على حافة الانفجار تبدأ المفاوضات

على حافة الانفجار تبدأ المفاوضات
تصعيد عسكري ومفاوضات خلفية عبر باكستان. توازن استنزاف بين ردع إيران وضغوط أمريكا يفرض طاولة الحوار. العقدة: السيطرة على اليورانيوم عالي التخصيب. المضيق ليس جغرافيا، بل ورقة تفاوض. لا حل شامل، بل إدارة مؤقتة للأزمة...

في ذروة التصعيد العسكري الأمريكي في مياه الخليج والبحر الاحمر، حيث تتكاثف المؤشرات على اقتراب المواجهة من حافة الانفجار، هناك مشهد يبدو متناقضاً ظاهرياً: حصار بحري، وتهديدات متبادلة، وارتفاع في منسوب التوتر… يقابله حديث عن مفاوضات وشيكة، وعودة إلى الطاولة عبر بوابة باكستان. لكن هذا التناقض ليس إلا الوجه الحقيقي لمرحلة دقيقة من الصراع، مرحلة لا تُدار فيها الأزمات عبر الحرب أو السلام، بل عبر المنطقة الرمادية بينهما.

الميدان يفرض الطاولة

المفاوضات التي يُقال إنها تُستأنف، لا تبدأ فعلياً من حيث توقفت، بل من حيث انتهت المواجهة الأخيرة. فقد خرجت إيران من جولة التصعيد دون انهيار، بل وقدّمت نموذجاً لصمود عسكري وسياسي، مستندة إلى قدرتها على التأثير في مضيق هرمز وما تمثله من ورقة ضغط حيوية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب ما تملكه من قوة صاروخية شكّلت عنصر ردع فعّال.

في المقابل، ورغم أن الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب نجحت في فرض بيئة ضغط خانقة، إلا أنها لم تحقق الحسم العسكري أو السياسي، بل وجدت نفسها أمام تحديات داخلية متصاعدة، سواء على مستوى الاستحقاقات السياسية المرتبطة بالانتخابات، أو الضغوط المرتبطة بكلفة التصعيد واستدامته.

هكذا يتشكل ما يمكن وصفه بــ “توازن الاستنزاف المتبادل”، إيران تفرض معادلة الردع والصمود، والولايات المتحدة تواجه حدود القوة وكلفة الاستمرار. وهنا تبدأ المفاوضات… لا كخيار ترفي، بل كـ “نتيجة مباشرة لإعادة توازن القوة على الأرض”، وكنقطة اضطرارية لكل طرف يسعى لإعادة تموضعه دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن التحكم بنتائجها.

العقدة المركزية

بعيداً عن الخطاب الإعلامي حول (تجميد التخصيب أو صفر تخصيب)، تكمن جوهر الأزمة في سؤال واحد: من يسيطر على اليورانيوم عالي التخصيب؟ هذا السؤال يتجاوز التقنية إلى الاستراتيجية. بقاؤه داخل إيران يعني بقاء عنصر الردع، وإخراجه يعني بداية تفكيك القوة التفاوضية. لهذا، فإن كل ما يُطرح حول مدد زمنية أو صيغ قانونية ليس سوى غلاف لمعضلة أعمق. من يملك مفاتيح التهديد في المرحلة القادمة؟

أسلوب ترامب: التصعيد كمدخل للتفاوض

ما يبدو تناقضاً في سلوك ترامب هو في الحقيقة جوهر عقيدته السياسية، الضغط إلى الحد الأقصى… ثم التفاوض من موقع التفوق النفسي. فالحصار ليس بديلاً عن التفاوض، بل تمهيد له، والتصريحات المتناقضة ليست ارتباكاً، بل أدوات مدروسة لرفع سقف التوقعات وإرباك الخصم.

غير أن هذا الأسلوب، الذي طالما قُدِّم بوصفه (فن الصفقة) بدأ يفقد فاعليته مع تكرار استخدامه. فقد تحوّل في نظر جزء واسع من الرأي العام العالمي إلى نمط متوقع أقرب إلى الاستعراض السياسي منه إلى استراتيجية مستقرة، ما أضعف أثره الردعي والنفسي.

الأخطر أن هذا النهج لم ينعكس فقط على الخصوم، بل امتد إلى الحلفاء، إذ وجد كثير منهم أمام سياسة متقلبة، تدفعهم إلى إعادة حساباتهم الاستراتيجية، والبحث والتفكير بتنويع الشراكات خارج الإطار التقليدي. فالتصعيد المتكرر المقرون بخطاب متناقض لم يؤدِّ فقط إلى زيادة الضغط على الخصوم، بل أسهم أيضاً في تآكل المصداقية السياسية، وهي الكلفة الأعمق لأي قوة تسعى لقيادة نظام دولي قائم على الثقة بقدر ما يقوم على القوة.

باكستان: منصة لا وسيط

اختيار باكستان ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل يعكس طبيعة المرحلة الدقيقة التي يُدار فيها الصراع. فإسلام آباد لا تمتلك أدوات فرض الحلول أو ضمان تنفيذها، لكنها تؤدي دوراً مختلفاً وأكثر هدوءاً. توفير مساحة تفاوض “منخفضة الضجيج”، تسمح بتمرير الرسائل وبناء التفاهمات بعيداً عن ضغط العواصم الكبرى وتعقيدات حساباتها.

هي ليست وسيطاً ضامناً بقدر ما هي منصة مرنة لإدارة التفاوض، أو ما يمكن وصفه بـ “غرفة عمليات خلفية”، تُصاغ فيها المقاربات الأولية قبل أن تتحول إن نجحت إلى اتفاقات معلنة على طاولات أكثر رسمية.

مضيق هرمز: الجغرافيا التي تفاوض

في قلب هذا المشهد، يقف مضيق هرمز كأكثر من مجرد ممر مائي، إنه عقدة استراتيجية تتقاطع عندها حسابات الحرب والسياسة والاقتصاد. بالنسبة إلى إيران، يمثّل المضيق أداة فعّالة لرفع كلفة الصراع عالمياً، عبر تهديد شريان الطاقة الذي لا يمكن للاقتصاد الدولي تحمّل تعطّله.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فيتحول المضيق إلى مبرر جاهز لإعادة التموضع العسكري وتعزيز الحضور البحري تحت عنوان حماية الملاحة الدولية.

وهكذا، لا يعود المضيق مجرد جغرافيا، بل يصبح فاعلاً غير مباشر في المفاوضات، تُدار عبره معادلة دقيقة بين أمن الطاقة وتوازن القوة، حيث تتحول كل سفينة تمر فيه إلى رسالة سياسية، وكل توتر على مياهه إلى ورقة تفاوض بامتياز.

التفاوض تحت النار

هذه ليست مفاوضات تقليدية تُدار في غرف مغلقة، بل عملية مركبة تتحرك على مستويين متوازيين: دبلوماسية على الطاولة، وضغط عسكري في الميدان. هنا لا يفاوض الدبلوماسي وحده، بل تدخل على خط التفاوض حاملات الطائرات، وحركة الأسواق، ومسارات الطاقة، لتصبح جميعها أدوات ضغط ورسائل سياسية بحد ذاتها. وفي ظل هذه التعقيدات، تتراوح الاحتمالات بين ثلاثة مسارات رئيسية:

أولاً: اختراق محدود يخفف التوتر دون أن يعالج جذور الأزمة.

ثانياً: اتفاق مرحلي يعيد ترتيب التوازنات ويؤجل الحسم.

ثالثاً: انفجار مؤجل يعيد الصراع إلى نقطة الصفر وربما إلى ما هو أبعد.

لكن، رغم اختلاف هذه السيناريوهات، يبقى القاسم المشترك بينها جميعاً واضحاً. أن الحل الشامل ما زال بعيد المنال، وأن ما يجري ليس تسوية نهائية، بل إدارة مؤقتة للأزمة تحت سقف التصعيد.

تشابك المسارات: من طهران إلى بيروت

لا يمكن فصل هذه المفاوضات عن بقية ملفات الإقليم، فهي ليست عملية ثنائية معزولة، بل جزء من شبكة معقدة من التفاعلات السياسية والأمنية. فالمسار اللبناني الإسرائيلي، والضغوط الأوروبية، والحسابات الخليجية، وحتى التوازنات مع الصين وروسيا، كلها تتداخل في صياغة الموقف التفاوضي وتحديد سقوفه.

لذلك، فإن الحديث عن “فصل المسارات” يبقى أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الواقع العملي. فالإقليم يعمل وفق منطق الترابط لا العزل، حيث تتقاطع الملفات وتؤثر في بعضها البعض بشكل مباشر أو غير مباشر.

ومن هنا، تصبح كل ورقة تفاوضية جزءاً من لعبة أوسع. ما يُطرح في طهران، يُختبر  في بيروت… وما يُحسم في الخليج، تُقرأ نتائجه في عواصم القرار الدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *