نحاول هنا ومن خلال القاء الضوء على بعض المعطيات الحساسة ، الوقوف على رؤية استشرافية لمآلات التجاذبات والتقاطعات الحاصلة في الاطار التنسيقي ، بشأن تسمية رئيس الوزراء وفقاً للمرتكزات الذهنية
وانطباعات المراقبين والجمهور القريب منهم وهي على النحو الآتي ؛
اولا: يرى المراقبون أن فرض الإرادة داخل الإطار التنسيقي، من أي طرف كان، قد يحقق ربحًا تكتيكيًا مؤقتًا، لكنه في المقابل يُفضي إلى خسارة استراتيجية كبرى قد تصل إلى حدّ تفكك الإطار مستقبلا .
ثانيا: لا يمكن إقناع جماهير الإطار التنسيقي بأن التباينات بين أقطابه ناجمة عن تغليب مصلحة البلد أو عن اختلافات أيديولوجية عميقة، قائمة على قناعات حقيقية ورغبة في تطبيق رؤى فكرية وعقائدية رصينة.
ثالثا: يميل الجمهور إلى تفسير هذه الخلافات على أنها صراعات تحكمها المصالح الحزبية، خصوصًا في ظل طبيعة التحالفات التي نسجتها أطراف الإطار مع مكونات أخرى.
رابعا: قد يُصاب جمهور الإطار بحالة من اليأس والإحباط نتيجة تراجع روح الإيثار لدى عدد من قياداته، والشعور بأن بعض الزعامات باتت تميل إلى منطق الثأر أكثر من منطق التضحية والعمل المشترك.
خامسا: سيتلاشى الانطباع السائد بأن الخلافات داخل الإطار تقوم على أساس الانحياز لمحاور خارجية (كالولايات المتحدة أو الجمهورية الإسلامية)، إذ تشير الوقائع الحالية إلى أن هذه التقاطعات لا صلة لها بهذا الاستقطاب بشكل مباشر.
سادسا: يمكن القول إن الإطار التنسيقي يكاد يخلو من جهة واضحة تمثل رؤية الجمهورية الإسلامية، في مقابل حضور أكثر وضوحًا لتأثيرات الإرادة الأمريكية في هذا السياق.
سابعا: يعتقد كثير من المراقبين أن من أبرز أسباب تعقيدات مشهد اختيار رئيس الوزراء هو سعي بعض الأطراف إلى تطبيق مفهوم “الإزاحة الجيلية”، لكن بروح يغلب عليها الطابع الانتقامي.
ثامنا: تشير المعطيات الواقعية إلى ضرورة إعادة تنقية الإطار التنسيقي، ومعالجة ظاهرة “التفريخ القيادي”، تفاديًا لظهور عدد كبير من القيادات التي أفرزتها أجواء السلطة أكثر مما أفرزتها الكفاءة السياسية.
تاسعا: خرق المدد الدستورية قربانا لتغليب إرادة طرف على حساب طرف آخر، يعكس طغيان الروح الحزبية على حسابات الحفاظ على العملية السياسية وأسسها الدستورية.
في هذا السياق، لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد تعثر في آليات اختيار القيادة التنفيذية، بل انعكاسًا لاختلال أعمق في بنية الحوكمة السياسية داخل الإطار التنسيقي. فحين تُختزل معايير الاختيار في موازين القوة لا في معايير الكفاءة، تتآكل شرعية القرار حتى قبل صدوره. كما أن الاستمرار في إدارة الخلافات بمنطق الغلبة يُقوّض القدرة على إنتاج تسويات مستدامة، ويُبقي النظام السياسي في حالة عدم يقين مزمن. والأخطر من ذلك، أن تآكل الثقة بين الفاعلين أنفسهم ينعكس مباشرة على ثقة الجمهور بالعملية السياسية برمتها. من هنا، فإن أي مخرج حقيقي يمر حتمًا عبر إعادة تأسيس قواعد التوافق على أسس مؤسسية لا شخصية.
عاشرا:- في ظل النزاعات والخصومات القائمة داخل الإطار التنسيقي حول منصب رئاسة الوزراء، يبدو المشهد أقرب إلى محاولة فرض شروط المنتصر، وليس إلى عملية توافق سياسي حقيقية.


