توصل المحللون السياسيون الذين يشتغلون بالقطعة والساعة في غرفة أخبار قناة الجزيرة القطرية وقنوات وصحف عراقية كثيرة إلى وضع ثلاثة سيناريوهات محتملة سيؤول إليها الوضع بعد فشل الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد؛ السيناريوهان الأول والثاني هما من قبيل الإجابة على السؤال الشعبي الفكه “ماذا ستلد الفرس الحبلى؛ إما مهرا أو مهرة! ولن يغامر أحد طبعا بأن يقول إنها ستلد سلحفاة. فالسيناريو الأول يتمثل في العودة إلى المفاوضات تحت الضغط والثاني العودة الحرب والتصعيد العسكري أما السيناريو الثالث الذي تفتق عنه ذهن الكاتب المحلل فهو لا هذا ولا ذاك، بل “إنهاء الحرب دون اتفاق” بمعنى ستبقى الفرس حبلى إلى ما شاء الله! وهذا الاحتمال شبه مستحيل لأنه يقفز على الضغوط المتولدة من إغلاق هرمز وربما باب المندب قريبا على الاقتصاد العالمي ككل وخاصة الغربي والأميركي دع عنك ضغوط اقتراب الانتخابات الأميركية النصفية في تشرين الثاني القادم والتي قد تحول ترامب إلى “بطة عرجاء” بمفردات المعجم السياسي الأميركي أو تقصيه من البيت الأبيض تماما.
ولكن ترامب عاجل الجميع بفكرة لم تخطر على بال محللي الجزيرة وهي أن يفرض حصارا مضاعفا (أو حصارا على الحصار كما قال صحافي بريطاني متهكما) على مضيق هرمز ويمنع إيران من الاستيراد والتصدير فكان كمن يطلق النار على قدمه ببطولة!
يوم الثلاثاء، 14 نيسان، سارعت الصين بعد تصريح ساخن لخارجيها وصفت فيه الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية بأنه “خطير وغير مسؤول”، محذرة من تداعياته على الاستقرار الإقليمي سارعت إلى تحويل حصار ترامب إلى لا شيء، بخرق هذا الحصار أمام انظار مدمرات وبوارج ترامب فعبرت المضيق سفينتهم الأولى الناقلة “ريتش ستاري” تعد أول سفينة تعبر المضيق وتغادر الخليج منذ بدء تطبيق الحصار وهي محملة بـ 250 ألف برميل من الميثانول (أحد مشتقات النفط). ومما له دلالته أن هذه السفينة ومالكها، شركة “شنغهاي شوانرون للشحن المحدودة”، تخضع أصلا لعقوبات أمريكية بسبب التعامل مع إيران قبل الحرب. ثم ظهرت ناقلة صينية أخرى خاضعة للعقوبات أيضا، تحمل اسم “مورليكيشان”، دخلت مضيق هرمز أيضا اليوم الثلاثاء 14 نيسان -أبريل، مع توقعات بتحميلها زيت الوقود من العراق بعد غد الخميس. وكانت هذه الناقلة، المعروفة سابقا باسم “إم كيه إيه”، قد شاركت في نقل نفط من روسيا وإيران خلال فترات سابقة. وتتابع مرور السفن التجارية بعد ذلك مرت من المضيق حتى بلغ عددها حسب تحليل حركة الملاحة العالمية المستقلة 14 سفينة شحن /الصورة. وارتفع عدد السفن لاحقا إلى 20 سفينة كما قالت قناة روسيا اليوم قبل دقائق، وهكذا وتحول حصار ترامب إلى نكتة سمجة.
أما البحرية الإيرانية التي قال ترامب بأنه قضى عليها نهائيا وإن الزوارق الإيرانية البالغ عددها 28 ترقد أيضا في قاع البحر كما قال ترامب قد ظهرت من العدم –كما قال سكوت ريتر وخاطبت مدمرتين أميركيتين بأنهما في منطقة خطرة وعليهما الانسحاب قبل أن يتم استهدافهما خلال 30 دقيقة، فرد البحارة الأميركيون في البارجتين عليها بالقول المتوسل إنهم في المياه الدولية في مهمة سلمية ولا يتحديان أحداً وملتزمتان بوقف إطلاق النار الذي أعلنته حكومتهما ثم انسحبتا نحو ميناء الفجيرة الإماراتي الذي جاءتا منه.
لاحقا، تأكد أن الهند سبقت الصين إلى الحضور العسكري المرافق لسفنها لحمايتها من تهديدات البحرية الأميركية فقد أظهرت بيانات ملاحية وصور أقمار اصطناعية تموضع سفينة حربية هندية في خليج عمان، في خطوة تعكس اهتماما متزايدا بتأمين خطوط الإمداد البحرية، خاصة مع اعتماد الهند الكبير على واردات الطاقة عبر هذا المسار. هذا التطور سيشجع دولا أخرى على إرسال سفنها الحربية لا لفتح المضيق بالقوة كما توسل ترامب بل لحماية سفنها من الاعتداءات الأميركية المحتملة.
الإنجاز الوحيد للبحرية الأميركية أنها زعمت منع سفينة تحمل العلم الإيراني من عبور المضيق، وهذا الخبر لم يتأكد من جهات مستقلة حتى الآن.
أما عن التطورات السياسية البحتة فقد تأكد أيضا ما كنا توقعناه في مقالة سابقة قبل ثلاثة أيام من احتمال العودة إلى جولة جديدة من المفاوضات حيث كتبت: “وعليه أتوقع أن تكون هناك جولة أخرى من التفاوض فليس هناك من بديل أمام ترامب غير العودة إلى القصف العبثي وارتكاب المزيد من جرائم الحرب في إيران من دون تحقيق نتيجة أفضل مما حققه حتى الآن”. ومما له دلالة خاصة هو ما قيل عن أن المفاوضات ستكون على مستوى الخبراء والمتخصصين وليس على مستوى القادة السياسيين. وهذه الدلالة تعطي الانطباع بأن الطرفين سيحاولان البناء على ما تم الاتفاق عليه في الجولة التفاوضية الأولى وتأجيل الخلافات الكبيرة بينهما. ولكن هذا الاحتمال لن ينفي تماما ونهائيا احتمال التصعيد العسكري الذي قد يلجأ إليه ترامب فهذا الشخص كما قلنا لا يمكن التنبؤ بتصرفاته المستقبلية كأي مريض نفسيا وعقليا.
. فماذا يحدث على الجبهة اللبنانية وخصوصا في الجنوب على جبهة عاصمة الانتصار وأميرة النار المقدسة “بنت جبيل”؟ هذا ما سنتوقف عنده بعد ساعات قليلة.


