زيارة الأربعين… حيث يلتقي الإنسان بالسماء

زيارة الأربعين... حيث يلتقي الإنسان بالسماء
تصوّر زيارة الأربعين تجربةً روحيةً يتجسد فيها التآخي والمحبة والخدمة والعبادة، ويتحول السير نحو كربلاء إلى رحلة إيمانية عميقة، تتضاءل أمامها مشاق الطريق، ويعيش الزائر خلالها شعوراً بالقرب من الله والارتباط الوجداني بالإمام الحسين...

كيف لهذه الجموع من البشر أن تتآخى وتتواد فيما بينها، لتسير نحو قطب الرحمة في الأرض «كربلاء الحسين بن علي»، هناك في المساحة المقتطعة من أرض الدنيا زماناً ومكاناً، كل المقاييس الدنيوية فيها باطلة بالحس والوجدان لا بالادعاء والهذيان، فلا أخالها إلا قطعة من جنة الخلد في الأرض.

هناك حيث السير نحو الحسين، هو سير نحو الله بكل معاني الكلمات الدالة على ذلك، لا يسعك وأنت تخطو خطوتك الأولى تجاهه إلاّ أن تكون في عصمة من الله عن كل رذيلة وعيب وذنب، وأحسب أن عقد النية على المسير في زيارة الحسين هو دخول في حرم الله المانع لأي نقص أن يلج تلك المساحة المقتطعة من الزمان والمكان،……

الكل هناك مشغول بالحبيب لا يرى في كل ما يحيط به سواه، يرى الترب الذي تطأه قدماه زعفراناً مدافاً بالمسك والعنبر، وحرارة الشمس اللاهبة في تلك الظهيرة هي الواقي عن لهب جنهم ولفح هجيرها وبرد الشتاء دفأ فلا برد ولا حرور، والنصب والتعب اللذين يجدهما ما هما إلاّ المنشِّط والدافع نحو إكمال المسير للقيا ذلك الحبيب، الذي تملّكَ قلوبَ محبيه وهيمن على كل حركاتهم وسكناتهم، فعشقه عشقاً اختلط بالدم واللحم والعظم..

يلمس الماشي أو الراكب جناح الملائك وهو قاصداً الحسين، أن البشر المحيطين به والراكبين معه ليسو بشراً بحالتهم تلك، إنهم جمع من ملائكة الرحمة، فهم والحال سواء معك من حيث التعب والجهد والنصب، لكنهم يفوقونك من حيث كرم الأخلاق ودماثة العشرة، …….

هناك من الشواهد الكثير، الشواهد التي مهما تكن ذا قدرة بلاغية فائقة، فإنك تعجز عن تجسيدها كي يراها المتلقي شاخصة أمامه، كما أحسستها وعايشتها أنت! ناهيك عمّا تجده حينما تصل إلى بقعة الجنة الطاهرة «كربلاء»، فعندها كلّ جوارحك وأعضائك تخالها تسبح باسم ربها أن منّ عليها بدخول الجنّة، فتسّاقطُ دموعاً ساخنة من محجر العين، التي ما إن ترى الحسين حتى تتحول فراتاً جارياً كأنها تريد أن تقول:  ها أنذا يامولاي، خذني ماءً تبلَّ بهِ شفتيكَ إذ شحَّ الفراتُ عليك بمائه ……..

فهناك تتحشد أنفاسك تسبيحات، وكلّ أعضائك جبهة للسجدات، وكلّ نبضات قلبك أصواتاً للقبلات، وكلّك لساناً يلهج بالصلوات.. وبلبيك يا حسين!……

وحينما تلتفت يميناً وشمالاً، لا ترى إلاّ الحامد والراكعَ والساجد والتالي لذكر الله بنغمات من الألفاظ الملائكية المكتنـزة بالمودة والمحبة والعطف، وشرف الخدمة من كل من يقابلك من خدّام العتبة وزوارها!

هنا تدرك أن من يتجلبب الحسين، إنّما يتمثل الخلق العظيم في كل حالاته، وتكون تلك المساحة المقتطعة لمن عاشها؛ الجنّة

نحن نعلم يا أبا عبد الله بأنك وآباءك وأبناءك يرونا في ارض كربلاء ، ويبكون معنا عليك يا سيدي, فـــسلام الله عليك يا سيدي يوم وُلدت ويوم تموت ويوم تُبعث حياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *