بالونات الاختبار السياسي.. وتطبيع الفتوى بالتبعية

بالونات الاختبار السياسي.. وتطبيع الفتوى بالتبعية
في حدود 40 كلمة: ينتقد الكاتب ما يراه تناقضاً بين شعارات السيادة والاستقلال وبين ممارسات بعض القوى السياسية العراقية، متسائلاً عن حقيقة ملفات الفساد والديون والتبعية الخارجية. ويطرح سلسلة أسئلة حول دور الأحزاب والحكومة والقضاء في حماية السيادة ومنع ارتهان مستقبل العراق سياسياً واقتصادياً...

شهدت الساحة الإعلامية والسياسية العراقية مؤخراً منعطفاً بالغ الخطورة يمس جوهر الهوية الوطنية والسيادة الدستورية؛ حيث خرج السياسي والإعلامي والمحلل الأستاذ فتاح الشيخ عبر وسائل الإعلام الفضائية ليطلق تصريحاً صارخاً وصف فيه دولة جارة بأنها “تاج لرأس كل العراقيين”. إن هذا التصريح، بما يحمله من رمزية ودلالات، لا يمكن التعامل معه كمرور عابر أو مجرد رأي شخصي معزول في مقهى؛ بل إنه يرتقي إلى مرتبة “الفتوى السياسية بالتبعية الكاملة”، ويضع المنظومة الحاكمة بأسرها—بتياراتها، وحكومتها، ومشرعيها—تحت مجهر المساءلة والمكاشفة الوطنية.
​إن التساؤل الأول والأكثر إلحاحاً يتوجه مباشرة إلى قيادة التيار الوطني الشيعي، أو التيار الصدري، الذي يُحسب الأستاذ فتاح الشيخ ضمن فضائه السياسي والإعلامي ومن المقربين من أدبياته؛ فلطالما بنى هذا التيار شرعيته وجماهيريته على شعارات القرار العراقي المستقل ورفض التبعية شرقاً أو غرباً، والسؤال هنا ما هو الموقف الرسمي الحقيقي والعلني لقيادة التيار من هذا التصريح الهجين الذي يصف الخارج بالتاج فوق رؤوس العراقيين؟ ألا يمثل السكوت عن هذا الكلام صك غفران وتماهياً ضمنياً مع ذات الأجندات الإقليمية التي طالما انتقدها التيار لدى خصومه؟ وهل تحولت الشعارات السيادية السابقة إلى جثة هامدة تُستخدم للاستهلاك الانتخابي والضغط التكتيكي، أم أن هناك مواقف حازمة ستصدر لتعيد الأمور إلى نصابها وتثبت للشارع العراقي أن المبادئ لا تتجزأ؟
​ويتسع نطاق التساؤل ليصل إلى الحكومة العراقية والأحزاب التي شكلتها، لنكشف عن تلك الفجوة والازدواجية المقيتة بين العلن والباطن؛ ففي العلن تذهب الحكومة باتجاه المحور الدولي والأمريكي وتعلن التزامها بحصر السلاح بيد الدولة وهيكلة الفصائل ومؤسسات الحشد الشعبي تماشياً مع الإملاءات الخارجية وضماناً للمصالح المالية، بينما تضمر الأحزاب في باطنها انضواءً تاماً تحت التوجيه الإيراني، فهل أصبح هؤلاء السياسيون والمحللون مجرد أدوات لتوزيع الأدوار وتمرير الرسائل الباطنية؟ وهل يمثل هذا التصريح بالون اختبار وجس نبض للشارع العراقي وقاعدة التيار لتطويع العقل الجمعي، وقياس مدى مرونته وقابليته للقبول بقرارات التبعية اللاحقة دون حرج؟
​وإذا تركنا السجال السياسي جانباً وارتأينا الاحتكام إلى الدولة ومؤسساتها، فإن التساؤل القانوني والدستوري يصبح حتمياً؛ فكيف تنظر القوانين والمشرع العراقي إلى خطاب يُملّك دولة جارة زمام الأمور ومقدرات وحياة العراقيين بالكامل تحت مسمى “التاج”؟ إن المادة الأولى من الدستور العراقي النافذ تؤكد بوضوح وبشكل قاطع أن العراق دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وبناءً على هذا، ألا يمثل الترويج للتبعية المطلقة انتهاكاً صارخاً لأسس الدستور وقانون العقوبات العراقي الذي يُجرم المساس باستقلال البلاد وسيادتها؟ وأين هو دور جهاز الادعاء العام العراقي بوصفه حامياً للحق العام وممثلاً للشعب؟ لماذا يقف صامتاً دون تحريك دعاوى قانونية وتطبيق العدالة بحق كل من يستغل المنابر الفضائية لعرض السيادة العراقية في مزادات المحاور الإقليمية؟
​إن محاولات القوى السياسية المتحكمة لترويض الشارع العراقي وإيصاله إلى مرحلة الخنوع والرضا بالتنازل التدريجي عن سيادته ومقدراته، تحت ذريعة الاستقطاب والحروب الإقليمية بين إيران وأمريكا وإسرائيل، هي محاولات تراهن على وهم واهٍ؛ فقد تظن الأحزاب أنها أَمِنَت ردود الفعل الشعبية بفعل سلطة النفوذ أو المال، إلا أن حقيقة الأمر مغايرة تماماً، فهذا التصريح وما شابهه من سقطات سياسية وإعلامية لا يذهب هباءً منثوراً، بل يتحول بفعل الوعي الشعبي على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي كمنصة تيك توك ومقاطع الفيديو المتداولة إلى أدلة إدانة واضحة وموثقة تعمق عزل هؤلاء السياسيين وتسقط مصداقيتهم. إن الذاكرة العراقية حية والجماهير الواعية ترفض منطق تبعية العراقيين بعراقهم لأي سيد أو تاج خارجي، وستبقى عراقة الرافدين وسيادتها هي التاج الوحيد الذي يرتضيه أبناء هذا البلد فوق رؤوسهم، وعلى المنظومة السياسية أن تعي جيداً أن الصمت لم يعد خياراً مقبولاً، وأن الإجابة على هذه التساؤلات الدستورية والوطنية هي استحقاق لا يمكن التهرب منه.

2 حزيران 2026
التساؤل التاسع: ما هي المرتكزاتُ الحقيقيةُ وراءَ تقديمِ بعضِ الملفاتِ أو الشخصياتِ الثانويةِ كـ”أكباشِ فداءٍ” في هذا التوقيتِ؟ هل يعكسُ ذلكَ نزاهةَ عملٍ مستجدةً واستحياءً من الشارعِ العراقيِّ، أم أنَّه تكتيكٌ إعلاميٌّ براغماتيٌّ لامتصاصِ الغضبِ الشعبيِّ وإشغالِ الرأيِّ العامِّ؟
​التساؤل العاشر: بما أنَّ اللجانَ والدوائرِ الرقابيةِ والتحقيقيةِ (أجهزةِ المدخلاتِ والمقدماتِ) مشكلةٌ وفقَ نظامِ المحاصصةِ الحزبيةِ ذاتِه منذُ سنواتٍ، فلماذا نشطتْ في تقديمِ ملفاتِها الآنَ حصراً؟ ألا يثبتُ هذا النشاطُ المفاجئُ وجودَ “صنبورٍ سياسيٍّ” يُفتحُ ويُغلقُ بناءً على بورصةِ التهديداتِ والمصالحِ الحزبيةِ؟
​المحور السادس: حصانة القضاء والتحكم بالعدالة الإجرائية
​التساؤل الحادي عشر: إذا كانَ القانونُ يوجبُ على القاضي النزيهِ أنْ يحكمَ بـ”اليقينِ القضائيِّ المستمدِ من الأوراقِ والأدلةِ الثبوتيةِ” ويحظرُ عليهِ الحكمَ بعلمِه الشخصيِّ، فكيفَ توظفُ الأحزابُ هذا المبدأَ المقدسَ؟ هل يتمُّ إفراغُ ملفاتِ كبارِ الفاسدينَ والنافذينَ من أدلتِها الجوهريةِ قبلَ وصولِها للمحكمةِ لإجبارِ القضاءِ—بقوةِ القانونِ—على إصدارِ أحكامِ التبرئةِ؟
​التساؤل الثاني عشر: بناءً على ذلكَ، هل الخللُ يكمنُ في ساحةِ القضاءِ العراقيِّ، أم في “مطابخِ إعدادِ الأدلةِ” والدوائرِ التنفيذيةِ والرقابيةِ التي تملكُ سلطةَ الانتقاءِ، والتوقيتِ، والمنعِ، والتقديمِ؟
​المحور السابع: الهندسة المالية للديون وتقييد السيادة المستقبلية
​التساؤل الثالث عشر: ما هي الأبعادُ الحقيقيةُ وراءَ ما يُشاعُ عن رغبةِ الحكومةِ في اقتراضِ مبالغَ ضخمةٍ تتجاوزُ عشراتِ الملياراتِ من الدولاراتِ من صندوقِ النقدِ الدوليِّ والمجتمعِ الإقليميِّ والدوليِّ لتغطيةِ عجزِ الموازنةِ والنفقاتِ الجاريةِ؟ وهل تندرجُ هذهِ “الفسحةُ والمباركةُ الحزبيةُ” لرئيسِ الحكومةِ المصرفيِّ في إطارِ الاستغلالِ الوظيفيِّ لعلاقاتِه الماليةِ لتمريرِ صفقاتِ اقتراضٍ بهذا الحجمِ؟
​التساؤل الرابع عشر: هل يمثلُ الضوءُ الأخضرُ الممنوحُ للحكومةِ للاستدانةِ الملياريةِ مجردَ حلٍّ اقتصاديٍّ مؤقتٍ، أم أنَّه تكتيكٌ استراتيجيٌّ خطيرٌ من قِبلِ الأحزابِ المتحكمةِ لـ”تكبيلِ مستنداتِ الدولةِ” ورهنِ قرارِها السياديِّ والاقتصاديِّ لعقودٍ طويلةٍ قادمةٍ؟
​التساؤل الخامس عشر: ألا تؤدي هذهِ القروضُ الطائلةُ بالنتيجةِ إلى صناعةِ “شرَكٍ ماليٍّ ممتدٍ للأجيالِ”، بحيثُ يصبحُ انعتاقُ الشعبِ العراقيِّ أو أيِّ سلطةٍ وطنيةٍ مستقبلاً من هيمنةِ تلكَ الأحزابِ أمراً شبهَ مستحيلٍ، نظراً لأنَّ الدولةَ ستبقى لعشراتِ السنينَ مقيدةً بالتزاماتِ وإملاءاتِ وشروطِ الدولِ والمنظماتِ الدائنةِ؟ ومن المستفيدُ الحقيقيُّ من جنيِّ الأموالِ وصرفِها اليومَ مقابلَ تركِ الفاتورةِ السياديةِ الباهظةِ في ذمةِ مستقبلِ العراقِ والعراقيينَ؟
​المحور الثامن: الرفض المجتمعي لمشاريع التكبيل وضرورة البدائل الداخلية
​التساؤل السادس عشر: إذا كانتْ ثرواتُ العراقِ الداخليةِ ومقدراتُه الهائلةِ قادرةً—إنْ أُديرتْ بنزاهةٍ وإرادةٍ وطنيةٍ—على تحقيقِ التنميةِ الذاتيةِ وسدِّ كافةِ النفقاتِ، فلماذا تصرُّ الأحزابُ المتحكمةُ على الذهابِ نحو “الديونِ الخارجيةِ” كحلٍّ أسهلَ؟ هل الهدفُ هو قبضُ أثمانِ تلكَ القيودِ الملياريةِ وتوظيفُها لتمشيةِ مصالحِها، وتركُ المواطنِ العراقيِّ مثقلاً بتبعاتِها؟
​التساؤل السابع عشر: من موقعِ المسؤوليةِ الوطنيةِ وتفكيكِ الواقعِ، ألا يُعدُّ رفضُ النخبِ والمجتمعِ العراقيِّ لهذهِ المشاريعِ الملياريةِ واجباً لحمايةِ مستقبلِ البلادِ من الهدرِ والتبعيةِ؟ ولماذا لا تعي الحكومةُ المكلفةُ أو قوى الظلِّ التي تحركُها ضرورةَ إبرازِ الثرواتِ الحقيقيةِ الكامنةِ في الداخلِ العراقيِّ (كالزراعةِ، والصناعةِ، والمنافذِ، والضرائبِ، وإيقافِ الهدرِ والفسادِ المستشري) لتكونَ هي الأساسَ المتينَ للتنميةِ المستدامةِ بدلاً من رهنِ الإرادةِ العراقيةِ للخارجِ؟
​المحور التاسع: المغالطة الكبرى واستحالة الانتحار الحزبي
​التساؤل الثامن عشر: هل من الممكنِ بنيوياً أو عقلانياً أنْ تمنحَ الأحزابُ المتحكمةُ بمقدراتِ السياسةِ والاقتصادِ والأمنِ أدواتٍ حقيقيةً للحكومةِ أو للمجتمعِ الدوليِّ تؤدي إلى إنهاءِ وجودِها ونفوذِها المسلحِ والماليِّ؟ ألا تمنعُ غريزةُ البقاءِ أيَّ منظومةٍ سياسيةٍ من الانتحارِ الذاتيِّ؟
​التساؤل التاسع عشر والأخير: ألا يمثلُ ترويجُ بعضِ الباحثينَ والمدونينَ ومن يَدَّعونَ الوطنيةَ بأنَّ بيانَ الإطارِ هو “أجندةٌ حكوميةٌ خالصةٌ” صاغتْها الحكومةُ لتثبيتِ الأسسِ الصحيحةِ للدولةِ، “مغالطةً كبرى” تتجاهلُ حقيقةَ أنَّ الفسحةَ الممنوحةَ لرأسِ الحكومةِ هي مساحةٌ وظيفيةٌ مؤقتةٌ، سقفُها ينتهي بمجردِ جنيِّ الأثمارِ الدوليةِ وتأمينِ بقاءِ واستمراريةِ المنظومةِ الحزبيةِ الحاكمةِ؟
​خاتمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *