منذ سنوات، ارتفع في العراق شعار محاربة الفساد، حتى أصبح من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي والإعلامي والشعبي. وعندما يُذكر الفساد، ينصرف الذهن مباشرة إلى الفساد المالي، أو الإداري، أو السياسي، وكأن الفساد لا وجود له إلا في الأموال والعقود والمناصب.
ولكن، هل توقفنا يومًا لنسأل:
من أين يبدأ الفساد أصلًا؟
هل يبدأ عندما تُسرق الأموال؟ أم يبدأ قبل ذلك، عندما يُعاد تشكيل وعي الإنسان بحيث يقبل ما كان يرفضه، ويبرر ما كان يدينه، ويصفق لمن يضره؟
إن أخطر أنواع الفساد ليس الذي يسرق المال، بل الذي يسرق العقل.
فالمال المسروق يمكن أن يُسترد، أما العقل إذا زُيِّف، فقد يدافع صاحبه عن من يسرقه، ويخاصم من يدافع عنه، وهو يظن أنه يحسن صنعًا.
ولهذا أجد أن الحديث عن الإصلاح في العراق بقي محصورًا في جانب واحد، هو الفساد المالي والإداري، مع أن هناك نوعًا آخر لا يقل خطورة، بل قد يكون هو الأصل الذي تتفرع منه بقية أنواع الفساد، وهو الفساد الفكري أو تزييف الوعي والإدراك.
فعندما تُزيَّف المفاهيم، وتُحرَّف المصطلحات، وتُوجَّه وسائل الإعلام، وتُصنع الروايات، ويُقاد الرأي العام نحو قضايا تخدم مصالح قوى سياسية أو اقتصادية أو خارجية، فإننا نكون أمام فساد من نوع آخر؛ فساد لا يسرق خزينة الدولة مباشرة، بل يعيد تشكيل عقول الناس حتى تصبح السرقة أمرًا عاديًا، أو حتى مشروعًا في نظر بعضهم.
إن المجتمع الذي يتعرض لتزييف الوعي قد يخرج بالملايين دفاعًا عن مصالح لا تعود عليه بالنفع، وقد ينشغل بصراعات جانبية بينما تُستنزف موارده الحقيقية، وقد يختلف أفراده حول الشعارات، في حين يغيب النقاش حول جذور الأزمات.
ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على ملاحقة الفاسدين، بل يبدأ ببناء الإنسان القادر على اكتشاف الفساد قبل وقوعه.
فنحن بحاجة إلى إصلاح في التعليم، وفي الإعلام، وفي الثقافة، وفي طريقة صناعة الرأي العام، وفي ترسيخ التفكير النقدي، وفي حماية المفاهيم من التزييف.
إن مكافحة الفساد المالي ضرورة لا خلاف عليها، لكنها لن تكون كافية إذا بقيت العقول عرضة للتوجيه والتضليل. فكلما أُنتج جيل لا يميز بين الحقيقة والدعاية، ولا بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، فإن الفساد سيعود بأسماء جديدة ووجوه جديدة.
ولهذا أرى أن الوقت قد حان لتوسيع مفهوم الإصلاح، فلا يكون إصلاحًا للمال وحده، بل إصلاحًا للإنسان أيضًا؛ لأن الإنسان الواعي هو الضمانة الحقيقية لكل إصلاح اقتصادي أو إداري أو سياسي.
وسؤالي المفتوح للنقاش:
هل توافقون على أن أخطر أنواع الفساد هو الفساد الفكري وتزييف الوعي، وأن أي مشروع للإصلاح لن يكتمل ما لم يجعل بناء الوعي جزءًا أساسيًا منه؟ أم ترون أن الأولوية يجب أن تبقى محصورة في مكافحة الفساد المالي والإداري؟


