اعطى الباحث المحور الأول عنواناً (العقد الاجتماعي )وتحدث فيه من خلال ثلاثة مباحث الأول : مفهوم العقد الاجتماعي ويتحدث فيه عن تاريخ فكرة العقد الاجتماعي ويرجعها حسب أستاذ كتب فيها إلى العصور القديمة عند الفيلسوف الصيني (موتزو) في القرن الخامس قبل الميلاد ويتدرج فيها تاريخياً إلى ان يصل إلى القديس توماس الاكويني (1225-1275م) الذي تبنى وجهة نظر ارسطو في أصل الاجتماع ومنشأ الدولة وذلك لتأثره الكبير بهذا الفيلسوف اليوناني ، ثم يخلص السيد الباحث إلى ان محور نظرية العقد الاجتماعي يقوم على اساس اتجاهين الأول على أساس ان البشرية قد مرت قبل قيام الدولة بمرحلة أولية ، والثاني : يقوم على افتراض مفاده أن البشرية قررت ترك حالة الفطرة كان عليها ابرام (عقد اجتماعي )مهد الطريق لإقامة السلطة السياسية (الدولة )، أما نظرية العقد الاجتماعي بمفهومها الحديث يرجعها الباحث إلى الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز (1588-1679م) ثم يشرح مصطلح العقد لغة واصطلاحاً شرحاً وافياً ثم ينتهي إلى (ان مفهوم العقد الاجتماعي المبرم بين طرفين له صلة وثيقة بطبيعة تنظيم العلاقات التي تربط اعضاء المجتمع وفي الوقت نفسه هو يمثل الاتصال الرسمي الوثيق بين مجتمع الدولة من جهة والمجتمع التقليدي من جهة اخرى ، وفقاً لماهية الدستور وما ينطوي عليه من حقوق وواجبات )ص21
وينتقل الباحث إلى المبحث الثاني فيدرس فيه ابرز منظري نظرية العقد الاجتماعي، سائلاً في بداية بحثه سؤالاً مهماً هو :
كيف تنتقل السلطة من صاحبها الفعلي (الجماعة )إلى الحكام ليمارسونها ؟ وينقل الباحث اجابة اصحاب هذه النظرية بقولهم :
(إنّ السلطة قد انتقلت إلى الحكام بناء على (عقد) انتقل بمقتضاه الأفراد من الحياة الفطرية إلى حياة الجماعة بقصد اقامة السلطة الحاكمة ، ولكن أصحاب النظرية – نظرية العقد الاجتماعي – لم يتفقوا على صياغة واحدة لها بل اتخذ كل منهم تفسيراً معيناً وفقاً للأفكار والطروحات السياسية التي تبناها كل منهم ، وتنسب النظرية إلى كل من (هوبز ولوك وروسو)ص25.
بعدها يشرح السيد الباحث بحر العلوم نظريات العقد الاجتماعي عند توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو شرحاً وافياً يستطيع القارئ ان يأخذ فكرة عن (العقد الاجتماعي) .
وكان المبحث الثالث من المحور الأول للكتاب هو أوجه الاتفاق والاختلاف بين منظري النظرية ، واحسبه أهم بحث في هذا المحور ، اذ تطرق الباحث إلى نقاط التشابه والاختلاف بين رواد هذه النظرية قائلاً:
- ان المفكر لوك كان على خلاف هوبز من أنصار الملكية المقيدة لا المطلقة ، وأثر ذلك على طروحاته بصدد نظرية العقد الاجتماعي .
- يتفق لوك مع هوبز في نقطة البداية وهي وجود عقد اجتماعي انتقل بمقتضاه الأفراد من حالة الفطرة إلى حياة الجماعة .
- يرى لوك : ان العقد تم بين طرفين : الأفراد من ناحية ، والحكام من ناحية أخرى ، بينما يرى هوبز : أن العقد قد تم بين الأفراد فيما بينهم وبعضهم الآخر ، اما الحاكم فهو أجنبي على العقد.
- وفي مضمون العقد يرى لوك ان الأفراد لم يتنازلوا للحاكم بمقتضى هذا العقد الا عن جزء فقط من حقوقهم ، بينما يرى هوبز ان الأفراد تنازلوا للحاكم عن كل حقوقهم .
- وعن الآثار المترتبة عن النظرية :فإن لوك وجد ضرورة احترام الالتزامات الواقعة من طرفي العقد لأن سلطة الحاكم مقيدة وفقاً لمفهوم العقد الاجتماعي، بينما هوبز يميل إلى سلطة الحكام وتحريرها من اية عقود من افراد الجماعة.
- اما المفكر جان جاك روسو فهو يرى ان السلطة الدولة وهي السيادة مردها المجموع باعتبارها كائناً معنوياً مجرداً لا يخضع في نزواته لأهواء أو ميول،أنما يخضع للعقل ، وبالتالي : يكون للأفراد حق عزل هؤلاء الحكام اذا استبدوا بسلطانهم أو مسوا حقاً من حقوق الأفراد .
والباحث هنا توصل إلى النقاط المتقدمة في التشابه والاختلاف بين منظري النظرية بعد قراءة متأنية إلى اعمال المفكرين الثلاثة وفهم نظرياتهم ويخلص الباحث في نهاية مبحثه هذا إلى ان :
(يمكننا القول : ان التطور الحاصل في نظرية العقد الاجتماعي :انما هو نتاج تطور الفكر الإنساني في تلك المرحلة من الزمن ممثلاً بدور الفلاسفة الذين عاشوا فيه اذ كان الفلاسفة والمفكرون يعبرون عما في داخل المواطن أوالأمة)ص44
أما في المحور الثاني من الكتاب والذي حمل عنواناَ ايضاً (الرأي العام ) يدرس فيه الباحث خمسة مباحث يبدأها بالرأي العام مفهوماً واصطلاحاً فيستعرض الباحث هنا آراء المفكرين الغربيين بدءاً من ميكا فيللي وروسو ودي توكفيل وفَتَارد وماكينون ولاويل وكولي ثم انتقل الباحث إلى الفلاسفة المحدثين عارضاً آراءهم ومناقشتها بدءاً بجون ستيوارت مل وكوليردج وليونادر دوب وكي ووليام البيج ومينار وتوماس كلار وشيلدز وفلويدا ولبورت وينتهى إلى ان (الرأي العام هو تعبير الجامعة أو المجتمع أو الجمهور العام عن رأيه ومشاعره وأفكاره ومعتقداته واتجاهاته في وقت معين بالنسبة لأمر يخصه أو قضية تهمه )ص59 ، ثم ينتقل إلى الباحثين العرب احمد أبو زيد وعبد القادر حاتم ومختار التهامي ويناقش تعاريفهم إلى الرأي العام ، وبعد ان درس السيد الباحث الآراء المهمة للباحثين حول تعريف الرأي العام والاختلافات فيما بينها يقول:
ولعلنا نميل إلى ان الرأي العام وهو (التعبير الشائع عن أفكار المجموعات البشرية في مجتمع ما لتشخيص المطالب والحاجات في مرحلة معينة والتي تنعكس في نشاط جماعي يكشف عن هوية ذلك النشاط )ص63 ، بعدها يشرح الباحث عناصر الرأي العام وتقسيماته ونشأته التي يقف عندها مناقشاً وعارضاً رأيه بهذه القضية وهي من الحسنات التي تضاف للباحث السيد بحر العلوم فهو لم يكن ناقلاً للآراء فقط وانما مناقشاً ومثبتاً رأيه فيها .
ويرى الباحث الكريم ان للرأي العام مقومات ايضاً ويجعلها تسعة أقسام هي :
- العادات والتقاليد والقيم وسائر الموروثات الثقافية .
- الدين.
- التربية والتعليم.
- المناخ السياسي السائد داخل الدولة .
- المناخ الاقتصادي السائد داخل الدولة .
- الثورات والتجارب والأحداث الوطنية والدولية .
- الزعامة والقيادة .
- الأوضاع الدولية القائمة .
- المناخ الثقافي والإعلامي.
ويفرد الباحث لكل نقطة من الذي تقدم شرحاً وافياً موضحاً رأيه فيها .بعد ذلك ينتقل الباحث إلى تكوين الرأي العام ويعطي عوامل سبعة حددها الباحثون في تكوين الرأي العام هي :
- العوامل الفسيولوجية الوظيفية .
- العوامل النفسية .
- العوامل الثقافية .
- النسق السياسي
- الأحداث والمشكلات.
- الإعلام والدعاية.
- الشائعات.
أما البحث الثاني من محوره هذا فيناقش مباحث فيه (الإعلام وتأثيره على الرأي العام ) وهو موضوع خطير وحساس وخاصة ما يفعله إعلامنا من تأثيرات على الرأي العام في عراقنا الجديد ، يتطرق الباحث في هذا البحث إلى انواع وسائل الإعلام ويقسمها كالآتي :
- الوسائل المقروءة : وتتمثل في الصحافة والمطبوعات.
- الوسائل السمعية : وتتمثل في الاذاعة ، الخطابة ، الندوات ،الشائعات.
- الوسائل البصرية : وتتمثل في الفضائيات والملصقات والإعلانات ، الفنون ، لوحات تشكيلية ، نحت ، رقص.
- الوسائل السمعية – البصرية : وتتمثل في التلفزيون ، المسرح ،السينما ، والانترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي مثل : الفيس بوك والتويتر والمواقع الالكترونية.
- الوسائل الشخصية : وتتمثل في المقابلة ، المحادثة.
وارى بكل تواضع ان هذا البحث مهم جداً ومناقشته في هذا الظرف الذي يعيشه العراق تأتي أهميته فالباحث يناقش بأسلوب علمي جميل هذه الوسائل وكيفية استخدامها وتأثيرها في الرأي العام فيقول الباحث :(وتحاول وسائل الإعلام أحداث مؤثرات معينة على عقل الإنسان بدرجات متفاوتة تصل الى فرض نوع من الاستسلام العقلي عليه ، ومن هنا تكمن خطورة وسائل الإعلام في تكوين الرأي العام وتوجيهه)ص98 .
والذي توقفت عنده كثيراً وقرأته أكثر من مرة هو ما تحدث عنه الباحث في قضية حرية التعبير والإعلام ، فوجدته باحثاً فاهماً ما يكتب رغم مشاغله ودروسه في الحوزة العلمية لكنه قريب إلى ما يحدث في العالم وخاصة الطروحات الجديدة للأحداث السياسية والإعلام وما شابه ذلك ، فيعرف الحرية قائلاً :
(والحرية مفهوم سياسي واقتصادي وفلسفي واخلاقي عام ومجرد ، ذو مدلولات متعددة ، ومتشعبة ، ومستويات ، مختلفة فالحرية في مستوى نطاق التفكير الأخلاقي والسياسي ، ولا تعود مجرد صفة تميّز بعض الأفعال عن غيرها ، بل ترفع إلى مستوى الواجبات والحقوق والقيم ) ص105
ويقسم الباحث الكريم الحرية إلى ثلاثة أقسام :
- الحرية الشخصية : وتشمل الحرية الفردية ،والحرية العائلية ، وحرية التعاقد ، وحرية العمل.
- الحريات الروحية أو المعنوية : وتشمل حرية العقيدة والدين ، وحرية التعليم وحرية الصحافة وحرية الاجتماع .
- الحريات المنشِئة للمؤسسات الاجتماعية وهي : الحريات الاجتماعية والاقتصادية والنقابية وحرية تكون الجمعيات . (وبودي ان يقرأ المسؤولون هذا الكتاب حتى يتعلموا عدم محاربة الإنسان فيما يختار وفيما يمارس بحدود الذوق العام ).
والرأي العام وتأثيره على الحكومة هو عنوان المبحث الثالث من المحور نفسه فيقول الباحث فيه : (وتتضح أهمية الدور الإعلامي للدولة عبر صنع حد ادنى من الترابط بحيث ان جميع عناصر الجسد السياسي تشعر بأنها تمثل قوة واحدة، وكياناً واحداً ، وتمكين الترابط الحضاري ، فالدولة هي حقيقة حضارية ، والوظيفة الحضارية تنبع منها وظائف أخرى وعلى وجه التحديد الوظيفة الثقافية السياسية )ص117
ويضيف 🙁 ان للرأي العام تأثيراً فاعلاً في توجيه خطط الحكومات السياسية والثقافية والاقتصادية ، يجب ان لا يهمل ، ولا يغفل ، وهو دور ايجابي بنّاء ، فالرأي العام مراقبٌ واعٍ ، وموجه اصيل وناقد ذكي ، وخالق مبدع للاتجاهات السياسية والفكرية ، فعلى الحكومات ان تسمح له بحرية كاملة ، لكي ينشأ نشأة سليمة )ص118.
ما تقدم كلام باحث واعٍ لمرحلة مهمة من تاريخ العراق وينم عن رجل دين يحمل فكراً تنويرياً يريد لوطنه التقدم والازدهار بما يقرره الشعب وليس الحكومات .
ويخلص الباحث السيد بحر العلوم في نهاية مبحثه هذا : (إن على الحكومات ان تسمح برأ ي عام سليم يكون أشبه بالبوصلة التي تحدد الاتجاه الصحيح والمسار السليم ، فذلك أدعى لنجاحها ، وتطبيق خططها ، وديمومة وجودها)ص121
أما المبحث الرابع من المحور نفسه فكان بعنوان (الرأي العام ودوره في مسار سياسة المجتمع ) يقول فيه الباحث 🙁 وللرأي العام في أي بلد من البلدان مقوماته المنبعثة من تاريخه وتقاليده ، وظروفه البيئية ، وتراثه الثقافي، ومناخه النفسي ، وأوضاعه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، ومن تجاربه الذاتية وما يصله من تجارب البلدان الأخرى )ص124 ويضيف (وفي كل الأحوال: هناك مجموعة أساليب تلعب دورها في تغيير اتجاهات الرأي العام )ص126 ويلخصها الباحث بما يأتي :
- أسلوب الملاحقة والتكرار : أي توجيه انظار ومشاعر ، وأسماع وأذهان وعقول الناس نحو قضايا قليلة ، ومحاولة ملاحقة ذلك وتكراره .
- أسلوب الإثارة العاطفية : وهو الأسلوب الذي يستخدم لتغيير الرأي العام باثارة عواطف الناس ، ودغدغة مشاعرهم بمجموعة كبيرة من الوعود الكاذبة المخادعة وبقليل من الحقائق .
- أسلوب تحويل الانتباه : ويعتمد هذا الأسلوب على إثارة موضوع ثانوي وهو غير موضوع الاهتمام السائد بين الناس لغرض تحويل انتباههم عن الموضوع السائد .
- أسلوب عرض الحقائق : ويعتمد هذا الأسلوب في تغيير اتجاهات الرأي العام من رأي عام فاسد إلى رأي عام صالح عن طريق إيصال الحقائق إلى أكبر عدد ممكن من الناس .ص127
وهنا اود التعليق على هذه الأساليب التي طرحها الباحث الكريم إذ انّ حكامنا وسياسيينا في عراقنا الجديد قد اتبعوا الاساليب المتقدمة مع الرأي العام ماعدا الأسلوب الرابع فانهم بعيدون عن اظهار الحقائق للرأي العام .
ويضيف السيد الباحث : (فالرأي العام –إذن – قوة ، ولكن هذه القوة لا تؤتي ثمارها الاّ في ظل الحرية اذ يمكن التعبير عن الرأي صراحة او الهمس سرّاَ ، أو بالاقتراع العام أو التصويت )ص129.
وفي المبحث الخامس يتحدث لنا الباحث بحر العلوم عن اهمية الرأي العام فيقول:(وتكمن اهمية الرأي العام حيث له الكلمة الأخيرة – كما يرى البعض – في جميع الأوقات وجميع الأماكن ، فهو يتغير بتغير ثقافة الأفراد فيه كما يتوقف اتجاهه على مقدار الحقائق التي يحصل عليها الفرد وكيفية تفسيرهم لها) ص136
وفي فقرة اخرى من المبحث ينتهي السيد الباحث إلى :(والرأي العام قوة حقيقية شأنها شأن الريح له ضغط لا تراه ، لكنه ذو ثقل عظيم من شأن الإنسان ان يحني رأسه متطبعاَ معها ، وله – الرأي العام –قوة تأثير يدركها بل يخافها المتبعون على كرسي الحكم ، ولا يستغني عنها السياسيون العاملون وفق ما تقتضيه مصلحة التوجه الفكري الذي يحملون) ص140
اما المحور الثالث فقد أعطاه السيد الباحث عنواناً هو : (العقد الاجتماعي وسلطة الرأي العام عند الامام علي ع )
وفيه ستة مباحث أولها يوضح صاحب الكتاب العلاقة بين الامة والحاكم ويقول فيه : (والاسرة لها ربُّ ، وكذلك القبيلة لها رئيس ، والشعب له قائد ، أو زعيم ، والأمة لها من ترجع اليه ، -وسمّه بما شئت – نبي أو امام أو زعيم او قائد أو رئيس أو حاكم او مرشد، وهو لابد منه على كل حال حتى تنظيم أمورها –الأمة على وجّه من الوجوه) ص144
ويتحدث ايضاً عن الفرق بين الحاكم الذي يسعد أمته والحاكم الجائر المستبد ، ويقول: (اذن لا بد من حاكم يحكم الأمة ، ويدبّر أمورها ويدير شؤونها ، ولكن ما شروط هذا الحاكم ؟ وما مواصفاته ؟ وما الآلية التي يتم بها اختياره ؟) ص144
ويجيب السيد الباحث على تساؤلاته بأن (من اهم الشروط التي يجب توافرها في الحاكم الذي يحكم الأمة : الكفاءة والعدل بين الرعية ، وتحقيق المساواة بينها ، واقرار الحقوق بين ابنائها ، وتوفير الفرص الكريمة في الحياة لها ، والاّ يتعالى عليها ، ويستأثر بالسلطة والثورة دونها ، وان يراعي مصالحها العامة …)ص145
ويؤكد السيد الباحث على نقطة مهمة هي آلية اختيار الحاكم والتي يجب أن تراعى فيها المواصفات المتقدمة ويعدها من أول النقاط ويضيف 🙁 ان آلية الاختيار تكون بحسب الظروف المناسبة وبحسب التطورات الحضارية للإنسان فيمكن اختيار الحاكم: تارة : عن طريق أهل الحل والعقد أي النخبة ، وثانية :يمكن اختياره عن طريق الشورى (وامرهم شورى بينهم ) ، وثالثة :يكون عن طريق المبايعة العامة أو المبايعة الخاصة ، و رابعة : يكون عن طريق مندوبين يختارهم الناس (مجلس النواب) وخامسة عن طريق الانتخاب العام ، كل يخضع لطبيعة الحياة التي تمرّ بها الأمة والظروف التي تعيشها ، أو لطبيعة المرحلة الحضارية ،أو لمتطلبات العصر)ص151
ويتحدث السيد الباحث في هذا المحور الهام حديثاً ممتعاً عن الحياة المدنية فيقول (ان مصطلح الحياة المدنية ، مصطلح حديث جاءت به الحضارة الحديثة لكي يعبر عن حقوق المواطنة وحق الحياة ، وحق العمل وحق التفكير وحق التعبير وحرية الدين وحرية العقيدة وحرية السكن ، وغير ذلك من الحقوق التي تجعل الإنسان إنساناً بحق، تتكامل فيه شروط إنسانية ويستطيع التعبير عنها بحرية ، وإرادة كاملة وكذلك من حق (المواطنة ) ان يختار شكل النظام السياسي الذي يحكمه ، ويتكيف معه ، ليضمن حقوقه الكاملة )ص151.
وفي المبحث الثاني يكتب المؤلف عن دور الأمة في العقد الاجتماعي قائلاً :
( الحكم عقد بين الدولة (الحاكم) وبين المجتمع ، فالأمة هي التي تعقد العقد الاجتماعي، ليعبّر عن مصالحها وحقوقها ويصون حياتها ويحقق أمنها وأستقرارها ويحمي ملكيتها، فالحاكم يجب ان يخضع لشروط هذا العقد ، وبنوده ،ولا يخالفها أو يخرج عليها ، أو يتجاهلها والأمة يجب ان تراقب تنفيذ هذا العقد ، وتطبيق بنوده وشروطه ، وهي الوحيدة صاحبة الحق في تقويم الحكم ، وتقرير الموقف من شرعيته، وهو ما أوجبه الإمام علي (ع) حين قرر في عهده إلى وآليه مالك الاشتر حين ولاه على مصر قائلاً: هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر في عهده اليه حين ولاه مصر : جباية خراجها ،وجهاد عدوها،واستصلاح أهلها ، وعمارة بلادها) ص156.
(فالإمام يوجز عناصر التعاقد بين الحاكم والمحكوم بممارسة الأدوار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي لخصها فيما كان مشهوراً وسائداً في عصره والعصور التي تلت وهي ممارسة الحاكم للأمور الاقتصادية التي توفر مالية للدولة والشعب لكي يعيش ويوفر وسائل العيش الكريم ) ص156
يوضح السيد الباحث في صفحات عديدة من هذا المبحث الثورات والحركات التي قام بها المسلمون ضد الحكام الجائرين ،وينتقل إلى العصر الحديث مبيناً الثورات التي أرادت للإنسان العيش الكريم ضد الحكام المستبدين والجائرين ،وذكر الباحث ماجرى على العراق من ظلم وتسلط قوم قساة لم يلد التاريخ مثلهم … وفي المبحث الثالث يحدثنا السيد الباحث عن مراقبة الحاكم ومحاسبته فيقول :(إن مراقبة الحاكم في أدائه ،ورصد سلوكه ،ومدى مطابقته للشريعة الإسلامية وتعاليمها،وحكه بالعدل ،وتعامله مع رعيته ،بالمساواة ،وحرصه على مصالح الأمة وإيثارها على نفسه)ص173 ويضيف :(انَّ حق الأمة في محاسبة حكامها حق مشروع وفرته الأديان السماوية لأن الحكم لا يعني التسلط والاستعباد ،وانما يعني إدارة شؤون الأفراد وتميز الحدود الفاصلة للحق الفردي عن طريق قضاء عادل ،ولذلك كانت العدالة هدفاً أساسيا من أهداف الأنبياء )ص175
وقد ركز الأمام علي (ع) في عهده على محتوى العدالة قائلاً (ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر في الفيء إلى الحق اذا عرفه ، ولا تشرف نفسه إلى طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ، وأوفقهم في الشبهات وأخذهم بالحجج وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشف الأمور واصرحهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله اغراء وأولئك قليل )ص175
اما المبحث الرابع فكان بعنوان (العقد الاجتماعي والرأي العام تحقيق للإرادة الأمة):يقول فيه الباحث :(ان تجربة الأمة الإسلامية طوال تاريخها المديد مخيبة للآمال -الا في فترات قليلة –فقد صادر حكامها وسلاطينها إرادتها ،وتعدّوا تطلعاتها ،وزيّفوا أهدافها ،فعادت هملاً ،تسير وراء كل ناعق وتتبع كل زاعق أضاعت مقاييسها حين أضاعت شريعتها الحقة ،فأضاعت شخصيتها ،وفقدت وعيها وتوازنها ،بل سخرها حكامها لتحقيق أهدافهم الدنيوية ومطامعهم الشخصية فأصبحت وقوداً لصراعاتهم المريضة وصارت رماداً وصارت سدى وصار نظام الحكم باسم الإسلام استبدادياً و دكتاتورية وتحويل المسلمين إلى قطيع خاضع يمارس عليه العنف والقمع وتسلب حقوقه باسم الدين والدين براء من هذا الاستبداد ومن هذا التسلط الذي يصادر حقوق الأمة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً)ص184.
وفي المبحث الخامس من المحور الأخير للكتاب يتحدث فيه المؤلف عن السلطة عند الأمام علي (ع) تحت عنوان (الأمام علي (ع) وسلطة الرأي العام ) فيقول : (انّ قضية الحكم عند الإمام علي (ع) ترتبط بقبول ورضا المجتمع وأفراده وبذلك تنتفي العبودية للحاكم ويلغى الاستبداد ، فالحاكم ليس الذي يحصد الامتيازات لنفسه وفرديته وانما الذي يحقق الامتيازات لرعيته ويصلح أمورها ويقيم العدالة والمساواة ) ص191.
ويضيف المؤلف في هذا المبحث ايضاً : (انّ تعامل الرأي العام مع علي (ع) وتعليله هو معه يجب ان يكون مبنياً على الصدق ناطقاً بالحق ، كاشفاً عن ملتبسات الأمور ، محيطاً بكل الأوجه والاحتمالات فلا وجه للتضليل ولا مكان للتمويه ، وهكذا هو علي (ع) مع أصحابه في منطقه وخطه وأهدافه لساناً صادقاً وقلباً نابضاً للحق وقيادة تلتصق بجنودها )ص193.
أما القضية المهمة التي خلص اليها الباحث في أهم ركائز صناعة الرأي العام عند الأمام علي (ع) هي : ان صناعة الرأي العام عند الإمام علي (ع) هي جزء من عملية بناء الإنسان المسلم فكراً وموقفاً وفعلاً وحركة لكي يؤدي دوره في حركة صراع الحق مع الباطل ، والهدف من صناعته ايضاً عند الأمام (ع) هو تحقيق العدل وتتسم ايضاً هذه الصناعة عند الإمام ع بالصدق ونبذ التضليل الفكري والإعلامي وإنما هي تقديم الحقيقة كما هي ، ومن أهم وسائل صناعة الرأي العام عند الأمام علي (ع) هو تكوين الوعي لدى الأفراد والجماعات ، كما تستند صناعته عند الإمام علي (ع) على عنصر العقل والإقناع وكذلك الابتعاد عن المصالح الشخصية الضيقة والأنانية وإنما هو لخدمة الناس جميعاً ومصالحهم .
أما المبحث السادس والأخير من المحور نفسه فكان بعنوان (الرأي العام والعقد الاجتماعي في عهد الإمام علي (ع) لمالك الاشتر) وقد استمتعت به كثيراً لأنه بحث جميل تفصيلي فيه من الشرح الوافي الممتع لهذا العهد المهم ، فقد أخذ المؤلف بعض نصوص العهد شارحاً عليها قضية الرأي العام والعقد الاجتماعي التي كان يؤكد عليها الإمام علي (ع) في عهده لمالك الاشتر ، فمن ضمن فقرات العهد يوصي الأمام علي (ع)واليه الاشتر بقوله : (وليكن أحب الأمور اليك أوسطها في الحق ، وأعمها في العدل ، وأجمعها لرضى الرعية ،فان سخط العامة يجحف برضى الخاصة وان سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة)ص220 ويعلق السيد الباحث قائلاً : (يؤكد الأمام علي (ع) على مبدأ (الوسيطة ) أي : الاعتدال ، ونبذ التطرف، لأنه يقود إلى الإجحاف بحق بعضهم ويعطي بعضاً على حساب بعض ، فالاعتدال يجمع الناس على فكرة (الحق للجميع) من دون تمايز أو تمييز ، كما أنه يفتح أبواباً ونوافذ للحوار، وتبادل الأفكار والمصالح وصولاً إلى تحقيق المصلحة العامة ) ص220.
وبعد:
الكتاب الذي قرأته وعرضته على القارئ الكريم كتاب مهم أراه صدر في مرحلة مهمة ايضاً يمر بها العراق وقد فقد ساسته التوازن والوسطية فما عليهم الاّ ان يقرأوا الكتاب ويأخذوا منه الأفكار الجميلة التي جاء بها مؤلفه السيد حسن بحر العلوم الباحث الذي أغبطه كثيراً على غزارة نتاجه العلمي وخاصة هذا الإصدار الذي أراه بتواضع شديد من أهم ما صدر له لحد الآن …..


