفة غاضبة. بعد أن انطفأت الشاشة، وتركت كلماتها تترسب في داخلي كقهوة تركية ثقيلة، أدركت أنني لم أكن أمام مجرد محللة سياسية تتقن لعبة “التوك شو”، بل أمام فارسة جوادها العنفوان، امرأة تقاوم بوجودها الصاخب، وتصنع من الحقيقة مواجهة يومية.
في مسيرتها الميدانية الممتدة من خطوط النار في سوريا إلى قرى الحافة الأمامية في جنوب لبنان، لم تختبئ غدي يوماً خلف الكواليس، ولم تطرح الفرح كرفاهية شاعريّة. فرحها من نوع آخر: إنه فرح المواجهة، واكتفاء المرء بأنه قال الحقيقة كاملة في زمن الصمت المتواطئ. هذا الكبرياء المتقد هو الذي يجعل من نبرتها فريدة، فلا هي تترجى نصرةً، ولا هي تستجدي عطفاً؛ بل تهاجم بوعي صلب وجرأة لا تعرف المواربة.
لكن اسمعها اليوم تتحدث عن الجنوب؛ عن الشهيدة أمل خليل، وعن رؤساء بلديات يستميتون لبناء الدولة بينما “الدولة” تدير ظهرها لهم. أين الفرح في هذا الركام؟ ربما يكمن في ذلك العنفوان ذاته، في تلك القدرة العجيبة على البقاء واقفاً بكرامة وسط النيران.
هي مسيحية، وهذا المعطى لا يهم في الحسابات الإنسانية إلا بقدر ما يمنح كلامها عن المقاومة فرادة وجرأة تفكك القوالب الطائفية الجاهزة. لم تتحدث بلغة خشبية؛ لم تقل “حزب الله” كجهة حصرية، بل قالت: “المقاومة فعل، وكلنا مقاومة بطريقتنا”. هنا تجلت فروسيتها الخاصة: الإيمان بالوطن ليس تنظيراً بارداً، بل هو انحياز غريزي وشجاع للأرض.
ما أدهشني في حواريتها هو ذلك العبور السلس والذكي بين التحليل الجيوسياسي المعقّد — من مضيق هرمز وباب المندب إلى كواليس الصفقات الإقليمية والدولية — وبين الشهادة الإنسانية الحية عن أهالي عيتا الشعب وبنت جبيل وبيت ليف. تقول بنبرة تقطر واقعية: “اسأل ابن بيت ليف إذا كان يحب أن يُهدم بيته”. إنها لا تترك للحزن أو للسياسة أن يصيرا مجرد نظريات فوق الطاولة؛ إنها تنزل بالتحليل إلى مستوى التراب والناس، ممتطيةً صهوة منطقها الشرس والواضح.
وهنا تبرز المفارقة التي تثير الإعجاب والصدمة معاً في ثقافة سياسية قائمة على التبعية العمياء. في زمن الخنادق الضيقة، حيث يُصنف المرء إما مع السلاح أو ضد الدولة، جاءت غدي لتكسر المحرمات وتصرخ: “مشكلتي مع حزب الله ليست تشددهم، بل تراخيهم في السياسة الداخلية”. هذا النقد الشجاع من موقع الانتماء للمشروع المقاوم يُعد “جريمة” في عرف القبائل السياسية، لكنه يمثل ذروة العنفوان اللبناني الذي يرفض السقوف والخطوط الحمر.
أثناء الاستماع، سألت نفسي: لماذا كل هذا الغضب المتقد الذي يلفظ الكلمات كشظايا؟
ثم فهمت: إنه غضب العارف الذي رأى الميدان بعينيه. إنه حب شرس لا يحتمل رؤية أطفال الجنوب يُشرّدون، أو نخب البلد تُغتال، أو “مسؤولين” يتصرفون ببرود الكاميرا أمام فظاعة العدوان.
أجمل ما في مرافعتها كان تشريحها للمأساة اللبنانية عبر بوابة رؤساء بلديات الجنوب؛ إذ قالت ما معناه إن انكبابهم على العمل في غياب الإمكانيات يعكس كم يحبون الدولة، لكنها دولة لا تريدهم. إنه الحب أحادي الجانب بين شعب حي ونظام ميت.
تنهي حواريتها بيقين قاطع، لا مكان فيه لليأس أو الأوهام: “ما في حدا بلبنان ما كان يعرف إنه في مواجهة جاية”. المعركة فرض عين، والخيار لم يعد يحتمل الرمادية: إما حرب تجرح توازن الرعب، أو هدنة يقرر شروطها من دفع الدم في الميدان.
غدي فرنسيس في ظهورها الأخير لم تقدم تحليلاً سياسياً نخبويّاً، بل قدمت مرآة صقيلة لوطن لا يعرف كيف يفرح إلا إذا انتصر، ولا يعرف كيف ينتصر إلا إذا قدم أغلى ما يملك. ورغم كل هذا الظلام والدمار، تمنحنا طروحاتها الجريئة فرصة فريدة: فرصة لنصدق أن هنالك في هذا البلد من يملك الشجاعة ليسمي الأشياء بأسمائها دون خوف، وأن الكلمة الحرة، متى ما قادها العنفوان، تكون هي السلاح الأقوى في وجه الزيف.


